Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Ben Hmida

Thursday, 31 August, 2006

الرمز الذي يعـتـزّ به شعـبه

محمد بن احميدة


الوداع الأخير لعمالقة الأدب : "الروائي الأندونيسي براموديا انانتتور، والروائي الألماني جونتر
جراس الحاصل على جائزة نوبل للأداب لعام 1999 في بيت الثاني القريب من مدينة هامبورج"

لم يسكته إرهاب الدولة. ولم تخيفه المجازر الرهيبة التي راح ضحيتها أكتر من نصف مليون من أبناء وطنه اندونيسيا عام 65. ولم يكسر عزيمته تواطؤ الإدارة الأمريكية بجاكارتا مع الديكتاتور سوهارتو بحجة مكافحة المد اليساري، حين سلم السفير الأمريكي آنذاك شخصيا الى فرق الموت الأندونيسية قائمة تحتوي على أكثر من ثلاثين الف إسم ليتم سحلهم في الشوارع .

إستمر يكتب وينادي بالحرية، الى أن تم القبض عليه وصدر في حقه الحكم بالسجن المؤبد مدى الحياة مع الأشغال الشاقة. ومن سجنه بإحدى الجزر النائية هرّب ما أمكنه تهريبه من رسائل تدعو الى الثبات ومواصلة الكفاح. لم يشتكي من التعذيب ولا من ألام الغربة ولا من المرض أو الجوع.

كان يرى بإن مبادئه لا يمكن تطويعها او إرغامها على التناسق مع مصطلحات تفننت المعارضة الرسمية في صياغتها خاصة عندما يكون التعامل مع حاكم إنتزع السلطة وأسس حكمه على برك دماء شعبه. لم ينصاع للنظام حين ساومه، ولم ’يعير للمجتمع الدولي الرسمي وفرشه الأحمر الذي ’مد لإستقبال الديكتاتور في كل عواصم العالم وفي المحافل الدولية أي إهتمام ، بل إستمر على ثباته حتى اضطر سوهارتو وتحت ضغط منظمات حقوق الإنسان الى اطلاق سراحه بعد خمسة عشر عاما من السجن والشقاء والتصفية البطيئة.

عندما خرج من السجن كان نحيلا وضعيفا وكان عليه ان يبذل جهدا كبيرا للوقوف على قدميه. خرج ومعه حقيبة ملابس صغيرة هي كل ما يملكه في هذه الدنيا. وعندما سأله أحد الصحفيين عن أول عمل سيقوم به بعد نيله الحريه، رد عليه : "بوجود الديكتاتور لا توجد الحرية. ليس هناك اي مبرر اخلاقي يجعلني أهادن حاكما مجرما، سأواصل ما يمليه عليّ ضميري".

ومن بيته البسيط والذي كان اشبه الى الكوخ واصل كتاباته الروائية وعلت صرخاته لتتحول الى أناشيد يشدوا بها الطلبة في مظاهراتهم ضد الديكتاتورية في جاكارتا وسورابايا وجوكجا وباندونج وميدان الى ان ’دكت دولة الإرهاب وطردالسفاح وتحرر 220 مليون اندونيسي.

هكذا كان ذلك الرمز الوطني الأندونيسي براموديا انانتتور، كاتبا فدا وعبقريا من عباقرة وطنه. لم يصاب بالغرور نتيجة الجوائز العالمية العديدة التي تحصل عليها ولم تنسيه ألام شعبه. كان يرى بأن قدر النخبة ان تتبنى قضية وطنها وأهلها.

لقد كان لي شرف التعرف على هذا المناضل والكاتب الكبير والإستماع اليه. وفي لقائنا الأخير وخلال زيارته لمدينة هامبورج بدعوة من جامعتها أهديته حقيبة سفر جديدةعوضا عن حقيبته القديمة المهشَمة، فناولني حقيبته العتيقة قائلا : " أرجوا منك الإحتفاظ برفيقتي والتي كانت بالنسبة لي رمز لمأساة وطني طيلة مدة سجني، ولكنها في نفس الوقت رمز لتفائلي بأن قضية الحرية ستنتصر، إنها هدية مني الى كل المعتقلين السياسيين بوطنك ليبيا"، وأخد قلم وكتب على الحقيبة الجديدة التي أهديتها له الى جانب اسمه عبارة "الحرية لليبيا."

في الثلاثين من ابريل من هذه السنة انطفأت تلك الشمعة حيت توفي برام كما كان اصدقائه ينادونه عن عمر يناهز الواحد والثمانون عاما. وكان مرشحا لنيل جائزة نوبل لهذه السنة.

محمد بن احميدة
mohamedbenhmeda@yahoo.de


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home