Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Misrati
الكاتب الليبي محمد مصراتي


محمد مصراتي

الخميس 28 يناير 2010

بدعة القراءة

القراءة بدعة، القراءة باهظة الثمن، القراءة تفسدُ أجيالاً

محمد مصراتي

يبدو أنّ لعبة القراءة والكاتب الأفضل يسودها نوعٌ من الرهبة، الخوف واللامبالاة. ليسَ الخوفُ من الكتابة، بل خوفٌ من القراءة، باعتبار أنّ القراءة، الفنّ، والابداع، مادةٌ ثانوية ولا يجدرُ أن تكونَ هي الأساسُ في اطار مشروع مستقبلٍ لفردٍ ما. إنّنا نقتل القراءة، ونقتلُ الفنّ بتجاهلنا لهُ. وفي ظلّ هذا التغييب والتهميش، يجدُ المرءَ نفسهُ يضرب فأسهُ في الماء لا في الأرض.

هناكَ بالطبع من يقرأ كتبًا. لكن الكتب التي يقرأها، هيَ موادٌ أساسية في علمهِ ودراستهِ أو مجال تخصّصهِ. وهناكَ من يكتفي بالقول أنّ "غير كتاب الله وسنّة رسوله" لا يوجد ما نقرأ. وهناكَ (وهذهِ نسبةٌ كبيرة من الناس) من يرى أنّ الكتابة أو القراءة هيَ شيء نقومُ بهِ في أوقات الفراغ القاتلة، أي بعدَ العمل، الدراسة، النوم، ملاقاة الأصدقاء، السهر، الماسنجر، الفيس بوك، (التلقيح والقرمة)، أحلام اليقظة، وغيرها من هذهِ الأمور! والحجّة دائمًا واحدة في ظلّ هذهِ المعمعة، وهي أنّ سعر الكتاب باهظ جدًا. وفي الحقيقة، ثمن رواية لـ نجيب محفوظ، "ثرثرة فوقَ النيل"، "اللص والكلاب"، "يومَ مقتل الزعيم"، وغيرها من الروايات التي تقلّ عن مائتي صفحة، أرخصُ بكثير من ثمن "أركيلة بـ معسّل فاخر"، وأرخص بكثير من ثمن سروال جينز تركي. أنا هنا أتحدّث عن الطبقة الوسطى، والتي تشكّل نصف (المجتمع) الليبي. إذن، وفي هذهِ الحالة، لماذا تكونُ حجّتنا دائمًا: "لا نقرأ بسبب أسعارِ الكتب"!

***

الكتب الصادرة عن دور نشر حكومية، تُباعُ بأسعار أقلّ من أسعار المجلاّت الخليجية المهتمة بتعقّب فضائج الفنّانين وأخبارهم. إنّها ثقافةٌ عامةٌ دونَ شك، ولكن أتمنّى أن لا يؤخذ رأيي هذا بأنّني ضدَ هذا النوع من المجلاّت، ولكن ما أقصدهُ أنّنا نضعُ الأسباب بسبب ارتفاع ثمن الكتاب، في حينِ أنّنا نقرأ أشياءً أخرى قد لا تسمنّا ولا تغنينا عن جوع، وأنا الأن متأكدٌ كلّ التأكد، ان كانت الكتب تباعِ بخمسونَ قرشًا، لما كلّف أحدهم نفسهُ أن يضعَ هذا الثمن في كتاب، في حينِ أنّهُ دونَ أدنى شك، سيذهبُ ليشتري بهِ "سامينسا"!

***

النقطة الثانية في موضوع ثمن الكتاب، أنّني أوجّهُ سؤالاً الأن للذينَ يهوون قرصنة الكتب ويشجعونها: "هل تقرأون هذهِ الكتب المقرصنة فورَ تحميلها على حواسيبكم؟". أشكُّ في ذلك، لأنّ هذا الكتاب الذي بينَ يديك، عفوًا، على جهاز حاسوبك، لهوَ كتابٌ لم تدفعَ فيهِ ثمنًا من جيبكَ، فيبدو بنظرك دون قيمة (جرّب ذلك وافتح كتابًا حملتهُ على جهازك.. ليسَ كتابًا يخصّ مجال دراستك، بل رواية أو ديوان شعر مثلاً)، لأنّ الكتاب يفقدُ قيمتهُ في تلكَ الحالة. إنّهُ كتابٌ مجاني!

***

لنطرحَ الأن هذا الموضوع من زاويةٌ أخرى.

نعاني من مشاكل سياسية وسلطاوية تفرض قمعها على الكتب وتحجبها لأنّها (قد تؤثر على أمن الدولة). ونحنُ دونَ شكٍ أيضًا، نعيشُ حالةً عصية أخرى من ناحية القمع الديني للكتاب، والأنكى من ذلكَ كلّهُ، أنّنا في مواجهة عرف وعادات وتقاليد نصفها بائسة ومحطّمة، تفرضُ جبروتها من أجل منعِ كتابٍ ما، وذلكَ لأنّهُ (قد يؤثر على أخلاق الجيل الجديد ويفسده)، انّهم يقصدون جيل اللامبالاة والكبت ومواقع البورنو (التي تحتلُ المراتب الأولى حسب احصائية موقع "الكسا"، سواءً أكانَ ذلكَ في ليبيا أو في معظم الدول العربية بشكلٍ عام). إنّهم يرونَ في ما يسمّونه بـ "الأدب الساقط" أفةٌ غربية ترأسها السي آي إيه والموساد والصهاينة لتضييع أبناءنا وبناتنا، وهم يقصدون بذلكَ الجيل الأخير الذي عانى أجدادهم الحياة الصحراوية والقمع الفاشي، كما عانى أبائهم من عهرٍ سياسيٍ وديني مقولتهما الأولى: "الموت للعملاء والخونة / اهدارُ دم الكفّار". بينما هم لا ينظرونَ إلى الإبداع من ناحيتهِ الجمالية، ومن الناحية الروحانية، ومن الناحية الفكرية والرقيّ. الأدب حتى ان تحدّثَ عن الجنس، فإنّهُ لا يدفعُ المرء للإغتصاب، وللتحرّش بالنساء في الأسواق والمصاعد والمستشفيات والشركات العامة، بل ان نظرنا لأباء الكتابة الجنسية "هنري ميللر، جيمس جويس، د. هـ لورانس، آرثر رامبو، أوسكار وايلد، ميلان كونديرا، جان بول سارتر وغيرهم الكثير"، فإنّهم سيكشفونَ لكَ المعنى الحقيقي للرقيّ والاحترام والأداب، وحتى النظر للمرأة بشكل أكثرَ تقديرًا وأكثرَ حضارةً. العلّة ليست على الكاتب أو القارئ أو الناشر... العلّة بأنّنا نقولُ ما لا نفعل، ونغمضُ أعيننا عن الحقيقة ونلتفت لنقولَ أنّ الوهم على الجانب الأخر، هو عينُ الحقيقة.

mb_musratie@hotmail.com
http://mesrati.blogspot.com



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home