Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Baeu al-Misrati
الكاتب الليبي محمد بعيو المصراتي


محمد بعيو المصراتي

Saturday, 29 September, 2007

حـمّى عـابـرة

محمد بعيو المصراتي

1

أجلس على الفراش لوحدي، أعاني من برودة الوحدة التي تغمرني بكل قسوتها، و لم تشارك وحدتي هذه إلاُ السيجارة التي لا تفارق فمي، ودخانها الذي يتحرك في الهواء بلونه الأبيض كأشباح تحوم حولي.

الفراش وسخ، و الصدأ قد أصبح لون السرير الذي أنام عليه... وسادتي عليها بقعة بنية من أثر القهوة التي وقعت مني البارحة عليها... جورب مرمي فوق الكرسي الخشبي الذي بقرب السرير، وحذاء مرمي وراء سلة النفايات، ولم أعرف أين ذهب زوجه الأخر... الحمام يظهر لي وكأنه مغارة من صغره... المطبخ لا أدري ماذا يوجد به غير الفئران التي تحوم فيه، تأكل من صحن طعامي، أراها في جماعات فيركبني الحسد كفلاح يرى محصول جاره الوفير، كنت أشعر بأن هذه الفئران رغم حالة الخطر من غارات الصحون و الكراسي التي أرميها عليها من لحظة لأخرى، لا تخشى من الوحدة، وتعيش في حب وتآلف في ما بينها.
في الخارج كان الطقس بارداً... أسمع صوت الجيران الذين يحتفلون، برأس السنة، صخبهم وضحكات الإناث الفاجرة، والرجال المهووسين، ذوي الضحكات الغبية. حتى جيراني لم يسلموا من حسدي، لم يذوقوا طعم الصمت و البرد و قلّة الطعام، و نفاذ الصبر... لم يجرّبوا العزلة و لا قسوتها... يضحكون، يتسامرن، ويتبادلون النكات في ما بينهم، على صخب أغاني بريتني سبيرز و نخب كوؤس النبيذ الأحمر. كنت أسأل نفسي لو أنهم تذكروني، و دعوني معهم... وقتها فقط سأدرك أن أمي لا تزال راضية عليّ بعد هذه السنين التي لم أرها فيها و لم أسمع حتى صوتها أو تتبعت فيها أخبارها. شعرت أنني أفتقدها، وأنني محتاج لـ "عصيدة " ليبية مئة في المئة من تحت يداها.
- " هل لا تزال أمّي على قيد الحياة يا ترى؟ " سألت نفسي و أنا أتقلب في الفراش إلى الجهة الأخرى حيث احتضنت عيناي الحائط الأصفر.

2

- "حتالة، كلهم حتالة، أهلي حتالة، وجيراني حتالة، و رف أم الحياة كلها حثالة " صرخت، وأنا أرمي ما تبقى من السيجارة على الأرض... شعرت بتلك الكآبة الطاغية في داخلي... كآبة المراهقين عند كل مساء فارغ... كآبة العاشق على حبيبة وهمية... كآبة البغل الذي لم يعثر على أنثى الحمار ليركبها.
يا إلهي... ماذا يبقى من العمر لو ذهب هكذا في عزلة باردة؟

