Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Ben Hmida


محمد بن احميدة

Saturday, 14 June, 2008

إلى القلوب النابضة بحب الوطن

إلى ادريس بوفايد وجمال الحاجي ورفاقهما
(*)

محمد بن احميدة

سطوتها كانت تكتم الأنفاس. كانت حاضرة في المدارس والجامعات، والإدارات والمستشفيات، والمقاهي ودورات المياه، وفي المزارع والشوارع، والبيوت والمتاجر. حتى فراش الزوجية لم يسلم منها. بدعوى حماية المواطن جعلت منه جاسوسا وفي نفس الوقت ضحية. الأب يتجسس على ابنه، والزوجة على زوجها، والجار يكتب التقارير عن جيرانه، والطبيب عن مرضاه والطالب عن زملائه، والأستاذ الجامعي عن طلبته وعضو الحزب عن رفيقه. تعلم الناس النفاق، فصاروا خطوطا متوازية من الكذب لا مكان لخط اعتراضي.(1)

اربعون في المائة من سكان الدولة تحولوا الى " موظفين غير رسميين بأمن الدولة " هكذا كانت تصف الحكومة رسميا من يطلق الليبيون على شاكلتهم في ليبيا لقب "البصاصة ".

الدولة تكذب والمواطن يكذب. الإعلام مارس التضليل المُبرمج، لا حزب الا الحزب: اجتمع الحزب، صرح سكرتير الحزب، استقبل رئيس الحزب، خطط الحزب، نجح الحزب، حصد الحزب، إنتصر الحزب، صرح الحزب، شهق الحزب، زفر الحزب. كل شيء يسير وفق خطط الحزب، لا صوت يعلوا فوق صوت الحزب الأوحد، الحزب أبدا!.

إدّعوا بأنهم يملكون كل الحقيقة وفردوس السموات والأرض. من يتردد في دخول جنة الحزب، تُفتح له ابواب الجحيم، فالحزب المسكين لا يستطيع جرجرة الناس بالسلاسل الى الجنة، ومن حاول الهروب كانت رشاشات الإطلاق الذاتي المزروعة على الجدار تحصده برصاصها. ثمان مائة قتيل كانت حصيلة القمع السياسي الذي امتد لفترة اربعين عاما ـ لا شيء بالمقارنة بدولة اخرى حيث قُتل بأحد سجونها السياسية بعاصمتها وخلال ساعات قليلة ألف ومئتان سجينا ـ. هكذا كانت جمهورية ألمانيا الديمقراطية، والتي كانت تُطلق على نفسها دولة "العُمال والفلاحين"، وهكذا كان جهازها الأمني "شتازي" وهو الإسم المختصر لوزارة أمن الدولة.

قد تختلف ايديولوجيات انظمة الإستبداد ولكن معاجمها تتفق في قلب تفسير المصطلحات: الفشل هنا يعني تجربة مُثمرة.، السجون السياسية مصطلح لا وجود له. الناطقين بالحق مجانين.، النقد تردد، الخنوع وفاء، الكذب ذكاء، الجحيم جنة، الشقاء سعادة، السكوت رضى، الشكوى عصيان، الصبر سكرة الإنتصار، الإستبداد السياسي فردوس أرضي ، الهلوسة فلسفة، ماء البحر وكاتم الصوت قمة المنطق، حقوق الانسان حصان طروادة ، حرية التعبير عمالة وتداول السلطة ديكتاتورية. هكذا تنقلب المفاهيم عندما ينتزع قُطاع الطرق السُلطة. فلا عجب ان تنهار الأوطان ويُذل الرجال وتُرمّل النساء ويتشرد الاطفال ويعم الفقر البلاد.

