Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mojahed al-Bousaifi
الكاتب الليبي مجاهد البوسيفي

Tuesday, 3 June, 2008

فرصة كبيرة ضائعة (*)

مجاهـد البوسيفي

كان من الممكن أن تكون هزيمة يونيو الكارثية نقطة انطلاق جديدة للعرب كما حدث سابقا مع امم أخرى اقربها في التاريخ المانيا واليابان، ولكن اسوأ ماحدث بعد الهزيمة ان هذا التغيير لم يحدث، لقد سقطنا في الامتحان العسير واهلنا التراب على الحقيقة المرة وتسابقنا جميعا تقريبا في إيجاد مبررات خادعة وتصورات معظمها وهمي و لعل اطرفها تحميل المسؤولية لإسرائيل وامريكا عن ماحدث.

لقد خسرنا الحرب في زمن قياسي ولكن خسارتنا الجسيمة بدأت في الواقع عندما خرجنا للشوارع هائمين نطالب بوقف التغيير واستمرار الحالة التي سببت الهزيمة في قرار عاطفي يعبر عن حقيقة الوعي البائس الذي نحوز عليه، كان علينا في ذلك اليوم المشؤم أن لانخرج للشارع وأن لانطالب ببقاء القيادة التي جرتنا لتلك الكارثة وأن ندوس على عواطفنا الغرة ونمضي في التغيير نحو بنية أخرى قادرة على تحمل ظروف المرحلة الجديدة، ولكن ماحدث كان على العكس من ذلك لنضيع فرصة تاريخية كبيرة لخلخلة الوعي العربي والدفع به نحو النظر في عين الغول ومواجهة الحقيقة المرة مفضلين عن ذلك الاستمرار في نفس المنهج ونفس الطريق وبنفس الادوات.

الامم الاخرى تعمل بحسب الاولويات ونحن نعمل بحسب العواطف ومايمليه علينا الاعلام الرسمي، لقد تخلت بريطانيا العظمى عن تشرشل بطل الحرب الثانية، وركنت فرنسا ديغول في قرية صغيرة لاكثر من عقد بعد انتصارها على الجزء الفاشي داخلها، ولكننا تمسكنا بالقيادة الناصرية رغم تقدم عبدلناصر نفسه بطلب اعفاءه من المسؤولية بعد ان رأى الهاوية التي اوقعنا فيها نظامه الذي كان هو أول ضحاياه، لقد فقدنا واحدة من اهم المبادرات التي توفرت لنا واخترنا ان نسير في نفس الاتجاه بدل تغييره، وهذا هو فارق الوعي الذي يفصلنا عن الامم الاخرى التي نراها تتقدم كل يوم بينما ننهمك نحن في سجال تبريري نعلق فيه الاخطاء على مشاجب مختلقة ليس بينها مشجب حقيقي واحد.

أن الامم التي ترغب في الحياة بجدارة يجب ان تكون قوية المعدن اثناء الازمات، قادرة على التفريق وأرجاء العواطف والتمسك بالم الحقيقة والقيام بمحاسبة الذات وماكشفته هزيمة يونيو التي مازلنا ندفع ثمنها بالتقسيط هو اننا أمة لاتعتمد النقد من ضمن مناهجها ولاترغب في مواجهة نفسها وغير قادرة على استخدام ادوات الحداثة في فرز تراثها وتعاني من مرض خبيث اسمه التمسك بالرمز حتى ولو جرها إلى عكس سير التاريخ والجغرافيا وعلم السياسة وتطور المجتمعات، أن المرارة التي نمضغها اليوم هي ناتج ذلك اليوم الذي تمسكنا فيه بما يجب التخلي عنه واصرينا على المضي في طريق قادنا للتو للهزيمة حتى بدون ان نفاوض على تحسين شروط حياتنا البائسة التي تعج بالمحرمات السياسية والاجتماعية.

وهكذا استمرت نفس تلك البنية في قيادتنا من هزيمة لأخرى، وتفرغ أولاد عبدالناصر ورافعي قميصه لجر الأمة للمهاوي في غير مكان وبلد لنفيق كل يوم على احتلال جديد بعضه مباشر وبعضه ملتبس ومتخفي في حلل عديدة لايمكن لمن في مثل وعينا معرفتة نواياها ولاسبر كنهها فنحن قوم مولعون بالمظهر وكلام البلاغة وتحريف الواقع نحو المجاز.

كان علينا ان نوافق على استقالة عبدالناصر من اجلنا واجله، وكان علينا ان نعض على جرحنا ونواجه الحقيقة المرة، وكان علينا ان نستبدل البلاغة بالعلم والاقصاء بالحوار وعبادة الفرد بتقديس الوطن، لكننا سقطنا في كل هذه الاختبارات ولازلنا ندفع الثمن.

مرة سألت كاتبا عربيا اثق فيه إذا ماكنا تجاوزنا أدب النكسة وآلامها فأجاب بأن البعض كان قد تجاوزها حتى قبل أن تحدث، أنه الاستعداد المسبق للهزيمة والتسليم بقدرها، فالهزيمة ايضا توفر الحياة الرغدة لعدد لاباس به من الناس، تحديدا الناس الذين فوق.

مجاهد البوسيفي
Omaromar616@hotmail.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "العرب" القطرية ، الثلاثاء 3 يونيو 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home