3

قرع الباب، قفزت من الفراش، سألت نفسي من سيأتيني، ربما يكون صديقي امحمد أو عمر، أو صديقتي الإنجليزية البدينة "ساره" التي تزورني من حين إلى أخر لممارسة الجنس، عندما لا تعثر على أحد يمارس معها الجنس غيري، وقد قالت لي ذات يومٍ و كلينا مستلقي على الفراش: "إن لم أجد ذكراً أمارس الجنس معه، فإنني أمارسه مع الإناث... الجنس عطش". أو ربما يكون الطارق جاري الذي يحتفل الليلة مع رفاقه، ويودّ منّي أن أحتسي معه النبيذ الفاخر، ونتحدّث عن الحياة والعمل، وربما أنام عنده مع إحدى صديقاته، وسأكوّن علاقة قوية معه، ويبحث لي عن عمل ويزوّجني، فأحصل على الإقامة والجنسية الإنجليزية دون شك.
ذهبت بخطوات بطيئة، فتحت الباب ربع دورة، رأيت الطارق الذي كسّر لي حلمي وتفاءلي بأنه جاري، فلقد كان هذا الطارق العجوز الباكستاني صاحب الشقة، بنظراته الغبية و رائحته الكريهة التي كدت أن أتقيأ منها.
طلب منّي إيجار الشهر، أو بالأحرى، أجرة الثلاثة أشهر الماضية، والتي كنت أتماطل في دفعها... قلت له بأنه ليس لي مال حتى اللحظة، و توسلت له بعد أن حاول تحريك شفاهه للكلام بأنه ليس عندي بيت، و أن البرد خارجاً سيقتلني، و أن لي صديق سيرسل لي مبلغاً كبيراً من المال، ووعدته وأنا أربّث على كتفه بدفع إيجار سنة أخرى مقدماً إضافةً لإيجار الثلاثة أشهر الماضية. وفي الواقع لم يكن كلامي صادقاً، و لا وجود لمال أو صديق، ولم يكن وعدي هذا جديداً عليه، حتى أنه كاد أن يحفظ ما أقوله لكثرة ما سمعه.
- "تعتقد أنني غبي لتنطبق عليه هذه الكذبات في كل مرة أطالبك فيها بالإيجار" قال العجوز بغضب "موف آوي يو سان أوف ذا بيتش".
تمالكت نفسي، وأصبحت أفكر بإبتسامة صغيرة على وجهي: "يا ليتني ما فتحت الباب، ولم أورط نفسي مع هذا العجوز النتن". كنت أعلم بأنه لن يمهلني ولا دقيقة، و كان هذه المرة غاضباً جداً، وليس كما في المرات السابقة، يحمل في طيّاته حزمة صبر و آمان. ما كنت أحصل عليه من مال - حلال كان أم حرام ـ أشتري به نبيذ أو فودكا، أو علب البيرا الطويلة، و لم يكن يخفى ذلك على هذا العجوز الذي يقف أمامي بعينيه البهثتين، و ربما شعر بأنه يقف أمامي كإنسان أحمق كل مرّة، ولو أنه أطال معي في الكلام، سينجذب لما سأقوله له وسيعود إلى بيته حيث زوجته السمراء ذات الشعر الأبيض المجعّد خائباً، وطامعاً في الإغراءات المزيّفة التي أنقلها لأذانه كما العاهرة الإنجليزية المحترفة التي تكشف شهوة مراهق بمجرد جملة: "يو هاف ريل سكسي بادي".
إقتحم العجوز الشقة، و كبس زر الضوء، و لكن – طبعاً – لم يكن هناك ضوء، ولا نور.
- "لا تدفع حتى أجرة الإضاءة؟" قال العجوز وهو يبحث عن أي غرض لي لكي يرميه في وجهي، ولكنه لم يجد إلاُ جوربي الممزق، وحذائي و المعطف فقط. نظر لي بعيناه الجاحظتان وأشار لي بإبهامه خارج الشقة، إلتفتّ خارجاً وهمست: "ديك هيد".

4

الطقس بارد... الثلج يسقط على رأسي... جسدي يرتجف... أسناني تتضارب... (و فكرة تأخذني و فكرة تجيبني).
سأذهب لصديقي إمحمد في بيته الذي يقع على بعد مسافة قصيرة من منطقة "التشيتهام هيل"... سأسهر معه، أتناول العشاء من يدا زوجته الطبّاخة الماهرة، وسأنام في الصالون الدافئ الكبير على الصوفا الجلدية، فبيته كبير وواسع، و لم أكن لحظتها أشك بأنه سيبخل على – ولد بلاده – بقضاء ليلة مؤانسة في صالون بيته.

اتجهت لبيته مهرولاً حافي القدمين، وقد كان الضباب كثيف، فلم أرى تلك السيارة التي كادت تدعسني وتنهيني جثة هامدة عندما قطعت الطريق، أو تلك الفتاة البشعة التي ناوشتها دون قصد فاعتقدت أنني فعلت ذلك عمداً ، وجاء عشيقها مندفعاً نحوي ليضربني، وأنا هارباً مختبئ وراء الضباب، متسائلاً السبب الذي يجعل شاباً يضحّي بصفعة أو لكمة من أجل وجه لا فرق بينه ووجه الخنزير!

