Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Ben Hmida


محمد بن احميدة

Wednesday, 30 April, 2008

البناء والإستبداد
حوار نظمته مجلة دير اشبيجل الألمانية

محمد بن احميدة

الدعوة كانت مفتوحة: إعلانات على ورق سميك وبأعداد هائلة وُزعت مع مجلة دير اشبيجل في عددها الصادريوم 21 ابريل، مُلصقات غطت مُعظم شوارع هامبورج. على هذه المُلصقات جُملتيّن لا يمكن تجاهلهما: " البناء للمستبدين " ، "هل يصح للمهندسين الألمان البناء في دُول مثل الصين وليبيا؟ ". موعد اللقاء كان يوم الخميس الماضي 24 ابريل، الساعة السابعة مساء بأكاديمية الفنون بمدينة هامبورج. الحضور فاق المتوقع. قرب نهاية اللقاء حاولت احصاء الحاضرين وعند العدد 300 توقفت. لقد تجاوز عددهم هذا الرقم بكثير. انني جئت من مدينة دوسلدورف، هذا ما قاله لي جاري. دوسلدورف تبعد عن هامبورج حولي 400 كم.

منظمي اللقاء:
مجلة دير اشبيجل من اشهر المجلات السياسية في ألمانيا. في بداية السنة أثارت المجلة موضوع يعالج مشكلة التعامل مع الأنظمة المستبدة. كمثل على ذلك نشاط مكتب جركان وشركائه للهندسة في فيتنام والصين. وبما أن هذه الشركة ليست اي شركة هندسية فقد طلبت اجراء لقاء مفتوحا لنقاش هذه القضية. فكان لها ما طلبت. لتسخين النقاش تم دعوة الجانب المضاد والذي يمثله مكتب انجنهوفن. من جانب مجلة دير اشبيجل كانت المحررة سوزاني باير والمحررة أنتي برونس.

الضيوف:
ـ ماينهارد فون جركان من مكتب جركان وشركائه للهندسة. بروفسور بجامعة براون شفايج منذ 28 سنة . مهندس محطة القطارات الرئيسة بالعاصمة برلين، مُصمم لعدة مشاريع معمارية اخرى في أوروبا وأسيا. مهندس ومنفد لبناء مدينة جديدة بالصين سيسكنها 800 ألف نسمة.

ـ كريستوف انجنهوفن من مكتب انجنهوفن للهندسة حاصل على عدة جوائز عالمية للهندسة المعمارية، مهندس محطة قطارات مدينة شتوتجارت ومعرض هامبورج، الكثير من المشاريع المعمارية في العالم تحمل بصماته.

في تمام الساعة السابعة كانت الصالة تغص بالحاضرين، وعلى المنصة كانا يجلسا الغريميّن. في أقصى اليمين واليسار جلستا المحررتيّن بمجلة دير اشبيجل سوزاني باير وانيتا برونس.

جاركان، انت قلت في بداية السنة بأن ضميرك لا يأنبك عندما تزاول نشاطك بالصين. هل غيّرت رأيك؟
بذلك أعلنت المحررة باير ابتداء المعركة.
ردي بكل وضوح لا. قبل ان أبداء اود شكر مجلة دير اشبيجل على إقامة هذا الحوار. والأن لماذا لا أشعر بتأنيب الضمير؟. ـ اذا أعتبرنا بأن الديمقراطية هو المقياس في نشاطنا، فإن هذا سيقودنا الى الإمتناع عن مزاولة نشاطنا في نصف الكرة الأرضية.
ـ الصين تشجع على التجارب الهندسية المعمارية وكمصمم لي مطلق الحرية في اعطاء خيالي مساحات واسعة للتجديد. عكس ذلك في أوروبا فهناك محددات صارمة في الهندسة المعمارية والتي تحد من الخيال.
ـ عندما اصمم وأنفد مشروعاتي فإنني أستطيع نقل التجربة الألمانية الى الصين والى الأماكن الأخرى في مجال حماية البيئة ومجالات أخرى.
ـ شركائنا لا يميلون الى الخصومة بعكس دول أوروبا. المشاكل تُحل هناك بطرق ودية.

انجنهوفن: هذا ليس عذر بأن تبني برلمان بفيتنام .

جركان: لما لا؟ عندما أبني برلمان له كافة المستلزمات أسوة بالبرلمانات الغربية من صالات للمناقشة وللجان وللأحزاب، فإنني بذلك أديت عملي بشكل جيد.

