Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Ben Hmida


محمد بن احميدة

الأحد 28 ديسمبر 2008

حجارة القيصر

محمد بن احميدة

هناك مُصطلح قديم وبغيض في اللغة الألمانية يُطلق عليه زيبن هافتونغ "Sippenhaftung" وهو يعني تحميل المسؤولية المباشرة للعائلة أو ( القبيلة) في حالة " إرتكاب " أحد أعضائها حسب تقييم السُلطة الحاكمة " جُرما " في حق صاحب الجلالة أي القيصر.

يرجع تاريخ هذا المصطلح الى القوانين التي سادت في عهد الروم أي ما بين 600 عام قبل الميلاد و 600 عام بعد ميلاد المسيح، وأصبح في ما بعد يُعاقب بموجبه قانون العقوبات الألماني القديم اثناء العصور الوسطى.

إستعان النازيون الألمان بهذا المُصطلح وطبقوه في حالات كثيرة ضد عائلات خصومهم السياسيين عن طريق كتابة عبارات الشتم والتهديد على جدران مساكن أُسر خصومهم وترويع ساكني تلك البيوت بل وصل الأمر الى التنكيل بهم ولعل أشهر حالة لذلك إلقاء القبض على كل أفراد أسرة شتاوفنبرج بأطفالها ونسائها وشيوخها ورميهم في معسكرات الإعتقال النازية بسبب إشتراك الضابط كلاوس شتاوفنبرج في محاولة فاشلة لإغتيال ادولف هتلر يوم 20 يوليو من عام 1944 .

لقد تم القضاء والى الأبد على الديكتاتورية النازية في المانيا إلا أن مُتحجري العقول من أنصار تلك الأيديولوجية العُنصرية الذين تعوزهم الحُجة والمنطق لايزالون الى يومنا هذا ينتهجون نفس النهج بكتاباتهم الحاقدة على قبور اليهود والمسلمين في المقابر الألمانية.

إسرائيل هي الأخرى تستخدم هذا المصطلح الارهابي ضد الأسر الفلسطينية كآداة للإنتقام عندما يشارك أبناء هذه الأُسر في عمليات للمقاومة.

لا شك في أن هذا المُصطلح البغيض يحمل في طياته كل معاني التدني الأخلاقي والإجحاف والظُلم الذي يمكن أن يرتكبه الأنسان في حق أخيه الإنسان لمجرد أنه وُلد بحكم إرادة الخالق قريبا لخصم سياسي وهو لا يختلف في أية صورة من صوره عن أي جريمة أخرى في حق البشرية أي مثل تجارة العبيد والتي كانت أيضا صنيعة الظلم والسطوة والإفتقار للشعور بالغُبن.

ان ما شهدناه على الانترنت من أشرطة مُصورة حول ما حدث في مدينة يفرن لهو عار بكل المقاييس ولا يُمكن تبريره مهما كانت شدة الخصومة والعداوة بين النظام ومناوئيه. لقد كان جليا بأن هذا العمل العُدواني كان مُنظما من قبل السُلطة وتم تنفيذه بدعم من السُلطات الأمنية الليبية والتي إحدى واجباتها بحكم القانون الساري هو منع أي اعتداء ومن أي مصدر ضد أي انسان يعيش داخل نطاق سُلطاتها.

إن هذا العمل ليس عدوان على بيت أسرة ليبية بعينها يعارض أحد أفرادها النظام وإنما هو إعتداء صارخ على الوطن بكامله وفي كل زاوية منه، من غربه الى شرقه ومن جنوبه الى شماله، فكل بيت على تراب ليبيا وكل ليبي أو ليبية، شابا كان أو مُسنا أصبح مرة أخرى مهددا بالتعرض لنفس الإساءة ـ الأساءة الإخلاقية وإساءة إستعمال رجال الشُرطة لأغراض تتعارض مع القانون ـ في حالة قيام أحد أقاربه بما لا يستسيغه الحاكم.

لقد كتبوا على الجدران ما تحتويه قواميسهم من منطق وصوبوا حجارهم نحو البيوت وأرعبوا ساكنيها، إلا أنهم قطعا أخطأوا هدفهم وهو إنزال الرُعب في قلوب خصومهم. هكذا علمتنا تجارب الشعوب التي إكتوت بنيران الديكتاتورية وهكذا علمنا ماضينا بما يحمله من ألم ومعاناة.

ما عاشته مدينة يفرن هو ليس فقط اشارات البرق التي تسبق الرعد، بل هو أيضا يامعشر الليبيين والليبيات كآلآم وضع المولود الجديد والذي أُختار له الوريث من الآسماء بُهتانا " دستورا" والذي لن يختلف كثيرا في تشوهاته الخُلقية وجوهره عن "الوثيقة الخضراء" أو " الشرعية الثورية".

لقد سألت نفسي ماذا سيكون موقفي لو حدث ـ ما حدث في مدينة يفرن لا قدر الله في دولة المستقبل ـ ضد أسرة ينتمي اليها احد عُتاة النظام الحالي مهما كان لقبها؟ لم ولن أجد جوابا غير التعهد بأنني سأدافع عن ذلك البيت وأهله بكل السُبل وإن لم أجد فإنني حتما سأكون مستعدا لمواجهة الحجارة بصدري ، بعدها ربما سأبحث عن مكان لقبري، فموتي لن يكون من جراء الحجارة وإنما من شدة الخجل.

دولة المستقبل التي سعينا ولازلنا نسعى اليها يجب أن تكون مُحصلة الدروس لمعاناة شعبنا تحت وطأة الديكتاتورية طيلة 39 عاما وهي الدولة التي يجب أن يتمتع كافة مواطنيها وجالياتها الأجنبية وضيوفها ـ بقوة القانون وحماية الدستور ـ بحقوقهم الكاملة ولا مكان فيها للغوغاء وهمجية القرون الوسطى وعقول النازية المُتحجرة.

محمد بن احميدة
mohamedbenhmeda@yahoo.de


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home