5

قبل أن أصل بيت امحمّد، دخلت إلى "مسجد الخضراء" حيث يقيم بعض الشيوخ دروس دينية في الليل، وانتعلت حذاءاً جميل عند المدخل، ومعطفاً وجدته معلّقاً في الحمّام، وصديقه كان داخل التواليت، أسمع صوته وهو يتكلم بالموبايل بلهجة أقرب إلى الأفغانية، ولم يكن في معطفه سوى باوند وخمسون بنساً. وبخفّة خرجت من المسجد وتابعت طريقي.

6

جمٌعت أنفاسي وأنا منتصب أمام باب بيت امحمد... لم أكن أشعر بالرعب، ولكنني كنت خائفاً من أن يكون صديقي نائماً – لم أخشى أن أوقظه من النوم، ولكن من ضياع فرصة العشاء والضيافة اللائقة -.
وضعت يدي على الجرس، ولم أنتظر كما كان متوقعاً الشخص الذي سيفتح لي الباب، فقد فتح إبن امحمد الباب كما لو كان يده لا تفارق المقبض. ابتسمت له وأمرته بمناداة والده بسرعة، ومن ثم تذكرت أنني فارغ اليدين... ليس لي أي هدية أو شيء أقدّمه لإمحمّد حتى لا يشك في أمري. نظرت يميني ويساري، رأيت أن لبيت الجيران أزهار لتزيين مدخل الباب... اتجهت بخطوات غير مسموعة إلى بيت الجيران، وخطفت الأزهار وعدت بسرعة. كان امحمّد عند المدخل ينظر لي و أنا أسير بخطوات مسموعة، وقبل أن يسألني عن سبب ذلك عانقته طويلاً، وقبّلته على خداه، ودعوت نفسي لدخول بيته، و فور جلوسي في الصالون، شعرت بالدفء، واشتممت رائحة العشاء اللذيذ، رائحة مأكولات ليبية شهية: كسكسى، خبز تنــور، سلاطة مشوية، ومرقة الشربة، وقد شعرت للحظة بأنني بين عائلتي وناسي، وأنني حقاً قد عثرت على مكان لنفسي.
دعاني امحمد للجلوس، جلست بعد أن أعطيته الورود، فقام بوضعهم على المنضدة، أمام الصوفة. بدأت حديثي معه عن أخباري – ونصفها كذب طبعاً – وعن وظيفتي – الوهمية بكل تأكيد – وعن عودتي إلى ليبيا – التي لم أفكّر فيها دون أدنى شك – وبأنني ادخرت مالاً وأفكّر في الزواج – أنا الذي لا يملك ثمن عاهرة سبيل - كنت كلمّا أسأله عن شيء يخصّه، يجيب بإيجاز، فأخذ الحديث يتقلّص، ونبقى لدقائق طويلة صامتين... عيناي تراقبان عيناه اللتان تنظران من لحظة لأخرى إلى الساعة على الحائط.
شعرت أنه ليس لي مكان هنا... وقفت لأودّعه - وكنت لأول مرّة أشعر بأنني أخرج من بيت أحدهم بكامل كرامتي، وعند العتبة سلّمت عليه -.
- "أتعرف أن أسوأ شيء عند الإنكليز هو وضع ساعة الحائط في الصالون؟" قلت لإمحمّد.
- "كذلك الزيارات المفاجئة" قال لي وهو يقفل الباب.

7

في طريقي إلى سالفورد (منطقة إجرامية في مانشستر) سمعت صوت رصاصة كانت آتية من زقاق صغير خلفي. في البداية خفت، وشعرت بأن قدماي الحافيتان تطيران في الهواء، وأسرعت خطاي، إلاّ أنني وقفت لحظة، وعدت قليلاً إلى الزقاق، حيث كانت جثة أحدهم تحت العمود الضوئي... كنت أشعر بأن الحياة لم تغادر بعد هذه الجثة، والتمتمات المنخفظة، والبكاء الغير مسموع يثير فيّ.
اقتربت من الشخص المرمي، فتح عيناه، وابتسم... وقتها شعرت برعشة فاقت تلك التي زرعها فيّ البرد والصقيع... كان صديقي "عمر" الذي اعترف لي منذ أيام بأنه من عصابة معروفة في تجارة المخدّرات. ابتلعت ريقي وأنا أرى العينان الواسعتان تخرجان، والصيحة المكتومة تكاد تنفجر في وجهي.
مات "عمر"... وحين سمعت صوت سيارة الشرطة قادمة، انطلقت كالقذيفة حتى لا أتورّط، إلاّ أنني وقفت لحظات قليلة أخرى، وأخرجت منديلاً من جيبي، وعدت إلى "عمر" و وضعت يدي الملفوفة بالمنديل في جيبه، و أخرجت رزمة نقود ومحفظة جلدية، وتابعت خطاي بسرعة قافزاً من السور في الزقاق الضيّق.