انجنهوفن: في هذا العالم عدد البرلمانات اكثر من عدد الديموقراطيات.انك تتجاهل بأن ما يسمى البرلمانات في الدول الإستبداية تصدر عنها القوانين الظالمة وأنها تستخدم لقمع الشعب، ولأعطاء العالم صورة خاطئة عن حقيقة ما يجري. ضف الى ذلك اذا كان هذا المبنى مصمم بشكل يظهر العظمة، فإنك بذلك تعين هذه الأنظمة الظالمة على ابراز سطوتها على شعوبها.

جركان: أنا لا يهمني لأي غرض تستعمل مثل هذه المباني، الذي يهمني هو أن أنفذ عملي بشكل جيد. هناك نقطة مهمة وهي يجب أن لا ننسى بأن الكثير من المشاريع التي شيدتها النازية في ألمانيا تستخدم حاليا في ضل النظام الديمقراطي. أبرز الأمثلة لذلك وزارة الخارجية الألمانية ببرلين والرايشستاغ والذي يُستخدم الآن كمبنى للبرلمان الألماني.

انجنهوفن: عندما تنتصر الديمقراطية في الدول المقموعة فإن آخر هموم نواب الشعب هو مكان اجتماعاتهم. عندما تنتصر الديمقراطية بإمكانهم عقد اجتماعاتهم مؤقتا حتى بإحدى الأسواق التجارية. تم هل فكرت بأن الديمقراطية في الدول الإستبدادية لا تأتي عن طريق حركة يد سحرية سريعة. انظر الى الأكثر الحكام استبدادا: انظر الى القذافي في ليبيا. هذا المستبد سيترك بصماته القبيحة لخلفه. هل فكرت من سيكون خلفه؟ انه حتما أحد ابنائه. ثق تماما بأنه سيعمل بكل ما في وسعه لمواصلة إرث والده. ما أسهل ان يستخدموا أقنعة أخرى وأدوات أخرى.

جركان: لا نستطيع التدخل في الإرث الثقافي .

انجنوفن: ما دخل الإرث الثقافي في ذلك؟ هناك محددات اخلاقية تجبرنا على عدم السباحة مع التيار. يجب أن يكون لك السيادة في اتخاد القرار وأن لا تقرر لأن الأخرون قرروا السير في هذا الطريق. الإنسان يجب أن يعمل ما هو صحيحا وليس ما هو بإستطاعته أن يعمله.

جركان: هناك الكثير من العمل ينتظرنا. اذا قررت عدم المشاركة فهدا شأنك. نحن سعداء على أية حال لأنك لا تزاحمنا، ولو أنك أسأت الى سمعة المهندسين الألمان بالكثير من دول العالم بمواقفك هذه، والتي تتعارض مع ثقافة تلك المناطق.

انجنهوفن: انني أقول كلمتي للمستبدين مباشرة وبوضوح، ولا يهمني ثقافة مناطقهم اذا كانت تقبل الخنوع.

جركان: اننا نبني المتحف الوطني في بكين. انه غار ل 5000 سنة من التاريخ الصيني.

انجهوفن: لا مانع من ذلك ولكن ليس على ساحة تيانانمن حيث سارت الدبابات على جماجم المتظاهرين.

جركان: يا إلاهي!.

انجنهوفن: انا لست ضد بناء المستشفيات والمدارس والجامعات ورياض الأطفال والمشاريع التي تعود على عامة الشعب بالمنفعة وتساهم في إحداث التطور . أكرر أنا ارفض المساهمة في بناء مشاريع البريستيج والتي ترسخ سلطة الإستبداد.

جركان: لماذا تريد ان تعمل من اخلاقياتك مذهبا يجب ان يسري على الجميع؟ انك تضر هذه المهنة. أنا ستكون عندي مشكلة فقط عندما لا أستطيع تحمل المسؤولية لأي بناء معماري من الناحية المعمارية، وليس من ناحية الفائدة منه. هذا يعني: يجب أن يكون التصميم جيدا، النوعية يجب ان تكون جيدة. من يسكن هذا البناء لا يدخل في نطاق مسؤولية المهندس. مثلا نحن صممنا ونقوم بتنفيد مدينة جديدة بالصين سيكون عدد سكانها 800 ألف نسمة. سنطبق مواصفات الحفاظ على البيئة الألمانية هناك، كذلك الحال بالنسبة للشوارع والصرف الصحي ، وطريقة البناء والى آخر القائمة وسنبني بطريقة اقتصادية. بذلك يكسب الصينيون الخبرة في بناء المدن الحديثة ويطبقونها في اماكن أخرى بالصين.

