Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Misrati
الكاتب الليبي محمد مصراتي


محمد مصراتي

الخميس 11 فبراير 2010

مجتمعنا الاسلامي والمحافظ، يقتلُ الابداع ويهمشُ حرية الرأي

محمد مصراتي

لم نملكِ الحرّية. فحريتنا الابداعية مكبّلة بسلاسل اجتماعية ودينية وسياسية تحصرنا داخل قفصٍ معيّن علينا أن لا نتجاوزه. وبهذا صارَ الكاتب سلعةٍ تشترى، سواءً أكانت هذهِ السلعة تابعة لنظام سياسي أو امبراطورية دينية أو مجتمع ثقافته محصورة في القنوات الوهابية / السلفية هدفها ابعاد الفرد العادي عن أي منظومة أخلاقية وحضارية. هذهِ المعطيات قلّصت مساحة حرّية المبدع، وجعلتهُ يغنّي أغاني مهمّشة وسطحية، وبعيدةً كلّ البعد عن محيطه الاجتماعي. وبذلكَ، من واجب المثقف الحقيقي اليوم أن يستيقظ من سباتهِ ويحاول ولو بكلمة واحدة أن يغيّر هذهِ المنظومة اللا أخلاقية، والتي صارت تتسرّب (داخل كل المجتمعات العربية بشكل عام وليبيا بشكلٍ خاص) كالسرطان الذي ينهشُ جسدَ الوطن.

قالَ الفيلسوف الأمريكي جون ستيوارت ميل: "لو كانَ البشر كلّهم يتشاركون الرأي نفسهُ، وهناكَ شخصٌ واحد فقط يملك رأيًا مخالفًا، فإن محاولة طمس رأي هذا الشخص لن يختلف عن محاولة هذا الشخص الوحيد من طمس رأي البشر كلّهم لو توفرت لهُ صلاحية ذلك".

الكثير من الكتب واللوحات والفنون تمّ طمسها في أوروبا لأسباب سياسية ودينية واجتماعية، وذلكَ عبرَ عقودٍ طويلة. كان اولئكَ المبدعون يصارعون هذهِ القوى الاستبدادية، ولكن – وللأسف – يظل الإستبداد أكبر القوى. من بينِ تلكَ الكتب " "يوليسس" لـ جيمس جويس، و"عشيق الليدي تشاترلي" لـ د. هـ. لورانس، و "اعترافات" لـ جان جاك روسو، و"مدام بوفاري" لـ فلوبير. وإن كانت الكتب الإبداعية في أوروبا في الوقت الحالي تتعرّض لنقد يميني متطرّف، إلاّ أنّ الرقابة لم يعد لها دور، وبهذا فقد تعرّض في العام 2002 كتاب "روزي بونبون" للفرنسي "نيكولا جونز" والذي تحدّثَ فيهِ عن مغامرات جنسية مع الأطفال لنقد ومجادلة كبيرة بينَ منظمات الدفاع عن حقوق الطفل والمؤيدين لحريات التعبير، وإلى اليوم لا يزالُ الكتاب يباعُ في المكتبات، ولكن ذائقة القارئ هيَ التي تتحكّمُ في محبّتهِ للكتاب وتقبّلهِ، لا الرقابة!

ومن ناحية أخرى، فإنّ الذي يجعلني أفقعُ من الضحك، هو عندَ رؤيتي للشباب والأصوليين يتحدّثون عن الغرب المتقدّم والمتحضّر والتكنولوجي وأنّ المسلمين والعرب هم الأولى بذلك لولا الحكّام الديكتاتوريين، وقد نسوا اولئكَ أنّ هذهِ الحضارة والتكنولوجيا لم يصنعها الدين ولا الكبت الاجتماعي، بل حرّية الفكر والتحرّر الثقافي والليبرالية هي التي ساعدت وبشكلٍ كبير على تكوين وعي ثقافي وحضاري في المجتمعات الغربية.

انّ الشباب المتأثر بأفكار دينية سطحية متعلّقةً بتشمير السراويل وزرع اللحي والتدخّل في شؤون الأخرين وحرمة شرب الخمر والجنس وأنّ أفضل ما كُتب على وجه الأرض هو القرآن الكريم والموسيقى الحرام، لن ينتجوا لنا فكرًا ابداعيًا نهضاويًا، ولن نتقدّم شعرةً واحدة إلى الأمام.

