Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mojahed al-Bousaifi
الكاتب الليبي مجاهد البوسيفي

Monday, 14 April, 2008

ضرورة الديمقراطية (*)

مجاهـد البوسيفي

يوجد في هولندا حزب متدين أقرب ترجمة لاسمه هي «الحزب السياسي الأرثوذوكسي» (SGP). وهو حزب متشدد ومتطرف دينيا، بحيث يرفض حق المرأة في التصويت والترشح للانتخابات، وكثير من أعضائه لا يملكون تلفزيونا في بيتهم، باعتبار ذلك ضد تعاليم السيد المسيح. إنه بشكل ما أشبه بتنظيم القاعدة الهولندي.
ولكن شتان بين القاعدتين. إذ يكمن الفرق الجوهري في أن قاعدتهم تعيش في عصر ما بعد التنوير الذي فرض أسسا جديدة للحياة والتعايش بين الناس، بينما تعيش قاعدتنا وأنصارها في عصور الظلام، متبعة منطق فرض الحجة بالقوة، وفق قاعدة الولاء والبراء الشبيهة بمبدأ بول بوت الذي يهدف للبدء من الصفر بعد تصفية كل مختلف، بهدف طفولي خطير هو العودة إلى مرحلة النقاء الأولى والبناء عليها بعد ذلك. لذا، فإن حزب هولندا الأرثوذوكسي المتشدد يخضع في نهاية الأمر للعقد الاجتماعي -منجز عصر التنوير الأساسي- الذي ارتضاه الهولنديون لحياتهم، ولذلك فهو حاصل على رخصة رسمية تخوله الدعوة لمنهجه الذي ربما شك من يقرأ هذا الكلام أنه يوجد أصلا في بلاد مثل المملكة الهولندية، حيث الهوس بالحرية. لكن هذا الحزب لم يكتف برخصته وعمله الدعوي، بل ترشح للانتخابات ويحتل الآن مقعدين في البرلمان -بالطبع لرجلين- يناقش سياسة البلد ويدافع على أيديولوجية ناخبيه، ويسهم أيضاً في مناحي الحياة الأخرى التي يراها مناسبة له.
ولكن لماذا انتهج هذا الحزب المنهج السلمي وبقيت قاعدتنا ومناصريها في السر والعلانية على منهج الذبح والترويع من أجل إعلاء كلمة الحق كما هو الزعم؟
السر يكمن في المفردة التي لا يطيق هذا التنظيم وكثيرون غيره سماعها، إنها الديمقراطية التي تمنح الجميع فرصة متساوية في الإعلان والدعوة والوصول للحكم طالما أن الأمر يتم بشكل سلمي. وبالطبع فإن حزبا كهذا متجذر في الأصولية ويعيش في بيئة تقدس حرية الفرد وخياراته يعتبر تحصله على مقعدين حلا عادلا ومرضيا لكل الأطراف. وهذه هي الديمقراطية التي لا يمكن اعتبارها الحل الأمثل للمشكل السياسي والاجتماعي، ولكنها بالتأكيد الأفضل لحد الآن، بحيث تعطي عبر آلياتها المتفق عليها من الجميع لكل فرصته المستحقة والمساوية لغيره وعلى الناخب أن يختار. إنها عملية تهذيب لغريزة التحكم وتوزيع لقوى المجتمع السياسية، ومنع للانفراد بالممارسة، حيث لكل مشارك في هذا العقد نصيبه الحقيقي من غنيمة الحكم الذي حالما يتحصل عليه ينبغي أن يرجعه لمن انتخبه في شكل خدمات ومصالح، وإلا فقده في الدورة التالية.
جوهر الديمقراطية هو حرية اتخاذ الخيار وسلمية التعبير عنه والتمثيل المناسب لما يمثله كل فريق في الشارع السياسي، وهذا الاتساق المتصل تم التوصل إليه في الغرب بعد قرون طويلة من تجريب كافة الخيارات التي كان الكثير منها كارثيا ومخجلا. ولذا، فنحن اليوم ما زلنا في الخطوة الأولى في هذا المسار الطويل، حيث لن ترضى القاعدة والفكر الأصولي عامة بالخيار الديمقراطي. وإذا ما وجد ودخل المتطرفون فيه، فعلى الأغلب سوف يحققون نتائج تفوق ما حققه المثيل الهولندي، وعلى الأغلب سوف يديرون السلاح نحو الكتف الآخر ويتنكرون للأمر برمته، باعتبار ما حدث يقع ضمن منهج التقية السياسية المباح اتباعها ما دام المتبع وسيلة لرفع القدر والشأن والسيطرة على أمر الأمة. ذلك أن الديمقراطية قبل كل شيء هي قيمة فكرية تنتجها ثقافة تستند على مناهج في البحث والنقد للسلف، واستخراج الرديء وفصله عن الجيد بهدف تنقية الموروث وفرزه لمنع دوره كعائق يعمل على لي عنق الفرد نحو الحنين للماضي المتخيل المليء بالأوهام. فاللحاق بالعصر لا يعني استخدام أدواته كما يحدث مع التكنولوجيا مثلا، لأن هذا المنجز هو قبل كل شيء هو إنتاج لثقافة علمية مرت بمراحل عديدة وكان أساسها هو الاعتراف بأن الماضي ليس هو الفردوس الغائب الذي ينبغي استحضار روحه من جديد.
إننا نعيش فيما قبل عصر التنوير بقليل، ربما نكون على الحافة، لكن الطريق ما زالت طويلة، ولن تتحول القاعدة إلى الحزب الهولندي قبل أن تتم معالجة مرض الحنين للماضي وكوارثه التي أبرزها معمل التخلف الذي فتح في أفغانستان بمشاركة فريدة من قبل أفرع مختلفة من الفكر الأصولي، بدأه الشيوعيون وطوره اتحاد تجار المخدرات والأصوليون وأشرف على تكتيكاته الأخوة في تنظيم الإخوان المسلمين، ويعاني منه اليوم العالم برمته، حيث يشير الجميع بأصابعهم نحو الإسلام باعتباره منبع هذا البلاء. إنها فرية صريحة، لكن من سيصدقنا وسط كل هذا الترويع الذي يُحدثه أناس يسمون أنفسهم باسم الله والإسلام، ويشرعون في ذبح عباده مباشرة على الفيديو كليب؟
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "العرب" القطرية ، السبت 12 مارس 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home