Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mojahed al-Bousaifi
الكاتب الليبي مجاهد البوسيفي

الأحد 12 ديسمبر 2010

عيد ابوظبي وعيد طرابلس

مجاهـد البوسيفي

أولا إليكم هذه القصة التي يحفظها كل ليبي تقريبا وسمعتها شخصيا من عرب كثر على اطلاع :

في بداية السبيعنات زار الراحل الكبير الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله مدينة طرابلس عاصمة ليبيا -آنذاك- وأجرى عملية جراحية في احد مستشفياتها الخاصة (مستشفى اندير) , واطلع المرحوم اثناء زيارته على ماتحقق في المدينة من عمران ونظافة وحركة تجارية وثقافية نشطة يرجع الفضل فيها اساسا للاستعمار الإيطالي (من ناحية المعمار) وحكومات الاستقلال في العهد الملكي (من الناحية الثقافية والتجارية) قبل تغيير سبتمبر العسكري، ومن اعجابه بتلك الروح الطموحة التي كانت منبثة في المدينة العريقة تمنى المرحوم امام العقيد القذافي أن تكون مدينة ابوظبي على نفس المستوى يوما ما.

وقد عاش الشيخ زايد عمرا مديدا من العمل والمثابرة قاد خلالها مدينته وبلده إلى الوضع الحالي المزدهر الذي يعتبر الحديث فيه من النوافل، فكل مافي هذه الامارة مشع ونظيف ومرتب، يتمتع سكانها بواحد من اعلى الدخول في العالم، وتشهد انشطتها تصاعدا طموحا في كل المجالات، تحوطها الخضرة من كل جانب وتتشرف بقيادة الاتحاد العربي الوحيد الذي نجح وازدهر واصبح أمرا طبيعيا معاشا يتمسك به المواطن قبل الحكم ونشهد هذه الأيام الاحتفالات بالذكرى 38 لقيامه ،وهي احتفالات النصيب الأوفر فيها للمواطن والمقيم .

أما طرابلس التي كانت على ماتمناه الشيخ زايد لمدينته يوما فهي اليوم في حالة يعرفها الجميع من الفوضى والفقر وكتم الحريات، فالمدينة - التي شهدت احتفالات مرور اربعين سنة على وصول السيد العقيد معمر القذافي للحكم- يبلغ فيها متوسط دخل المواطن المحظوظ الذي تحصل على عمل 300 دينار بعد أن هبط سعر الدينار الذي كان يوازي ثلاثة دولارات وكسر إلى اقل من الدولار، وتخلو من جرثومة الصحافة التي كانت مزدهرة ووصلت قبل تغيير سبتمبر إلى أحدى عشرة صحيفة يومية لتتحول إلى مجرد بضعة منشورات تابعة للثورة يقع اغلبها في مقر واحد ومهمتها الرئيسية هي بذل المدح الرخيص والإشادة بانجازات وهمية لاوجود لها، ووصلت بنيتها التحتية للحضيض (19%) ويعاني سكانها – ضمن سكان ليبيا عامة - من بطالة غير مبررة ولامفهومة حسب كل النظريات تترواح في الارقام الرسمية بين 15 و30%. لشعب يقطن فوق بحيرة من النفط الممتاز – نوع برنت- ولا يصل عدده لستة ملايين، وحتى مستشفى لندير ذاته تحول لخرابة شاهدة على المدينة التي صارت متجهمة كقبر، بعد أن ألغت الثورة التجارة والفنون والرياضة واختصرت ليبيا في شيء واحد : الكتاب الأخضر.

السؤال الذي يعذب كل ليبي هو : لماذا حدث ذلك ولمصلحة من ؟.

أزعم أن السبب الرئيسي في ازدهار ابوظبي ونكبة طرابلس هو في المحبة. محبة الشيخ زائد لشعبه وايمانه بمسؤولية القائد في تغيير ظروف الحياة إلى الأحسن والعمل المستمر والقرب الشديد من الناس والاستماع لهم وبث روح المبادرة فيهم، وبالمقابل اتخاذ السيد العقيد القذافي لموقع القائد المعلم الذي يعرف كل شيء واحلامه المفرطة في القدرة على تغيير العالم وانهماكه في كل معركة وهمية ممكنة وتبذير مال بلاده ومدينته على مشاريع خارج مجال شعبه بهدف الوصول لبوابة التاريخ.

استطاع الشيخ زايد تغيير وجه مدينته وبلاده وادخالها بوابة العصر والحداثة مستخدما في ذلك افضل مافي ثقافة البدو من شهامة وغيرية وكرم وروح متسامحة ورغبة في الاستفادة من منجزات العصر، بينما العقيد القذافي انشغل بفرض أسوأ مافي قيم البداوة من قسوة وعصبية وإنكار في ما يمكن أن نسميه طبعة حكم (البداوة الرثة) ، أنه الفرق بين من اخذ من البداوة افضل قيمها واخضعها لروح العصر دون أن يفقد اصالته وبين من حكم وفق آليات البدونة التي لاتناسب الدولة الحديثة فلاربح البداوة ولادخل العصر، جاعلا من الدولة كلها خيمة متنقلة يتبعها المسؤولون والغاوون وضاربي الدف، أنه الفرق بين البداوة والبدونة في أوضح صوره..

الدرس الكبير الذي نتعمله من هذا هو ان دخول التاريخ لايتم بالقفز عن الواقع وظروفه، فالاشياء لها ترتيب خاص، ومن اراد ان يغير المحيط عليه أولا أن يغير نفسه ثم واقعه المحلي وبعد ذلك لكل حادث حديث.

مجاهد البوسيفي
Omaromar616@hotmail.com

_________________________

ــ في مثل هذه الأيام من العام الماضي كنت اكتب عمودا أسبوعيا بأحد الصحف الخليجية ، وعندما ارسلت هذه المقالة لم اجدها في اليوم المخصص لطباعتها منشورة كالمعتاد ، وكان ذلك نتيجة متوقعة لجهد ليبي رسمي مكثف استمر قرابة العام. وفي الأيام الماضية اتيحت لي فرصة زيارة ابوظبي لعدة ايام، فخطر ببالي إعادة نشر هذه المقالة بالمناسبة كما كتبت آنذاك.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home