Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Baeu al-Misrati
الكاتب الليبي محمد بعيو المصراتي


محمد بعـيو المصراتي

Thursday, 20 December, 2007

صمت فيروز

محمد بعيو المصراتي

1

أراكِ كما أنت. جالسة بخجل. تحتسين القهوة و رجفة ما تدفعك إلى الصمت و صوت فيروز يغمر سكوتنا: (فايق يا هوى، إن كنٌا سوى. و الدمع سهرني و صفولي دواء. تاري الدواء حبك. فتش ع الدواء). كنتِ تصغين لها و إبتسامة على شفتيك تدفعني لأستمع لهما. شفاك الوردية المنفرجة، تصرخ بقبلة مجنونة تتناقض مع هدوءك المثير للغضب.

ألستِ من قال لي يوماً: (شفاهي تبكي كعيناي. فيروز انتظرت حبيبها سنيناً و لم يأتي). لم أدرك كلامك إلاٌ لحظة إحتساء دموع شفاكِ الملتهبة، تلك القبلة التي جمعت فيها نفسي الضائعة و المبعثرة هنا و هناك بعد قصة حب بعثرتني.

تذكرت اليوم و أنا أسير في الممر الطويل المعتم الذي ينتهي بحجرتنا المشتركة القاء الأول بيننا، حدقت فيكِ يومها بدهشة. يومها كنتِ مستعجلة تركضين و أحزانك تتبعك في الشارع تزاحمين المارة. لم أناديكِ و لم تجيبي لصراخ صمتي، بل سرتِ بعيداً، و رحت أستنشق فيك رائحةِ العطر قبل أن يبرد.

في المساء، وبينما كنت أحصد عثرات اليوم في مقهى "كلوني" الصغير الذي يجتمع فيه الكتّاب والصحفيين العرب إلتقيت بكِ تبكين في صمت حزين كما هي قصتنا. جلست قبالتكِ... نظرتي لي مبتسمة و دمعتان تعكس عيناكِ. سألتني:

- أنت عاشق بيكاسو إذاً، إلتقيت بك مرة في معرض لوحاته.

قبل أن أجيبكِ، رحت أستعيد ذلك اليوم من شهر حزيران. شعرت بشيء من الخجل أمامك أنا الذي خلت أنني أراكِ للمرة الأولى. جاء النادل يحمل معه كأسين من البيرة التي طلبتها قبل الجلوس مقابلكِ... لم أستسغ طعمها الساخن. فدعوتكِ إلى إحتساء البيرة معي في محل يقدٌم المشروبات باردة. فحافظت على إبتسامتك و أنتِ تنهضين قائلة:

- بشرط. أن أدفع أنا ثمن هذه البيرة الساخنة.

2

كنت كارهاً للمطر بعد قصة حب دامت سنين. كرهته تأثراً بقصة حب فاشلة، فالتي أحببتها قبلكِ تعشق المطر، و بعد فشل حبنا، كرهتها و كل ما تحب. فكان المطر أحد ضحايا عمليات الكره. صنعت له ضريح. أو بالأحرى، كان كفناً، كفنت به حبيبتي السابقة و دفنته معها في تراب الأيام.

كنت عائداً من حيث لا أعلم حين وجدتك تقفين تحت المطر. سرت نحوكِ ببطءٍ و وقفت قبالتكِ. احتفظتِ بإبتسامة صغيرة و سألتني:

- تتبعني؟

- لم أتبع أحداً في حياتي. لكنٌي أشكر من قال: (قلبك دليلك).

- هه، القلب مفتاح. ليس دليلاً. أنت بذلك تسير بخارطة مقفلة. و الخرائط تعمل بشيفرة معيٌنة.

- أحياناً يضطر القلب لأن يحلٌ محل حتى الحبيب نفسه.

- الحبيب نفسه؟

لا أدري أي رعشة أخذتني ما إن سمعت (الحبيب) تولد من بين شفاك. تلك الرعشة التي أعادت تأهيلي لأكون عشيقاً صالحاً كما لم أكن من قبل. تلك التي ألهبت فيّ شعلة الحب لتحرق كلمات العربدة و السكر و لتنسيني إيماني بجملة قلتها يوماً و أنا متأثراً بتخدير الحشيش: (الجسد دواء القلب).

إندفع لساني كمن يطلب الثوبة:

- أحبكِ.

وقتها شعرت بأن كل قوة في الأرض تهتز لوقعها. وقتها شعرت أن كل السلاطين سجدت لعظمتها. وقتها شعرت بأن الدم يحرق داخلي و بدفء آبدي يزيل هموماً على كاهلي. وقتها أدركت أن الزمن لحظة حب، و أن كل حب مقدٌس، و أنا (أحبك) سلاح كل الكلمات المقدٌسة، و أن أي مقدٌس بني على عشق، و بسلاح الحب.

