Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Baeu al-Misrati
الكاتب الليبي محمد بعيو المصراتي


محمد بعـيو المصراتي

الأثنين 15 ديسمبر 2008

وصية حنّا مينة

محمد بعيو المصراتي

إذن، كتبَ الروائي الكبير "حنا مينة" أخيراً وصيته، التي قال فيها بشيء من الحسرة: "عمّرت طويلاً حتى صرت أخشى ألا أموت". نشر "مينة" وصيته قبل أسابيع في جريدة تشرين السورية جاهراً بها على خلاف "الوصايا التي تظل سرية عادة، حتى يرحل أصحابها" كما يقول الصحفي اللبناني "عبده وازن". وتأتي هذه الوصية، بعد أن جاوزَ الروائي العظيم الرابعة والثمانين عاماً. وقد أمر "حنا مينة" المشهور بأديب البحر في وصيته بعدم نقل أي من وسائل الإعلام المرئية أو المسموعة أو المقروءة خبرَ وفاته، وأن يريحوا عظامه فلا تقام له حفلة تأبين، كما طلبَ أن يحمل نعشه أربعة رجال مأجورين من دائرة دفن الموتى، وأن لا يكونَ في عزائه حزن وبكاء ولا لباس أسود، مضيفاً أنه كان بسيطاً في حياته، ويريد أن يكونَ كذلكَ بسيطاً في مماته. وكذلكَ أقتصرَ صاحب رواية "نهاية رجل شجاع" ما فعله في حياته على نصرة الفقراء والبؤساء والمعذبين في الأرض، ولذات الهدف بدأ بكتابة الرواية.

حنا مينة، من مواليد اللاذقية - سورية، عام 1924، لم يكمل تعليمه لأسباب الحياة فأنتقل ليعمل كاتباً في مخازن الميناء ثم حمالاً في الميناء أيضاً، والذي استخلص منه أعظمَ رواياته، ومن ثم عمل حلاقاً، ومنها إلى بائع جرائد. كما ناضل ضد الإستعمار الفرنسي فسُجنَ أكثر من مرة. بعدَ ذلكَ عملَ حنا بحاراً ومن بعدها سافر إلى الصين لأسباب غامضة. وفي الخمسينات من القرن المنصرم، نشرَ روايته الأولى "المصابيح الزرق"، وكان آنذاك في الأربعين من عمره، ثم توالت رواياته حتى ظهرت ثلاثيته الشهيرة "بقايا صور"، "المستنقع"، "القطاف"، والتي تحدّث فيها عن فترة طفولته وحكايات قريته، كما أنه من كتبَ الرواية الشهيرة "نهاية رجل شجاع" والتي تحوّلت في العام 1993 إلى مسلسل تلفزيوني من إخراج "نجدة اسماعيل أنزور"، ويذكر أن "حنا مينة" أحد أهم مؤسسي الرواية العربية، كما رشحه الروائي المصري "نجيب محفوظ" لجائزة نوبل، في المؤتمر الصحفي الذي انعقد بعد فوز "محفوظ" بجائزة نوبل.

وقد نشرت الوصية بعد أيام من نشر الروائي الغزير النتاج لروايته الثلاثون "العاهرة والنصف مجنون" الصادرة عن دار الآداب. كما كانت الوصية بسيطة جداً، لا يعتمد الروائي فيها على أسلوب أدبي أو شعري في صياغتها كما يكتب الأدباء والشعراء الأخرين. فالروائي (الذي كتبَ في وصيته: "اعتمدت عمري كله، لا على الحظ، بل على الساعد") اعتمد في كتابة وصيته على العفوية واللغة السهلة والتواضع كما كان يقول عن حياته وما يريده لموته.

لعل نشر الوصية والروائي لا يزال على قيد الحياة، ليست سوى صفعةً على وجه الموت الذي يتحداه حنا في كل مرة، سواءً أكان في ذلك في رواياته أو في صراعه الدائم مع الحياة، هو الذي رأى الموتَ مراراً في مغامراته في الميناء وعلى ظهر السفن حينَ كان بحاراً، ساعة العواصف والأعاصير، ومن هذه المرات الكثيرة التي شاهدَ فيها الموت دون أن ينقض عليه، أصبح يخاف أن لا يموت!

لقد كتبَ العديد من الأدباء والشعراء والصحفيين عن الوصية، ولعلهم يسارعون في تأبين الروائي وهو على قيد الحياة، فالبعض يتحسر وهو يكتب قائلأً أنه يبكي عند قراءة الوصية، والبعض الأخر يبدأ بكتابة ما يشبه التأبين لشخص لم يمت بعد، أما المنتديات الثقافية فقد بدأت بنشر الوصية، مما أدى البعض لوضع صور "حنا مينة" في صورة الملف "بروفايل بيكتشر"، كما فعل الكثيرين عند وفاة الشاعر الكبير "محمود درويش". إذن وبهذا، يشاهد اليوم الروائي العجوز - الذي ذاق مرارة الحياة وأنتصر على الشقاء - وفاته وموته، يرى تأبينه ويشعر بالأيادي قد حملت نعشه إلى - ما قال عنه في وصيته "العدم الذي خرجت منه وأعود إليه".

mb_musratie@hotmail.com
libyan-hamlet.blogspot.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home