سيقولُ البعضُ لي الأن: كيفَ استطاعَ العرب والمسلمون في الفترة الأموية والعباسية من أن يصنعوا لأنفسهم نهضة وحضارة. وسيكونُ جوابي دونَ شك أنّ السبب الأولَ في ذلك هي حرية التعبير الكبيرة التي مُنحت للفرد في تلكَ العصور، فقد كانت تلكَ الحرية أكبرُ بكثير ممّا هو الحال عليهِ اليوم. فالمعتزلة الذينَ ظهروا في نهايات الخلافة الأموية وبداية الخلافة العباسية كانوا ينتقدون القرآن انتقادًا أكبر وأخطر من انتقاد سلمان رشدي لهُ في روايتهِ "آيات شيطانية"، وأبي نواس، شاعر الخمر والغلمان، كانَت كتاباتهِ في العصر العباسي أكثرَ تحررًا و "حداثية" ممّا يكتبهُ أكبر شاعر "متحرّر" في زمننا الحالي. لأن الابداع لم يكن محاصرًا أبدًا في تلكَ الفترةِ التي شهدت قمّة حضارة الدولة الاسلامية، فقد كانَ الشعر والفن والموسيقى هم أساس تلكَ النهضة الحضارية، ولو كانَ الوهابيون / الأصوليون / السلفيون، أعداء الفكر والفن هم أبناء ذاكَ العصر، لبقى الاسلام أقلّية محصورة في مكّة، وربما ما وُجدَ الاسلام بالمرة في يومنا هذا. ففي تلكَ الفترات التي ظهرت فيها الحضارة الاسلامية، ظهرت الموشحات والأندلسيات والفنّ المعماري والرسم وتطوّر الكتابة الشعرية، وهذهِ الحرّية في عصر ديني كانت نقطة تحوّل وتطوّر. بينما اليوم لا نرى سوى رجال بلحيَ طويلة وفقهاء ظلام يقولون أنّ الموسيقى حرام وسيخ سيدخل الأذنين لمستمعي الموسيقى، ويقولون أيضًا ما فائدة الكتابة والقصص والقرآن أفضل ما كُتبَ على الوجود. والتعمّق في الفلسفة والوجود والطبيعة هو عدو عقل. فحينَ يقولُ مدمري الابداع بأنّ ما جاء في القرآن والأحاديث النبوية كافٍ ليعرفَ الانسان كلّ ما يودّ معرفته في الوجود فإنّهُ بامكاني أن أقول بأن هذهِ حالاتٌ شاذة وسياسات مجانية، وصناعة عقم، وتدمير هوية ثقافية وطمس للإبداع، وتقييد لحقوق الفرد.

في ليبيا، اختفت الحرية، وصارت في نظر المواطنين (علكة أميركية، صناعة صهيونية). المثقف الليبي صارَ (كما سلف وقلنا) بعيدًا كلّ البعد عن محيطه. هو سلعة اشتراها الاسلاميون ان لم يشتريه النظام الحاكم. أمّا الذينَ لم يقعوا ضحيةَ هذا ولا ذاك (وهم كثر بالمناسبة)، فقد قرروا المشي عندَ الظل وفضّلوا الصمت، جارينَ ورائهم خيبات الوطن الذي كانوا بهِ يوعدون.

وحينَ كتبَ في الفترة السابقة كاتبًا ليبيٌ كبير نصًا متحرّرًا من تلكَ القيود الاجتماعية والدينية، وجدتُ أنّ الكلّ يهاجمه ويتهمونه بالإباحية. ما هي الإباحية التي يتحدّثون عنها؟ هل هيَ ذاتها التي يشاهدونها على محطة XXL ومواقع البورنو ليستنموا عليها؟ لماذا هذا الإدّعاء بأنّ مجتمعنا الليبي محافظ واسلامي في حينِ أنّ عشرات الأباء يغتصبون بناتهم؟ لماذا الإدّعاء بأنّ مجتمعنا الليبي محافظ واسلامي في حينِ أنّني كنتُ أرى النساء يمشينَ في شارع الرشيد وأيديهن على أردافهن لأنّ كلّ من سيمرّ سيتحرّش بهن؟ لماذا ندّعي أنّنا مجتمع محافظ واسلامي في حينِ أنّ الأزقّة الصغيرة والسيارات والإيفيكوات مليئةً برجال يغتصبون الأطفال؟ هذا كلّهُ لا نتحدّث عنه، والاعلام يغيبه والمجتمع يحاولُ الصمت وعدم اظهاره لأنّنا (مجتمع محافظ واسلامي)، ومن يتحدّث عن هذهِ النقاط هو ليسَ سوى عميل لأوروبا وأمريكا واسرائيل ويحاول تشويه وجوهنا. وأنا في الحقيقة هنا أنشرُ غسيلنا القذر!

حسنًا أيها المجتمع (المحافظ والاسلامي)، سأسألكم الأن: من أينَ لكم الأحقّية والشرعية في أن تتدخلوا في شؤون الخلق، وتتهكّموا على المرأة الغير محجبة وتتهموها بالفجور؟ من أينَ لكم الحق في أن تتجبّروا على من يخالفكم فكرًا ودينًا، وفي ذاتِ الوقتِ أنتم ساكتين وخانعين لأدوات حكم استبدادية (لاعبة فيكم يمين وشمال)؟ من أين لكم الحق في أن تتقوّوا على من لهُ حرّية رأي وفكر دونَ أن يمس شعرةً واحدة في جسدكم في الوقت الذي تهتفون فيهِ لمن يقتلكم ويعذبكم ويجعلَ منكم فئران تجارب؟

أجيبوني يا أصوات (المجتمع المحافظ والاسلامي)!

إنّ المسافة بين الدين والعلم والابداع شاهقةٌ جدًا، والإسلاميون دمّروا العلم والابداع، ولن يصلحوا ليبيا ولن يصنعوا لعبةً صغيرةٍ لطفل. الدين مكانهُ مساجد، ووظيفتهُ أخلاقية ومعاملة، لا أن يتدخلَ المرء في شؤون جارهِ أو باقي الناس، وكذلكَ الابداع. الإبداعُ والفن ان تحرّرا من السلاسل التي كبلته، سيصنع من ليبيا مجتمعًا حقيقيًا.

أينَ المثقف؟ أينَ دور المثقف؟

دعونا فقط نكتبُ ونبدع، لنعيشَ كلّنا بسلام!

mb_musratie@hotmail.com
http://mesrati.blogspot.com



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home