صمتّ للحظات، حتى إلتفتّ لتقولي كمن لا يبالي:

- الكل يحبني!

سمعت صوتاً انكسر لحناً والمطر يزداد غزارةً:

- "بأيام البرد، ايام الشتى، و الرصيف بحيرة، و الشارع غريب، تجي هذي البنت، من بيتها العتيق، و يقلها انطريني، و تنطر عالطريق. و يروح و ينساها، و تذبل بالشتى".

وقتها حملت نفسي، وسرت بعيداً عنكِ بينما كنت تقاومين ذوبانكِ الشتوي.

3

قال لي عجوز عراقي يجلس على طاولة خلفنا في مقهى "كلوني" حين إستأذنتني للذهاب إلى الحمٌام:

- صديقتك جميلة. تذكرني بفيروز.. أتعرف فيروز؟ إنها لحن العرب، لحننا. صديقتك هذه شبيهة بها. تشترك معها في الجمال و الصمت، و التواضع، و حتى في العينان الحزينتان.

تأملتك أنا الأخر عندما عدتِ و لم أعلٌق على كلام العجوز. الكل يرى عيناكِ حزينة حتى في لحظات السعادة. ابتسامتك جرح. ضحكتك نزيف. حزنك هو الأخر التعاسة. تلك التعاسة التي دفعت هيمنغواي للإنتحار ذات صيف. فهل تنتحر فيروز مثل همنغواي... ذات صيف؟

كنتِ تدركين منذ أن استنشفتِ الحب أن الرحيل واجب... أننا خلقنا للرحيل الدائم... للسفر... للضياع... للخوف... لسكرات منتصف الليل... لسكرات منتصف النهار. كنت تدركين أننا نحيأ للإنتظار الأخير. أن السعادة لا تكتب علينا لأننا في حفلة مقنٌعة بضباب الرحيل في قاعة الإنتظار. لهذا أصبحت مثلك أنا الأخر. وحيداً أمام مقبرة الكلمات الذابلة... أنتظر القطار الأخير. مثلكِ، وحدي أنتظر الموت بلذٌة عارمة.... بفيض من الشوق المرعب... برغبة للسفر! و كأن الحياة محطٌة أخرى... لرحلة مجهولة... أسير فيها دون وعي، أو خريطة.

4

أتجوٌل من حين لأخر في غرفتنا المشتركة... أنتِ لست هنا، و أنا لست هناك... أنا هنا وحدي... أتأمل بحزن لوحات بيكاسو و دافنشي المعلٌقة على جدران... لوحات مقلدة، إشتريناها يوم عيد ميلادك من بائعة بولندية تعرض لوحات يتيمة بسعر زهيد في شارع صغير بالقرب من "السان جيرمان".

غرفتنا المشتركة بائسة دونكِ. تسألني عنكِ فلا أجيب. شعرت و أنا نائم على السرير دونكِ بشيءٍ من النقصان. و كأن الفراش دونكِ ليس له طعم، و كأن جسدي دون عبق أنوثتك لا يكتمل، وأن لذتي تكمن في قطرات العرق التي تنزلق من على نهدكِ برقة، لذةً في تقبيلها قطرةً قطرة، قطرات عرق أنثوي، تنظرين لي، وترفعين رأسي، أتذوق الشهد بينَ شفاكِ. كم هو موحش جسدي و قطرات العرق فيٌ رجولية دون عبق أنوثتك.

* * *

جلست و أنا أفكر في رفيق شاركني يوماً سيجارة الحشيش... كان يتفوّه بكلمات مجونية عن حبيبته السابقة، وألتفت لي و هو يسحب نفساً طويلاً، ثم أردف قائلاً:

- الحب لعنة من الرّب. لأنه الكفر بعينه. فعندما تعشق حدٌ الهوس بمن تحب، يصبح المعشوق إلهك الذي تعبده و قبلتك. ستتمنى وقتها أن تقبٌل التراب الذي سار عليه حبيبك، و أن تتخذ من كل حاجياته آيات مقدسة. إن الحب لعنة ربانية، و إمتحان دنياوي.

لقد ضحكَ كلينا بعد أن قال عبارته تلك... كان يقول بعربدة " أنا كافر "، و كنت أقول له في نفسي " يا ويلك من الله يا حشّاش ".

لكي لا أكفر أنا الأخر، لم أتعمق في هذه الفكرة كثيراً لكي لا أهلك أكثر في جحيمك، و حاولت أن أسلّي نفسي عوضاً عن ذلك بمشاهدة مسلسل كرتون في التلفاز. في غرفتنا المشتركة سابقاً.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home