Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Ben Hmida
الكاتب الليبي محمد بن احميدة


محمد بن احميدة

الإربعاء 28 يوليو 2010

من يتناسى ماضيه، ليس له مستقبل

محمد بن احميدة

مع تحرير ألمانيا من قبضة النازية، واصل الصحفي الشاب "فيرنر هوفر /Werner Höfer " مسيرته الصحفية، فكانت له صولات وجولات في شؤون الصحافة والإعلام سواء كان المحلي منه أو الدولي. لم يطرح أحدا السؤال عن ماضيه، فالجميع كان مشغولا بإعادة إعمار ألمانيا والتي دمرتها الحرب بالكامل.

كانت نقطة البداية، لهذا الصحفي الشاب بُعيد انتهاء الحرب، هي محطة إذاعة وتلفزيون "شمال غرب ألمانيا" و "إذاعة غرب ألمانيا"، ثم شارك في تأسيس محطة تلفزيون "في دي إر"، حيث أصبح بعد سنوات مديرها، وكانت له أيضا بصامات واضحة في تأسيس وتسيير العديد من المطبوعات المشهورة والتي كانت بحق في ذلك الوقت بمثابة حجر الأساس لهوية صحافة ألمانيا الجديدة.

باستلام هوفر سنة 1957 تقديم البرنامج الصحفي "فروه شوبن" سطع نجمه، وبقى كذلك يقدم بدون منافس هذا البرنامج على مدى ثلاثون عاما. كان هذا البرنامج يبث على القناة الأولى، وينقل حيا في كل يوم أحد عند منتصف النهار عبر العديد من الإذاعات الألمانية، حيث يستمر لمدة خمسة وأربعون دقيقة.

كان يستضاف لهذا البرنامج خمسة صحافيين دوليين من خمسة بلدان مختلفة، ليناقشوا مواضيع الساعة الساخنة، وبعد انتهاء بث البرنامج يُتاح للمستمعين عبر مجموعة من الإذاعات طرح أسئلتهم ومناقشة الضيوف لمدة ساعة كاملة.

من خلال ذلك البرنامج عولجت الكثير من الأزمات التي عصفت بالعالم، منها حرب السويس وأزمات الشرق الأوسط المختلفة، والحروب الهندية الباكستانية، وحرب فيتنام، وكمبوديا، وأزمة بناء سور برلين وأزمات الأفارقة المختلفة والتفرقة العنصرية في جنوبها، والحرب الباردة، ومذابح سوهارتو في اندونيسيا، والانقلابات العسكرية في أمريكا اللاتينية، ومذابح العسكر في الأرجنتين وتشيلي، واحتلال جزر الفلكلاند، وأزمة الصواريخ في كوبا، ومقتل كيندي، وفضيحة وترجيت، والانقلابات العسكرية العربية وغيرها الكثير من الأزمات السياسية والاقتصادية.


اسطورة الصحافة الألمانية فيرنر هوفر

كان فيرنر هوفر يختار ضيوفه من كبار الصحفيين بدقة ومن أقطاب متضادة، إلا أن قوة شخصيته وحنكته في إدارة الحوار، تأبى الا أن تفرض نفسها على الأطراف المتعادية، لتجعلهم يجيد كل منهم الاستماع الى الرأي الآخر مهما كان معاديا ومهما كانت درجة الاستفزاز دون حتى التفكير في مقاطعة المتحدث. لقد كان هوفر إحدى الشخصيات الصحفية البارزة، التي يرجع لها الفضل في إيقاظ اهتمام المواطن الألماني لما يجري في بقاع كثيرة من هذا العالم، وكان يُعتبر أيضا إحدى مدارس الديمقراطية الحديثة التي ساهمت في إرساء لغة الحوار البناء من أجل الوصول إلى الحقيقة، وأصبح برنامجه منتدى لكافة المهتمين بالشؤون السياسية .

لقد منح فيرنر هوفر كل جهده ووقته لهذا البرنامج ، فكان يصر على تقديمه بنفسه حتى إثناء إجازاته، حيث كان يقطعها خصيصا كل يوم أحد ليقدمه بنفسه، فالبرنامج بدونه لا يحمل هوية ولا روحا.

في شهر أغسطس من عام 1961، وبينما كان يقدم برنامجه كالمعتاد، وصله خبر قيام النظام الشيوعي في ألمانيا الشرقية في بناء سور برلين، فقام بتحويل وبنجاح باهر الحوار إلى ذلك الموضوع.

في عام 1975 تمكن مجموعة من المتظاهرين من الدخول إلى غرفة بث البرنامج، إلا انه وبحكمته استطاع وفي خلال دقيقتين إقناعهم بالخروج.

في إثناء تقديمه الحلقة رقم 1000 من برنامجه، فاجأه فيلي براندت المستشار الألماني السابق والحاصل على جائزة نوبل للسلام بزيارة تكريما له.

