Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Baeu al-Misrati
الكاتب الليبي محمد بعيو المصراتي


محمد بعيو المصراتي

Saturday, 27 October, 2007

قتيل أنتَ في روما

محمد بعيو المصراتي

1

معها أسير، فيصير المساء صباحاً في روما، القمر يجثو على ركبتيه، ليصبح شمساً تشرق، والأنجم في السماء قد اختفت تماماً لتحلّ محلّها سحب متراكمة ككومة من رماد .. الندى على البلاط الخمري تحت حذائي، يستأنف الحديث تراثاً من أعين ماجنة .. فأشعر وأنا أسير عليه بالإنزلاق .. فنحسب المدن شمعة خوفٍ لدمعة منسيةٍ على خد أرملة حزينة، أو ابتسامة طفلٍ في فسحة المسجد حيث الحمائم البيضاء خاشعة أو الملائكة تحت أصلبة الكنائس .. وكما العصفور يزقزق في خجل، فإن نباح الكلب من مكانٍ ما يسحر العرابدة وسط ليالي مكفّنة بالموت، هنا في روما.

2

تداخلني الأسارير وأنا أرى عينيها تحت وهجات الماء المنصب في نافورة " تريفي " وسط المدينة... تدسّ رأسها في صدري تسمع دقات قلبٍ لم اؤمن بوجوده، وتجمع يديها وراء ظهري بينما كنت أرمي قطعة نقدية في ماء النافورة بشيءٍ من الفضول لمعرفة أصل لعبة كانت منذ زمن لحظة حظٍ لعاشق ليبي منفي ومنسي على عتبات كنيسة " مارية ماجوري "، يسير تائهاً، فيرى الكنيسة مسجداً، حتى يجلس ويصلّي لله بأن يعود لحبيبة تنتظره على الضفّة الأخرى، فيموت في ذلكَ البرد بطلقة كآبة بعيداً عن حانة (العم خلافو) اليهودي.
أضع يداي على رأس رفيقتي، وأرفع رأسي للسماء في حسرة الولهان بالخوف، أرى نفسي كمن تاه بين عثرات الأرض المقشعرة، والأبواب الخشبية، والمباني العتيقة وتضارب كوؤس النبيذ الأحمر في السماء بين زوجين مرّا بقربي معلنةً نخبَ حبٍ صامتٍ... فأرفع يدي كمن يرفع كأسه لذلك المنفي الذي مات بطلقة رصاصة الكآبة، لذلك الذي كان صديقي وهو يشرب، سكراناً بهموم حبيبته البعيدة... يقول " آهٍ حبيبتي " فتجيبه نفسه باللاشي، فيقف مستنداً على الجدران المبللة بماء المطر كما العرق على جسد رجل الصحراء... تتجارف إلى عقله لسعات حطام سفينة غرقت، وطائرة تفجّرت، وليل ينامه في سلة نفايات يتقئ شر برد روما.

3

ترفع رفيقتي رأسها نحوي، أنزل رأسي نحو وجهها الثلجي... عينيها صافيتين مثل ماء نافورة "تريفي"، شعرها الأسود الغجري كثوب حدادٍ لسمفونية غير مكتملة عاش توهجها "أنطونيو فيفالدي"، وقفتها والتصاق ساقيها العاريتين، كرقصة تغوي من يرى فيها " كريستين دو سميث "... لا تتكلم، تحترم صمتي، وأحترم ابتسامتها... ترخي يديها من على ظهري وتضع أصابع يسراها بين أصابع يمناي ونسير.
كان المنفيّ وقتها يبكي، ذكراه منذ أكثرَ من تسعون سنةً على عتبات الشارع... كسر زجاجته في الأرض وسار كالمجنون... لم يجد في ذاك الصقيع مأواً، فشعر بالبرد وهو يمرّ بالقرب من دار أوبرا روما الشهيرة، حيث اجتمعت أمامها نسوة يرتدن معاطف فرو فاخر وسجائر بيضاء بين شفاه ملطخة بالأحمر الفاجر، ورجال بقباعاتهم الطويلة بين أصابع يداهم غليون وسجائر غليظة ذو رائحة نفّاثة، بينما كانت قبعته الشعبية القطنية على رأسه تضاجع هموم العقل، تحمل على نقشاتها الوهمية ساعة صفر لوقت لا يبتدئ... وأبحث عنه أنا هنا، أسير بلا وعي ولا خارطة... أسير مثله كالمجنون، ماسكاً بيد رفيقتي، أتعلّق بذاك المنفي كأنني أراه، أخاطبه: أنا هنا فتعال، أنت هناك لتأتي... لا تبتعد، لم البعد ونحن في أرض مكوّرة؟ لم البعد والبحر يفصل جسدين التهبا كفتيل رغبة لا تنطفئ؟ فأخاطب نفسي: " جميل أنتَ في المنفى، قتيل أنت في روما " فلمَ الحلم بالعودة، وأرضنا ككل الأوطان حجرة عثرنا عليها سهواً.
أراكَ تحمل عصبات العمر على رأسك، ومنفاك الحزين يبصق على سمرة وجهكَ، وروحكَ منفية هي الأخرى عن جسدكَ... كتلة لحمية هو جسدكَ الذي يسير دون نبض قلب، دون رعشة عمرٍ... فيتوهج القمر، ويختفي، تشرق الشمس وأنتَ لست هنا، وأنا هنا... أترك رفيقتي وأبحث عنكَ فلا أجدك... أتركها ورائي تناديني، أقول في نفسي " إيطالي أنا؟ لا لست إيطالي ربما أكون كذلك، ولكن من أنا "، تقلبني الاسئلة وأنا أبحث عنك... لفظتَ أنفاسكَ الأخيرة قبل أكثر من تسعون عاماً، وأنا اليوم أبحث عن نفسِكَ الأخير، فلا أجده، لا أجدك وأجد الرماد، أهرول وأنا أسمع صوتَ حذائي الذي يضرب الأرض بقوة فيحدث صداً في الشارع حيث عمّال التنظيف يلمّون زجاجات مكسورة، أقف عند زجاجةً مكسورة، أقلبها بعينيّ، إنها ليست لك... أهرول إلى كنيسة " مارية ماجوري "... دون شكٍ سأجدكَ هناك.

moody009@hotmail.com
________________________

(*) مستلهمة من مقطع في قصيدة (أحمد الزعتر) لمحمود درويش.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home