Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Ben Hmida


محمد بن احميدة

Thursday, 10 April, 2008

غـلطة؟

محمد بن احميدة

بتاريخ 8.9.1988 نشرت جريدة " زود دوتشي تزايتونج " الألمانية خبرا بعنوان " القذافي : التدخل في تشاد كان غلطة " هذه ترجمته:
" لندن ( رويتر ) ـ اعترف قائد الثورة الليبي معمر القذافي علنا بأن تدخل بلاده في الحرب الأهلية بتشاد كان "غلطة ". وقال في مقابلة صحفية مع التلفزيون الجزائري بأن " التدخل قد أضر بنا كعرب ". يجب علينا " ان نصحح هذه الغلطة ". بعد سنوات من الحرب بشمال تشاد وقعت ليبيا في سبتمبر 1987 اتفاق سلام مع حكومة حسين حبري التشادية. " انتهى الخبر . نسخة من هذا الخبر باللغة الألمانية مرفقة بأسفل هذه المقالة.

قد تكون " الغلطة " تم تصحيحها بالفعل مع الحكومة التشادية، وهذا ليس موضوعنا الآن. ولكن هل تم تصحيح نتائج " الغلطة " أي الضرر الذي لحق بمن كانوا علفا لهذه " الغلطة "؟ .

لقد زُج بألاف المجندين، ضد قناعة أغلبهم في جحيم تشاد. طلبة، مدرسين، عمال، موظفين وغيرهم، من هولاء أيضا كان الدكتورادريس بوفايد، حيث أُرسل الى هناك بصفته طبيبا مرافقا لهذه الحملة. لا أحد من الشعب الليبي حكاما ومحكومين كان يجهل مصير من يرفض تنفيد آوامر قادة ومخططي التدخل " الغلطة ".

وهناك بتشاد، بالمعسكرات الليبية وانطلاقا من واجبه الإنساني كطبيب وهب الدكتور ادريس كل ما يستطيع انسان ان يهبه بعيدا عن مدينته وأهله وأصدقائه، في حين كانوا منظروا " التدخل الغلطة " مع أسرهم وأطفالهم في بيوتهم بالمدن الليبية أو يقضون إجازاتهم بالتسوق والكشوفات الصحية بأوروبا، وربما أيضا على شواطيء الساحل الليبي الطويل أو بمنتجعات جزر القمر. وعندما استولت القوات التشادية على المعسكرات الليبية ، قُتل من الليبيين من قُتل، وأُسر من أُسر، وتاه على وجهه في الصحراء من تاه. لا أحد يعلم الأعداد الصحيحة ، فالبشر في " التدخل الغلطة " ليسوا ذي قيمة حتى يتم احصائهم أو التحسر على فقدانهم. الكثير ممن قتلوا او جرحوا في هذ التدخل هم اولئك من انفجرت فيهم الألغام المحيطة بالمعسكرات، والتي زُرعت عمدا لتفادي هروب المجنّدين، كما كان يعتقد أركان التدخل " الغلطة ". وكان من نصيب الدكتور ادريس أن وقع في الأسر.

وهناك بأطراف انجامينا الفقيرة وجد الدكتور ادريس بوفايد نفسه وسط حصاد التدخل " الغلطة " : مذبحة رهيبة وكارثة انسانية لحقت بإخوانه وأبناء وطنه. كان عليه مداوة الجرحى، والمشوهين نتيجة الحروق ، واجراء عمليات استئصال أطراف ، وتغسيل الموتى : الموتى الذين توفوا نتيجة اصاباتهم في الحرب، وموتى الملاريا اللعينة والتي لا ترحم. كان عليه ايضا مؤازرة ومواساة ابناء وطنه وخاصة الشباب منهم، وذلك لإنتشالهم من الإنهيار الذي أصابهم بعد أن شاهدوا رفاقهم وهم أشلاء مثناثرة حصدها الرصاص أو مزقتها الألغام. والمأساة تتضاعف عندما يقع الإنسان بالأسر بإحدى دول العالم الأشد فقرا . لا دواء ولا غرف عمليات ولا تخدير ولا أمصال تطعيم ضد الملاريا اللعينة ولا مضادات حيوية الا الندر العسير والذي كان يأتي في حقائب اخوانه الأطباء الليبيين الذين قدموا للنجدة وعمل ما يمكن عمله. يصف أحد الأطباء، وهو ابنا آخرا من ابناء ليبيا البررة الذين تركوا عائلاتهم واطفالهم واعمالهم وسافروا الى تشاد لتقديم يد المساعدة حالة الأسرى آنذاك بأنها كانت كارثية بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، حيث قال : كانت مختلف الأمراض منتشرة بينهم، أقلها كانت الألتهابات الجلدية المزمنة والحادة والفطريات بمختلف الأنواع. ونظرا لإنعدام الأدوية كنا نذهب الى أسواق انجامينا الشعبية لنشتري الأعشاب وألأملاح والمواد الأولية الأخري لنسحقها ونخلطها بالفازيلين.