8

وجدت نفسي أمام بار كلاسيكي في سالفورد... جيوبي الأن مليئة بالفلوس... صورة "عمر" وهو ميّت تطغي مخيّلتي، وشعرت بأنني في حاجة ماسة لأنسى هذا المشهد.
دخلت البار المزدحم بالناس الذين ينتظرون تضارب العقربان على الثانية عشر حيث يبدأ الإحتفال، ولم أكن أرى من الحاضرين سوى المشرّدين والعاطلين، والعاهرات، وأصحاب العاهات، وبائعي الحشيش الصغار. اتجهت نحو الناصية حيث الستول العالي مقابل للمنضدة، هناك "البار مان" يمسح الكوؤس بمنديلة الأبيض.
طلبت كأس بيرة تمهيداً لزجاجة النبيذ، فقام "البار مان" بخفته التي إكتسبها من سنين العمل في هذه الوظيفة بتحضير كوب طويل ملأه وقدمه لي :
- "سلام العروبة والعرب يا عربي" قال لي "البار مان" الذي عرفت من لهجته بأنه مغربي "أجد أنك وحيد هذه الليلة، كلنا وحيدين هنا" إلتزمت صمتي الحزين، وأنا أستعيد مشهد موت عمر، ومن لحظة لأخرى أسمع صوت صفارات سيارات الشرطة والإسعاف.
سألني البار مان الذي لم يحتشم لصمتي إن كنت أحب التفرج على قناة عربية فحركت رأسي إيجاباً، ابتسم، وفتح التلفاز الكبير الذي في نهاية الحانة، فكانت القناة تبث طائرات وغارات وحروب.
- "ما هذا؟" سألت العراقي.
- "هذا تسجيل من الشهرين الماضيين للغزو الأمريكي على العراق" أجابني العامل، وهو يعود لتقديم الطلبات.
نظرت للبيرا تارةً، وللتلفاز تارةً أخرى.
كنت أشعر بأنني أحتاج للضحك، وأن هذا المشهد الذي أمامي ليس سوى فيلم كوميدي لا أكثر... كنت أرى قنبلة تسقط فتحدث دماراً، وصيحة سكرانٍ هنا تنطلق لتحدث صخباً... كنت أتأمل هذه الوجوه الضاحكة، وهذه القنابل الماجنة، ومشهد موت عمر، وعزرائيل الذي شاركنا ذلك المشهد.
شعرت بأنني قبيح في جلستي هذه... آه لو أكون رجل ذو منفعة، وأن أكون مجاهداً... الأخبار والإشاعات تتناقل عنّي، وصوري في التلفاز، والصحافة تبحث عنّي في جبال أفغانستان، وباكستان مثل أسامة بن لادن... ومن حين لأخر أعطي إشارة لتفجير مبناً ما في نيويورك أو باريس أو لندن... يا إلهي كيف سأبدو وقتها... ستزغرد أمي دون شك – إن لم تمت - حين أموت شهيداً بعد صخب معركة طاحنة... أو حين يحكم عليّ بالإعدام بعد سنين من الجهاد.
- "يا عيني على العروبة يا عيني" قلت للبار مان.
- "العروبة موضة قديمة يا صديقي" قال البار مان
- "تيرن ديس شيت أوف" سمعنا أحدهم يقول بعربدة للبار مان "وي دونت نيد تو سي ذات، ماذير فاكر".
بدّل البار مان المغربي القناة بحزن، وفتح على البي بي سي التي تبثّ مشاهد من الناس في لندن حيث ينتظرون الثانية عشر التي ستطرق بعد دقائق.
حين بدأ الإحتفال... أخذت من محفظة عمر قطعة نقدية ووضعتها على طاولة البار، وخرجت وأنا أسمع صافرات سيارات الشرطة، من الزقاق الذي قتل فيه صديقي.

مانشستر


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home