Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Baeu al-Misrati
الكاتب الليبي محمد بعيو المصراتي


محمد بعـيو المصراتي

Thursday, 13 December, 2007

حانة الشيوعي الأخير

محمد بعيو المصراتي

هـل أنت شيـوعي يا سيد كونـديرا؟ (لا، أنا روائي.) (هل أنـت منشـق؟) لا، أنا روائي.
هل أنت يساري أو يميني؟ (لست هذا ولا ذاك، أنا روائي.). ميلان كونديرا ـ المحاورة

1

كنت نائماً في حجرة صغيرة فوق السطح وأنا أقرأ ديوان 'الشيوعي الأخير يدخل الجنة'، حصلت على نسخة هربها لي صديق كان اسمه 'علي' ولكنه غير اسمه فيما بعد إلى 'سليم' لأسباب مجهولة. وفي اللحظة التي أنهيت فيها الديوان، شعرت بأيادٍ تمتد نحوي وترفعني لأعلى مع بضعة لكمات لم أشعر بها إلاّ بعد أن فقت في زنزانة صغيرة ورأسي يؤلمني وجسدي منهك. لم يكن هناك من يشاركني الصمت في تلك الزنزانة، ولم أعثر على نافذة، بل إنني لم أعثر على باب أطرقه لشدة الظلام المنبعث من الموت. وبعد ساعات دخل رجلان سحباني خارج الزنزانة إلى ممر طويل في نهايته حجرة جلست فيها وجهي مقابلاً لشرطي المباحث أو ضابط، لا يهمني من يكون. لن أطيل عليكم بالأسئلة التي طرحوها عليّ، ولا الضربات المفاجئة ولا رؤوس السجائر التي انطفت على وجهي وكتفيّ العاريين، أنتم دون شك تعلمون ذلك، وربما تعلمون أكثر، ولكن ما أثار ضحكي لحظتها رغم الموت الذي يحوم حولي هو ديوان 'الشيوعي الأخير' الذي كان على الطاولة التي تفصل بيني وبين الشرطي، وهو يقول لي: 'ما علاقتك بالشيوعية، وماذا يفعل هذا الكتاب الرجعي عندك؟' ثم طلب من زميله أن يدوّن اسم الكتاب، وأن الذي ترجمها من اللغة الكوبية إلى العربية شخص يسمى 'سعدي يوسف'!!!!!!

2

أمي التي تهوى البكاء لم تبكي بعد أن رأت أخي في القاهرة. كان ذلك في العام الماضي حينَ اتفقت مع أخي بأن يسافر إلى القاهرة وسأكون أنا هناك مع أمي ليلتقي بها بعد عشرين عاماً انقضت دون أن يرى فيها أخي نور عينيها. على مر سنين أخي وأنا نحاول اقناعها بالسفر إلى القاهرة أو تونس حتى يستطيع لقاءها، ولكنها كانت ترفض، كانت تقول له في كل مرة يهاتفها فيها أنها تخاف أن تموت بعيدة عن الأرض الذي مات فيها الحاج (تقصد والدي)، وحين اقتنعَت والتقت به أخيراً في القاهرة حضنها بقوة وهي تبتسم له. ' يا حاجة الباين انك خلاص نسيتِ الدموع والبكي' قال أخي لها وهو يقبّل رأسها، وهي تمازحه، وفي المساء قالت لنا على شرفة الغرفة التي تطل على النيل:

- يا ولدي، أنا بكيت بما فيه الكفاية، والله العظيم بكائي مثل قلته والعمر باقي عليه شوي لينتهي، لهذا السبب الضحك على لحظة البكاء أجمل دمعة'.

3

حينَ خرجت من البلاد قبل أسابيع، كانت وجهتي إلى لندن. هناك في منطقة 'آكتون' استأجرت بيتاً جميلاً. كنت أكتب رسائل إلى شعراء أحببتهم وأدباء تعلقت بهم لا أدري حتى لو كانوا أحياء أو ميتين. رسائل إلى أحمد مطر، عبد الرحمن منيف، صموئيل شمعون، حنان الشيخ هيفاء زنكة، صبري عبد الحفيظ، أمجد ناصر وسعدي يوسف. كتبت إلى سعدي يوسف رسالة صغيرة، ربما كانت حاصل وجعي من ديوانه الذي قلب حياتي، كتبت له:

عزيزي سعدي
بعد التحية
الشيوعي الأخير لا يعيش في البصرة، لا يحيا في بغداد ولا يموت في الفلوجة.إنه على سفر دائم من منفى إلى منفى. إن الشيوعي الأخير يصطاد الوليمة من فم السلطان، ولكنه أبداً لا ينام إلاّ على كومة من قش بجانب قطعان المعيز، أو على بطانية صوفية تنبعث منها رائحة القهوة والسجائر في سجنٍ مجهول. أو ربما يكون ذلكَ الشاعر المنعزل في بيت لندني أو باريسي جميل يكتب قصائد الحب والحنين إلى زمن لم يبق منه سوى ذكريات.
تحياتي الجميلة لك
قارئ

4

فترة الظهيرة كالليل في الحي الذي أسكن فيه، هدوء تام ورائحة السبات مستيقظة. ولكن النوم أبداً لا يطاق وحدتي، ولم يغلبني السبات. لقد كنت جالساً أشرب النبيذ الأحمر مع طيف عشيقة منسية. ديوان 'الشيوعي الأخير' بعيداً عنّي في مكتبة صغيرة في الصالون، لم أقربه منذ ذلكَ اليوم الذي اتهموني فيه بالرجعية، لا أدري أي خوف بدأ ينتابني منه، وأي توثر يتشبث بأصابعي وأنا أتلمسه بخوف. سعدي يوسف لم يعطني رداً على رسالتي. قال لي صديق أن لسعدي طقوس خاصة في حياته، وربما هذا الذي يؤثر في طريقة في الرد الذي لم يصل. لم يهمني ما قاله لي الصديق، لأنني أريد رداً من الشيوعي الأخير، لا من سعدي يوسف.

ارتديت معطفي وخرجت من البيت وأنا أدعو الديوان لنبيذاً أحمراً في بار قريب، كأس نبيذ مع الشيوعي الأخير.

moody009@hotmail.com
________________________

ـ سعدي يوسف: شاعر عراقي ولد في البصرة العام 1934، عمل في العديد من الصحف العربية والأجنبية كما شهد العديد من الحروب وعاشى تجربة السجن والمنفى في سنوات حياته، كما صدر له عشرات الدواوين ومئات المقالات والعديد من الترجمات، ويعيش منذ العام 1990 في لندن.
ـ ' الشيوعي الأخير يدخل الجنة': عنوان ديوان سعدي يوسف، والذي صدر مؤخراً


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home