وعوضا عن تصحيح هذه " الغلطة " في حق الشعب الليبي بإرجاع رفات ابنائه الذين قتلوا الى وطنهم، وبدلا من الإهتمام بالجرحى والأسرى وذلك عن طريق تبرعات ـ مشروطة لصالح الجرحى ـ الى هيئات صحية دولية محايدة لمداواتهم، ومصارحة الليبيين بحجم الخسائر البشرية انطلاقا من المسؤولية القيادية والإخلاقية ، صُدمت ليبيا بكاملها عند سماعها لتصريح العقيد معمر القذافي بشأن هذه الحرب. حيث علم العالم لأول مرة بأن لا وجود لتواجد عسكري ليبي داخل تشاد، وبأن الأسرى ليسوا جنودا وإنما هم وفد شعبي ليبي صديق ذهب لزيارة انجامينا، إلا أن الحكومة التشادية قامت بأسرهم. وهكذا وبرمشة عين تخلت دولتهم عنهم مخالفة للعُرف الدولي والإنساني والذي يربط شرعية وجود الدولة بمسؤوليتها التامة نحو كل فرد يعيش تحت مظلتها.

والآن وبعد أكثر من عشرين عاما على ارتكاب " غلطة التدخل في تشاد " ، تُرتكب " غلطة " جديدة في حق أحد الذين دفعوا ثمن الغلطة الأولى. فبدلا من السماح للدكتور ادريس بوفايد بالعلاج في مستشفيات مُتخصصة خارج ليبيا نظرا لحالته الصحية الحرجة، نجد السُلطات الليبية تمتنع عن ذلك . فهناك سُلطات تنتظر صدور الحكم، وسُلطات أخرى تؤجل صدور الحكم. لا فرق بين السُلطات، فالأسماء متعددة، ومصدرالقرار واحد.

ان تشخيص وعلاج مرض الدكتور ادريس بوفايد غير متوفر بليبيا. هذه حقيقة يؤكدها أطباء ليبيون من الداخل يعرفون جيدا قدرات مستشفى صبراته للأورام حيث يُعالج الدكتور ادريس، وزاد من تأكيدها بيان بشأن الوضع الصحي للدكتور ادريس والذي وُقع بإسم عائلة ادريس ودفاعه، والذي نُشر يوم 25 ابريل 2008 على بعض مواقع الإنترنت الليبية. فقد جاء بالبيان الفقرة التالية:
" وكان التشخيص الأول أنه ( السرطان ) أصاب الضلعة الثالثة والفقرة الثالثة من العمود الفقري ولكن آخر تشخيص أتبت أنه أصاب الضلعة الرابعة والفقرة الرابعة وليس الثالثة". وهذا يعني بعبارة أخرى : لقد ضاع وقت ثمين لعلاج المريض نتيجة " غلطة " في التشخيص، ولا أحد يمكن له أن يُجزم بصحة التشخيص الأخير. إن معظم الحالات الخطيرة التي تأتي الى المستشفيات خارج ليبيا يكون تأزمها ناتج عن " غلطة " في تشخيص المرض والذي هو أساس العلاج.

ان في سفر اعداد هائلة من الليبيين الى دول الجوار للتداوي من امراض بعضها أقل خطرا من المرض الذي يعاني منه الدكتور ادريس، وأيضا في سفر بعض من كانوا يناصرون التدخل " الغلطة " للتداوي في لندن لهو دليل على عدم امكانية المستشفيات الليبية علاج الحالات الخطيرة. ان الإصرار على عدم السماح للدكتور ادريس بوفايد بالعلاج خارج ليبيا هو تقليل فرصة نجاته، بل هو بمثابة حُكم الإعدام عليه. هذه هي الحقيقة كما هي ، وهذا ما أكده لي طبيبان يعرفان وبشكل مباشر مستشفى صبراته لعلاج الأورام.

ان الأمم المتحضرة تمنح جوائز الدولة وعلى أعلى مستوى لمواطنيها وللأجانب الذين يخاطرون بحياتهم من أجل انقاد حياة، وحتى ولو كانت حياة كلب أو قطة. ادريس بوفايد لم يطلب، ولن يطلب جوائز دولة، وادريس بوفايد لم يطلب، ولن يطلب كلمات شكر لما قام به من أجل اسرى ليبيا في حرب تشاد ، فجوائز بلده استلمها بالأطنان بغرف التحقيق، وكلمات الشكر والمديح والإطناب استمع اليها هناك بما يكفي.

ان ما أطلبه من كل من يقف وراء محنة الدكتور ادريس بوفايد بأية صفة كانت، هو ان يبحث عن ضميره في اعماق ذاته الآن وقبل فوات الأوان. غياب الضمير لن تستطيع في ساعة ما أي كلمة تبريره حتى لو كانت كلمة " غلطة ".

محمد بن احميدة
26 ابريل 2008
mohamedbenhmeda@yahoo.de
________________________________________________

رابط .: لجوء أحد مناصري التدخل
" الغلطة " الى الخارج للعلاج
http://www.libya-alyoum.com/look/article.tpl?IdLanguage=17&IdPublication=1&NrArticle=13056&NrIssue=1&NrSection=3


القذافي : التدخل في تشاد كان غلطة
جريدة الزود دوتشي تزايتونج 8.9.1988


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home