Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mojahed al-Bousaifi
الكاتب الليبي مجاهد البوسيفي

الثلاثاء 10 مارس 2009

فصل في ليل عربي طويل (*)

مجاهـد البوسيفي

في بضعة ايام صدر قرار المجتمع الدولي بالبدء بمحاكمتين دوليتين في قضيتين عربيتين، واحدة تتوجه مباشرة لدولة عربية هي السودان والاخرى تنطلق من لبنان وسوف تتوجه على الارجح لدولة عربية اخرى بالتهمة في نهاية مشوارها القانوني.
الرد الرسمي السوداني كان دالا على السرعة التي تدور بها ساعة العالم والبطء الذي يفهم به العرب – او بعضهم بأفضل الاحوال– مدلولات هذه الحركة ونتائجها، فلقد اقترح الرئيس السوداني السيد عمر البشير على المحكمة الجنائية الدولية قبل يوم من اعلان قرارها - حسب فهمي للهجة السودانية – أن تنقع قرار اتهامها في الماء ثم تقدمه للمدعي العام ليشرب المنقوع بالصحة والعافية، ثم ثنى على ذلك بطرده لثلاثة عشر منظمة تقدم خدمات للمنكوبين من ابناء شعبه، ثم زاد الثالثة أثناء زيارته لدار فور الفاشر عندما خطب في جماهيره قائلا أن المحكمة واصحابها تحت جزمته المحترمة في عودة عربية قحة لموضوع الكندرة إياه.
الرد الرسمي السوداني الذي أظن أنه غير قابل للتطبيق نظرا لتوفر مشروبات أخرى أكثر سلاسة واطيب طعما، وأيضا لصعوبة طي المحكمة وجلبها لتوضع تحت جزمة الرئيس البشير، انما يعكس بالدرجة الأولى عدم فهم حقيقي وعميق لابعاد الفخ الذي اوقع الرئيس البشير نفسه فيه. بالطبع الرئيس البشير يعتقد أن حشد التأييد الداخلي يتطلب مثل هذه اللغة، وربما يكون هذا صحيحا على افتراض أن المسيرات التي خرجت للشارع منددة بالقرار قد خرجت طوعا وليس بفعل آليات التنظيم والحشد التي تبرع فيها الانظمة العقائدية والعسكرية، لكن ذلك في كل الاحوال لن يكون له اثرا يذكر في لعبة معقدة سلاحها القانون والمناورات السياسية.
على النظام السوداني الذي تأخر كثيرا في البحث بشكل جدي عن حل لمشكلة دارفور، ووقف متفرجا طوال سنوات على تفاقم هذه المشكلة، وتحولها إلى قبلة لزيارات دولية عديدة شارك فيها الرسمي والشعبي ورموز مؤثرة في صياغة الرأى العام الدولي، عليه أن يدرك ان الحشد الشعبي مهما كان صادق النوايا فلن تكون له الكلمة الحاسمة في مثل هذه القضايا، لقد جرب صدام حسين هذا الأسلوب من قبل وانتهى به الأمر في حفرة قبل ان يحاكم ويعدم، وجربه العقيد القذافي الذي ذهب بعيدا في الانكار والتهييج أيام " طز طز في امريكا" ثم انتهى به المآل إلى التسليم بالأمر الواقع مكتفيا بالنجاة الشخصية ربما إلى حين.
هذه الوفود التي بدأت تتقاطر على الخرطوم شهدتها عواصم أخرى أدينت فيما سبق ولم تستطع أن تفعل لها شيئا عدا التكاليف المضافة والعبء الناتج على مهرجانات الاستقبال والتوديع قبل أن تتفرق ايدي سبأ عندما تحين لحظة الحقيقة وتبدا مرحلة ابراز الوثائق واقوال الشهود وحملات الاعلام التي لاتترك كبيرة ولاصغيرة دون عرضها في كرنفال السباق على تحقيق أكبر رقم ممكن من المشاهدين.
كلنا يعرف المسؤولية التي يتحملها نظام السيد البشير الذي تعامل مع الأزمة كطرف وليس كحكومة، ولازلت أذكر تصريح وزير الخارجية السوداني السابق الذي أفاد بأن حكومته قد غضت البصر عن مايحدث في دار فور، ليس حياء وحشمة ولكن تحت ماسماه باكراهات الحرب، وإذا كنا سمعنا وشاهدنا ذلك على الأثير فماذا يمكن أن يكون في جعبة السيد المدعي العام من اثباتات لازالت مخفية إلا على أولي التحقيق؟.
هل ستحول السودان لرهينة في يد النظام الحاكم ام أن الحراك الذي سيعقب هذا القرار سوف ينتج تناقضات داخلية مفتوحة على الاحتمالات؟ ليس أمامنا إلا أن التمنى أن لايغرق السودان أكثر مما هو غارق الآن، فالمخيف هو هذه اللغة التي نسمعها من داخله والتي لاتنتمي للغة العالم اليوم بأي شكل ومعنى؟، فسياسة الانكار والحث على العزلة والانكماش في محاور مهترئة بحكم التغير والمستجدات هو سياق لامستقبل له. لسنا طبعا في وارد أن نتخيل أن يركب السيد البشير طائرته الخاصة ويذهب للمحكمة ويثبت براءته ويكسب الرأى العام العالمي والمحلي بخطوة جريئة كهذه، لكننا نأمل على الأقل ان يشارك مشاركة حقيقية في إيجاد حل حقيقي لهذه المشكلة الصعبة مع الآخرين من أهل بلده، وأن لايحتكر الحل كما أحتكر الكارثة. لايمكن التعويل على النفس الحماسي قصير المدى، ولا على تلك الوفود الثائرة التي سرعان ما ستركب طائراتها عائدة إلى مرابضها آمنة مطمئنة في انتظار أزمة أخرى لتسجل حضورها في سجل الكوارث العربية المتجددة، مايمكن التعويل عليه هو اطلاق سراح الإرادة السودانية وتجديد شباب الكراسي التي شاخت، والبحث عن حل من داخل الرحم وياحبذا من داخل دارفور نفسها.
لايبدو أن السيد أوكامبو مقبل على شرب نقيع قرار الاتهام، ولا الرئيس البشير مقبل على فك حصار شعبه والذهاب طواعية للدفاع عن ملفه، مايبدو في الأفق هو فصل جديد من ليل عربي طويل، الدور فيه هذه المرة على شعب السودان. كان الله في العون.

مجاهد البوسيفي
Omaromar616@hotmail.com
_________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "العرب" القطرية ، الثلاثاء 10 مارس 2009م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home