" نحن الشعب " صرخة دخلت التاريخ الألماني رددها المتظاهرون في مظاهراتهم السلمية في دولة الظُلم يوم كل اثنين من كل اسبوع لتُزلزل اركان الحزب ومعاجمه، وليكتشف الشعب مدهوشا بأن الحزب وجهازه القمعي شتازي كانوا مجرد نمور من ورق، وبيادق دون سند. لم يُعير الشعب الذي استخف به الحزب وأذله لمدة اربعون عاما أي اهتمام لمرتدي قناع الاصلاح من سماسرة ودراويش والذي زج بهم الحزب في الوقت الضائع في محاولة يائسة لكسب الوقت بل مضى بوعي وعناد يسلك طريقه من أجل قبر الماضي وبناء المستقبل.

المستبدون في كل مكان هم في الحقيقة متطرفون عميان البصر والبصيرة، وهم وإن اختلفت أنظمتهم ونظرياتهم الا ان جميعهم غير قادرين على الإدراك واستيعاب الدروس القاسية التي عصفت بمصير من على شاكلتهم .

عندما انهارت دولة "العُمال والفلاحين" تخلى عنها الجميع. شباب الحزب وعجائزه. منظري النظام وأشباههم. كوادر الحزب ولاعقي احذيتهم. ضباع الاصلاح ودراويشهم، قضاة محاكم أمن الدولة وسجانيهم، لم يفكر أحدٌ منهم أن يقيم لها مأتما، بل سعى الجميع جاهدا لإستدارة ظهره لها، فسيرتها كانت مُخجلة ولم تعد تُشرف أحدا بالإنتماء إليها او اقتران اسمه بها.

"الأخطار لا تترصد الا للذين لا يستجيبون لتطورات الحياة" جُملة لجورباتشوف سكرتير الحزب الشيوعي السوفييتي السابق في آخر زيارة له الى جمهورية المانيا الديمقراطية يوم 6 اكتوبر 1989 بمناسبة ذكرى تأسيسها الأربعون. ترجمة المترجم الالماني لهذه الجملة كانت غير دقيقة حيث ترجمها بقوله " من يأتي متأخرا ستعاقبه الحياة" ، لتكون بذلك جملة العصر في التاريخ الألماني الحديث. استجاب الشعب الالماني في الشق الشرقي "لنداء المترجم" واعتبرها فرصة العمر للإنعتاق. بعدها ب 24 يوما جرف التيار الهادر دولة "العُمال والفلاحين" لتلقي بها وبجهازها الأمني شتازي والى الأبد في المتاحف.

محمد بن احميدة
mohamedbenhmeda@yahoo.de
14 يونيو2008
________________________________________________

(*) حكمت محكمة أمن الدولة المنعقدة بسجن بوسليم السيء الصيت على الدكتور ادريس بوفايد وجمال الحاجي ورفاقهم بالسجن لمدد تتراوح ما بين 6 سنوات و25 سنة. المجموعة كانت قد دعت الى اعتصام سلمي بميدان الشهداء بطرابلس يوم 17 فبراير 2007 احياء لذكرى مذبحة 17 فبراير2006 بمدينة بنغازي والتي قُتل وجُرح فيها العشرات من المتظاهرين امام السفارة الايطالية حيث اطلقت عليهم النيران من قبل قوات جهاز امن النظام الحاكم.
(1) تعتبر كتابة التقارير في "ليبيا الجماهيرية" ايضا احدى الميزات المهمة " للمواطن الصالح"، وقد برع الكثير والكثير من المواطنين الليبيين وللأسف باختلاف مستوياتهم الثقافية والاجتماعية في ذلك مما جعل احد روؤساء جهاز مخابراتي ( العميد المتوفي امحمد الغزالي مدير المباحث العامة في هيئة امن الجماهيرية) يتهكم عليهم بالقول بان حتى شهر رمضان المبارك لم يمنعهم من مواصلة تقديم خدماتهم بل كانوا يقدمون اليه شخصيا للتزلف البلاغات عن اقاربهم واصدقائهم ومعارفهم في داخل المسجد عقب صلاة التراويح مباشرة. هذه البلاغات كانت السبب في المآسي الكثيرة والمدمرة التي حلت بالمجتمع الليبي.

جولة مصورة من داخل متحف شتازي بالعاصمة الألمانية برلين :
إضغط هنا للأطلاع على الصور


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home