نهاية فيرنر هوفر الصحفية والسقوط للهاوية

في شهر ديسمبر 1987 نشرت مجلة ديرشبيجل الألمانية مقالة ترجع أحداثها إلى سنة 1943، أي إلى 44 سنة إلى الوراء، وملخص المقالة هو التالي:

"في إحدى أيام أغسطس من سنة 1943، التقى شاب وهو عازف البيانو المشهور كارل روبرت كرايتن بإحدى صديقات والدته، حيث أبدى لها شكوكه في إمكانية انتصار ألمانيا في الحرب.

لم تنتظر تلك السيدة طويلا، فهرولت إلى اقرب مركز "للجستابو" للتبليغ عنه. لم تمضي ساعات حتى وجد ذلك الشاب نفسه في إحدى المعتقلات. يوم 3 سبتمبر من نفس السنة أصدرت محكمة الشعب النازية في حقه حُكم الإعدام والذي نُفد فيه في نفس اليوم.

في مقال بعنوان " الفنانين ..مثال وقدوة" وفي يوم 15 سبتمبر علق شابا آخر وهو فيرنر هوفر، والذي كان آنذاك يعمل كصحافيا متدربا في إحدى صحف النازية على الحُكم بإعدام الشاب الموسيقي بالتالي:

لقد شاهدنا جميعا عدم الرأفة بفنان، والذي عوض أن يغرس الإيمان زرع الشكوك، وعوض الأمل الافتراء، وعوض الثبات الخوف: لقد تم إنزال أشد العقاب بذلك الفنان والذي نسى شرفه. لا مكان للتفهم عندما يرتكب فنان أي خطأ، ويجب أن يُعامل تماما كأي مواطن آخر، بل أن الشعب يطلب وبالذات من الفنان نظرا لحساسيته المرهفة، ونظرا لتأثيره على المجتمع أن يؤدي واجبه تماما مثل رفيقه الغير معروف، في أي مجال من مجالات العمل الأخرى، فالمشاهير يقع عليهم الحمل الأكبر".


الشاب الموسيقي الموهوب كارل روبرت كرايتن،
توقعه هزيمة ألمانيا في الحرب أودى بحياته

أتذكر عندما سمعت ذلك الخبر، لم أكن الوحيد الذي أذهله، ولكن هل يُعقل أن يكون الخبر كاذبا، وخاصة عندما يصدر عن مجلة لها مكانة مرموقة في نقل الخبر وتغطية الأحداث؟

ألم يتخذ فيرنر هوفر عام 1962 موقفا شجاعا ومبدئيا لصالح المجلة ضد وزير الدفاع، بل ضد الحكومة الألمانية برمتها، في ما سُمي ب "شبيجل أفيرا"، عندما تم تفتيش مكاتبها في هامبورج وبون، وسُجن رئيس تحريرها، وبعض محرريها نتيجة نشرها لمقالة تشكك في الإمكانيات الدفاعية للجيش الألماني؟

انتشر الخبر عبر كافة الوسائل الإعلامية كانتشار النار في الهشيم. حاول فيرنر هوفر التقليل من أهميته، فأدعى بأن تلك السطور أدخلها دون علمه رئيس تحرير الجريدة التي كان يعمل بها كمتدرب بناء على أوامر صدرت عن وزير الدعاية النازية يوزيف جوبل، ثم برر فعلته بأن اسم الشاب الموسيقي روبرت كرايتن لم يُذكر في تلك المقالة. كل محاولاته هذه باءت بالفشل، فلم يعد أحد مستعد لتصديقه، أو للاستماع إليه، أو تفهم موقفه. الجواب الوحيد الذي تلقاه: لقد كان أمامك متسع من الوقت لكشف ماضيك بنفسك، وعرضه كما هو بدون تبريرات، لتستفيد الأجيال من تلك التجربة، وربما لتصفح أسرة الضحية زلتك.

بعد ثلاثة أيام من نشر الخبر، قدم هوفر استقالته من كافة مناصبه، وأنعزل عن العالم. بعدها مباشرة أوقفت المحطة الأولى برنامج "فروه شوبن" نهائيا لتنتهي بذلك حقبة استمرت 30 عاما لأكثر البرامج الصحفية جاذبية، والتي لم تستطيع القنوات الحالية إلى الآن رغم كثرتها من تعويضه.

يوم 26 نوفمبر 1997، مات فيرنر هوفر بمدينة كولن وحيدا، دون أي انتباه يذكر من الرأي العام الألماني، وهو الشخصية التي ساهمت وبفعالية عالية في تطوير وعيه السياسي.

رغم انتهاء الديكتاتورية في ألمانيا منذ 67 عاما، إلا أن ديمقراطيتها المتقدمة والتي استطاعت أن تبني إحدى أكبر القوى الاقتصادية في العالم لا زالت لا تكل ولا تمل من دراسة ماضيها والسير في دهاليزه. فهل هناك أبشع من نسيان الماضي، وهل يمكن أن تستقيم حرية الإنسان والحفاظ على كرامته في الحاضر والمستقبل على مقولة عفا الله عما سلف؟

محمد بن احميدة
mohamedbenhmeda@yahoo.de


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home