Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Baeu al-Misrati
الكاتب الليبي محمد بعيو المصراتي


محمد بعيو المصراتي

Monday, 15 October, 2007

عـصافير شرسة

محمد بعيو المصراتي

1

رعشات ديسمبر باردة كبرودة وجه عمٌي مفتاح وهويقود السيارة بنا. كان من لحظة لأخرى يزفر بكلمتين جارحتين في وجهي ووجه أخي معتصم. يقول في إحدى زفراته وهويدوس على البنزين بقوة:

- أتفوعلى الزمان. يا ولد الكلب إنت وهو. لوكان بيدٌي لرميتك في الشارع مثلك مثل أبوك.

يسير بإقتضاب وسيجارته الرثٌة لا تفارق فمه إلاٌ لينثر بقايا اللٌفافة المحروقة في مقدمتها. من لحظة لأخرى يبعثر كلمات عابرة نميٌزها إن كانت بصوت عالٍ عن التمتمات المنخفضة. سرعان ما ينفعل إن لفظت أنا أوأخي معتصم بأي كلمة أوتعقيب عن ما يقول أوردٌ. فيمدٌ يده الطويلة ويضرب أينما كان أوأي جسد يلمسه وهويلعن ويشتم بصراخ، وينعتنا بناقصي التربية والأدب.

نراقب نصف وجهه ونحن في الكرسي الخلفي، القمر يظهر النصف الأيمن، أمٌا الأيسر فقد أكلته عتمة الليل الكثيف. نشعر بالإختناق من رائحة السيجارة، وعندما حاولت فتح النافذة الخلفية. شتمني عمٌي مفتاح وآمرني بالجلوس وألاٌ أفتح النافذة.

أخي الأكبر معتصم لازم الصمت، ليس خوفاً، بل سعة صبر. كنت أدرك أنه بمقدور معتصم أن يسحب السكين الذي يخبئه في خصره ويطعن عمٌي مفتاح وهو مطمئن بأن لا أحد سيعرف القاتل. خاصةً أن لعمٌي مفتاح العديد من الأعداء في سوق الحشيش والخمر المهرٌب. لكن معتصم كان يبحث عن فرصة أفضل وأوتٌ من هذه لإنهاء العم مفتاح.

2

- عمٌك مفتاح اقترب آجله.

قال لي أخي معتصم ذات ليلة رمضانية باردة ونحن نأكل العشاء مع جدتي الخرساء.

لم أشعر بأي رعب أو آسى وقتها، كنت بحكم سنواتي الخمس مؤمناً بأنٌ الأشرار ينالون الموت، والأخيار ينالون الحياة الكريمة، وحين قلت حكمتي الطفولية لأخي معتصم الذي جاوز الرابعة عشر، ضحك في وجهي وهمس لي:

- ليس كذلك، نحن أخيار، ولكننا نعيش حياة كأنها كابوس.

بلعت ريقي، وفكرت مالياً في الأمر، بينما كنت أرى أخي يلتهم كسرة الخبز بتلذذ، وأرى من خلف النافذة عمٌي في باحة البيت وهو يشرب من قنينة خضراء داكنة لطالما شممت فيها رائحة نتنة. إلأٌ أن عمٌي حين يخرج من البيت، أرى معتصم يتوجه إلى غرفة الخزين ويسكب في كأس صغيرة بعض من ذاك الشراب النتن، ويتجه إلى السطوح، وحين أراه يشرب من كأسه، أقول له:

- هذا الشراب له رائحة كالخراء. عصير العنب الذي تصنعه جارتنا (عزيزة) أحلى.

يضحك أخي كعادته منٌي ويقول:

- يا غبي، هذا ويسكي إيطالي. عصير الملوك.

- ويسكي. سمعت أن من يشربه يدخل النار.

- قالوا لي أيضاً، ولكن عمٌي مفتاح يشربه.

- هذا لأنه سيدخل النار.

- وماذا في الأمر، لقد حرقت مرات عديدة في جسدي، ولكن جروحي طابت.

لم نكن ندرك نار الآخرة يومها. إعتقدنا أن الله سيلذع بالنار كل شرير في يده كما تفعل جدتي لنا أحياناً ويذهب الشرير من ثم في حال سبيله. وأن الآخيار سيدخلون الجنٌة المليئة بالحلوة فقط. تكوٌنت فكرتنا هذه من تخويف الجدٌة لنا بالنار. إعتقدنا أن الله سيحلٌ محلٌ الجدٌة ويعاقبنا بنفس الطريقة. أخي معتصم اعتاد على الحرق. وكان يؤمن أن نار الجحيم لن تؤثر فيه، وأنه سيخرج منها كخروجنا من المطبخ ساعة العقاب اليومي في البيت.

نهض معتصم من العشاء، ونهضت معه كظله. جدٌتي الخرساء تئن لنا أن نجلس وننهي عشاءنا. نبتسم لها شاكرين ويقول أخي لي:

- هالعجوز الملعونة هذه. متى تموت ونرتاح منها ومن أنينها؟

أهزٌ رأسي موافقاً على كلام معتصم. نجلس في زاوية الغرفة ونتحدٌث قليلاً ريثما يخرج عمٌي مفتاح من البيت كعادته كل ليلة لنخرج إلى الشارع وندخٌن مع أبناء الجيران ونذهب إلى سوق الرشيد القريب من هنا.

