Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Baeu al-Misrati
الكاتب الليبي محمد بعيو المصراتي


محمد بعـيو المصراتي

الأثنين 11 أغسطس 2008

محمود درويش : أحلام قليلة وآمال كبيرة

محمد بعيو المصراتي

في الأيام الأولى من يناير 2008، صدر عن دار 'رياض الريّس' – بيروت، مجموعة من يوميات محمود درويش الجديدة والتي اختار لها عنوان 'أثر الفراشة'.

هذه اليوميات التي صاغها درويش بأسلوبه الشعري الفريد تناولت قضايا مقتبسة من لحظات قصيرة في يومه، وفي الوقت ذاته تلامس الأوضاع السياسية في داخل كل لحظة من تلك اللحظات. فنرى الشاعر الكبير يحكي لنا كشيخ حكيم ضاق مرارة الحياة وحلاوتها، معبّراً عن فلسطين والحزن معاً، كوجهين لعملة واحدة. وكذلكَ نرى الفكر والفلسفة التي تنبعث من أسطر المجموعة. فنراه على سبيل المثال يحاول الغوص في معانٍ كثيرة لأشياء تمرّ من أمامنا دون الإكتراث لها، وكأنه بهذا يحاول أن يعيد خلق الحياة من تلك الأشياء المنسية. وهذا الأمر يعتبر بالدرجة الأولى فلسفي، إلاّ أن الشاعر وبأسلوب الوصف الشعري الدقيق، استطاع بشكل أو بأخر أن يرسم لنا تلك اللوحات الشعرية بنضج وعمق شديدين، مازجاً بين الفلسفة والفكر والشعر.

في الكثير من القصائد نرى الألم المسكوت عنه، والصراخ الغير مسموع، والنزيف الذي لا يتوقف. نرى عذاب اللحظة، مع بعض المداخلات في عوالم النص، كزهرة العبّاد، أو شجرة ما. هذه الأشياء الصغيرة في الحياة، وظّفها الشاعر بأن تكون هي عنصر يومياته الشعرية، فنراه يقول مثلاً في قصيدة 'ليت الفتى شجرة'، والتي بعد أن فرغت من قراءتها أسميتها 'تحولات الشجرة':

ألشجرة أخت الشجرة، أو جارتها الطيّبة.الكبيرة تحنو على الصغيرة، وتُمدُّها بما ينقصهامن ظلّ. والطويلة تحنو على القصيرة،وترسل اليها طائراً يؤنسها في الليل. لاشجرة تسطو على ثمرة شجرة أخرى، وإنكانت عاقراً لا تسخر منها.

يكشف لنا الشاعر تحوّلات تلك الشجرة من 'كائنٍ' ضخم، شهم، لا يملك في نفسه الحقد أو الأنانية، إلى ما بعد قطعها. فيصوّر لنا أن الشجرة رغم فقدانها لهيبتها وقوتها وضخاتها، إلاّ أنها تملك الشهامة في حفظ الأسرار بعد أن تحولت لباب بيتٍ، أو تعلمها للسباحة بعد أن تحولت إلى زورق، ولا تنقصها عزّة النفس والقدرة على التحمّل. فيقول:

ولم تقتل شجرةٌ شجرةً ولم تقلِّد حَطّاباً. حين صارتزورقاً تعلَّمت السباحة. وحين صارتباباً واصلت المحافظة على الأسرار. وحين صارتمقعداً لم تنسَ سماءها السابقة.

فيما بعد، يكشف لنا الشاعر السر في ذكره للشجرة، وما علاقتها بيومياته، إذ أنه يكشف لنا أن تلك الشجرة صارت المقعد الذي يكتب عليه هو، ويكتب عليه كل الشعراء. فيصفها كائناً يقف احتراماً ليلاً ونهاراً للناس والعابرين، وتكتم أسرار الشعراء حينَ يسهرون وهم يكتبون عليها قصائدهم. أمّا حينَ تحني هذه الطاولة / الشجرة للعاصفة، فإنها تنحني ورأسها عالياً إلى فوق. يقول الشاعر:
وحين صارت طاولة عَلَّمت الشاعر أن لايكون حطاباً. الشجرة مَغْفَرةٌ وسهَرٌ.لا تنام ولا تحلم. لكنها تُؤتمنُ على أسرارالحالمين، تقف على ساقها في الليل والنهار.تقف احتراماً للعابرين وللسماء. الشجرةصلاة واقفة. تبتهل الى فوق. وحينتنحني قليلاً للعاصفة، تنحني بجلال راهبة وتتطلع الى فوق... الى فوق.

ثم ينهي درويش قصيدته تلك بأمنية لشاعر مجهول حرّف محتواها... إذ أنه قال:

وقديماً قال الشاعر: «ليت الفتى حجر». وليته قال:ليت الفتى شجرة!

يمكننا أن نلاحظ العمق الذي يحتل قصائد درويش تلك بمجرد الإنتهاء منها، فالكتاب الذي جاء في 386 صفحة، مليئاً بالعمق والفكر والتشابيه واللحظات العابرة في حياة الشاعر، فمثل قصيدة 'ليت الفتى شجرة' وغيرها من القصائد واليوميات الأخرى، يعبّر درويش عن وجعه المتعلق بوجع هذه الأشياء المنسية التي تعبّر عن فلسطين، تعبّر عن حيفا ورام الله ومدناً لطالما رافقت قصائده. فتلك الشجرة هي فلسطين، وهي نفس الشاعر، وهي الحياة. لقد استطاع أن يضع رمزاً واحداً لأكثر من وجه ولأكثر من شي. فهذه الكلمات المختصرة التي كتبت بقلم درويش، تخترق بكل سهولة وجع نفس القارئ وتغزو تفكيره بدمٍ وقوة. يقرّب حسّه الشعري تارةً، وفلسفته تارةً أخرى، والقليل من الكلمات، كثير من الأمل، الشعر والحياة أيضاً. ________________________________________________

ـ كُتبَت هذه القراءة في شهر مارس، وأنشرها اليوم بعدَ خبر وفاة فارس الشعراء 'محمود درويش' الذي وافته المنية يوم السبت الموافق 9 أغسطس 2008 .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home