المحررة سوزاني باير: السيد انجنهوفن : ماذا عن دول مثل سنغافورة؟ لك نشاطات كبيرة هناك.

انجنهوفن: ليس فقط في سنغافورة وانما ايضا بدبي . نعم هذه الدول تقع على خط الحدود ما بين الديمقراطية والديكتاتورية. الشكر لله انه لا يوجد في هذا العالم استبدادا مطلقا الا في دولتيّن، إحدهما اشرتم اليه في دعوتكم وهي ليبيا. اننا نسعى في دول مثل سنغافورة ودبي لتجنب أي مشروع يشتم من غرض انشائه رائحة تمجيد الحاكم على حساب الشعب. اننا نشترط ان يحصل العمال على أجر مجزيء مقابل جهدهم، ونسعى أيضا من أجل ظروف عمل إنسانية للعمال.

جركان: لا يمكن اتهامنا بأن تصميماتنا تعبر عن سطوة الحاكم مثل ما كان يفعله هتلر وشاوشيسكو. السؤال هل نريد تشجيع العمل الجيّد وتجنب السيء؟ لعب دور الرفض هو دائما الدور السهل، لأن المسؤولية ستقع دائما على الآخرين. ان نظرة انجنهوفن متكبرة.

انجنهوفن: اقفل الفم، وواصل البناء. الديمقراطية ستأتي بنفسها.

وهكذا تواصل النقاش لمدة ساعة والنصف وكان يمكن له ان يتواصل لما لا نهاية،الا ان المحررة سوزاني باير وضعت نهاية لهذا اللقاء بتوجيه السؤال لجركان إن كان يفكر في دعوة انجنهوفن للتدريس بمشروعه القادم بمدينة هامبورج " أكاديمية المعمار" ؟

جركان: انجنهوفن لا يفكر حتى في الحلم التعامل معنا لأننا نتعامل مع الصنيين الأشرار أصحاب العيون الضيقة.

انجنهوفن: هذه ضربات تحت الحزام. اتهاماتك بأنني لا أحب الصنيين ليست مُنصفة وليست مهذبة.

الجمهور أبدى تعاطفا واضحا مع آراء انجنهوفن، حيث كانت الصالة تهتز بالتصفيق لمداخلاته. وللأسف أدت حدة النقاش بين الغريميّن لعدم اتاحة فرصة كافية للجمهور للمشاركة، حيث كان الوقت محددا.

رغم ذلك كان لي بعض الحظ بهذه المشاركة القصيرة: السيد جركان ، حجتك وللأسف عرجاء. انت لا تستطيع أن تبني الآن مقصلة بحجة إمكانية الإستفادة منها في ما بعد، أي عندما تنتصر الديمقراطية وتحاسب المستبدين. لا تستطع الغاء البُعد الإخلاقي في عملك والتنصل من المسؤولية. لا أحد يعترض على المشاريع التي تعود بالفعل بالمنفعة على عامة الشعب. في بلدي ليبيا استخدموا حتى المباني التعليمية والرياضية كساحات للإعدامات. الأودي ماكس (مدرج جامعة طرابلس) تحول الى قاعة لتدريس الكراهية والعنف ضد الرأي الآخر. هل تدرك جيدا ما معنى الحاكم المستبد؟ انها تعني: كل كلمة تصدر عنه هي القانون. الإعتراض معناه الإختفاء من الوجود. هذا موجود فعلا عندنا بليبيا وموثق، وصادر من طرف ما اطلق عليه الحاكم ممثلي الشعب. بحُجة يمكن الإستفادة منه في ما بعد، لا يمكنك بناء برلمان جميل تصدر عنه مثل هذه القرارات، وعلى بُعد بضعة مئات الأمتار منه، سجن قُتل فيه في ساعات معدودة 1200 سجين. هذا ما حدث فعلا عام 1996 بطرابلس. تصوراتك غير مجدية بتاتا للتطور الديموقراطي في الدول المستبدة بل هي عائق. اننا نقول لك شكرا سيد جركان، نحن في غني عن تصميماتك.

بعد انتهاء اللقاء تواصل النقاش مع الضيوف على الممرات والغرف الجانبية لأجد نفسي عند منتصف الليل في طريقي الى البيت.

محمد بن احميدة
27 ابريل 2008
mohamedbenhmeda@yahoo.de


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home