وعندما نخرج ككل ليلة ونلتقي بأولاد الجيران. يخرج الكل أوراق نقدية ويقدمونها لأخي الذي كان أشجعهم، وكنت أنا خلفه أفتخر بأخي البطل. كان يجمع النقود لشراء باكيت سجائر نتقاسمه. بينما هو يشتري لنفسه وولد أخر في عمره شيئاً غريباً يأخذانه معهما، ويجلسان بعيداً ويعودان سعيدين وعيناهما منتفخة وحمراء.

ذات يوم ذهبت اليهما لأعرف ما يفعلان، فوجدتهما يدخنان مثلنا. لكن لسيجارتهما رائحة أخرى جملية وقوية. عندما سألته ركلني بقدمه وقال لي أن أذهب بعيداً. فقال لي صديق أخر بأن أباه يدخن سيجارة ذورائحة كالتي يدخنها أخي معتصم، وأن الجيران يدعون عن هذه السيجارة بـ (الحشيش).

3

تلك الليلة عدنا متأخرين إلى البيت. فوجدنا عمٌي مفتاح جالس في باحة البيت، يشرب من القنينة الخضراء. سأل أخي:

- أين كنت؟

مسكت بقميص أخي ورحت أرتجف. وضع معتصم يده على كتفي ودخل دون إكتراث مجيباً:

- كنت في السوق أبحث عن ملابس جيدة للعيد.

- تخرج دون إذن.

- للأسف الشديد... نعم.

جنٌ جنون عمٌي مفتاح لحظتها. قام من كرسيه الخشبي وأتجه نحونا بقوة... دفعني جانباً، وصفع معتصم بما يملك من قوة... وقع أخي على الأرض، ووقف ولهب الجحيم في عيناه الدامعتان وإحمرار الدم في وجهه صارخاً:

- سيد الرجٌال ما صفعني، يا إبن القحــ ... !

ودون أن يكمل كلمته الأخيرة، أخرج سكينه من حزامه وطعن عمٌي في بطنه، وطعنة أخرى في كتفه. سقط عمي والدم يلفٌه. صرخت أنا بكاءاً. شعرت أن الرغبة في قتل عمٌي قد زالت وأنني أتمنى أن يعود حياً وليضربنا كيفما شاء. إنعزلت في زاوية باحة البيت، بينما أخي معتصم نهض وذهب إلى غرفة جدتي. عاد بعد لحظات وهو يتمتم لي: (جدتك نائمة). وضع قدمه على صدر عمٌي وقال بلهجة الآمر: (مت، هيا مت). نظر إليٌ وهو يلهث وقال:

- لن يموت، ضربتي جاءت سطحية.

ثم ذهب إلى السلٌوم بالقرب من الحمٌام وبدأ بفك رباطه قائلاً:

- سنشنقه، ونقول فيما بعد أنه شرب كثيراً حتى أقدم على الإنتحار بالسكين، وحين لم يفلح، شنق نفسه.

لم أنتبه وأنا أراقب أخي وهويفكٌ حبال السلٌوم إلى عمٌي مفتاح، وهو يقف بقوة. وحين رأيته، كان قد مسك بين يديه رقبة أخي معتصم وعصرها بقوة. رعشت ساقا أخي معتصم ونفضتا بينما زاد صراخي وبكائي وأنا أرى الموت يمسك هو الأخر بأخي معتصم ويجذبه من جسده. وقتها فقط وقف عمي مفتاح وهو يمسح العرق من على جبينه ويزفر زفرات غليظة. نظر إليٌ بحدٌة كمن يريد إفتراسي، وقال بعد أن تقدٌم نحوي وأمسك خناقي:

- يا ولد، لو لفظت بكلمة عما رأيته، والله الذي فوق منٌي لن يكون مصيرك إلاّ الموت كأخيك. سمعت؟

حركت رأسي إيجاباً وأنا أكتم أنفاسي ودموعي. ألقى بي جانباً، وأسرع خطواته إلى أخي ليضعه على كتفه ويخرج به من البيت وهو يتمتم بجمل سريعة ومنخفظة.

وقتها كانت خيوط الشمس قد تسربت إلى باحة البيت. العصافير تزقزق إبتهاجاً. تذكرت حين قالت لي أمي قبل وفاتها بيوم:

- أجمل ما في الدنيا صوت العصافير. أنت ملاك صغير يا عزيزي. الملائكة تعشق صوت العصافير لأن العصافير ملائكة أيضاً. عليك أن ترعاها وتقٌدم لها الطعام.

تحرٌكت ببطء إلى المطبخ وأخرجت بعض فتات الخبز من كيس صغير. تسلقت شجرة صغيرة في الباحة حيث يقبع عشٌ حمام على أحد أغصانها ووضعت فتات الخبز بجانب بيض الحمام. ابتسمت بسعادة وأنا أتخيٌل العصافير حين ستجد ما تأكل يوم تخرج من بيضها الصغير.

نزلت من الشجرة وأنا أرى دم عمي على الأرض. أخرجت صورة أخي معتصم من تحت كيس الطحين في الباحة ورأيت ابتسامته الشقية بخوف متذكراً أنه شرب البارحة من العصير المرّ الذي لا يحبه الله.

- لا تقلق، لطشة نار وسيغفر لك الله. خاطبته وأنا أقبٌل الصورة.

كانت جدٌتي قد فتحت عينيها. ووقفت بنشاط صباحي متجهة إلى الحمام. دون أن تلقي نظرها على بقعة الدم تحتها.

مانشستر
10/07/2007


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home