Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Ben Hmida


محمد بن احميدة

الأثنين 3 نوفمبر 2008

جارزون.. لك كل الإحترام

محمد بن احميدة

لم يطارد الأسباني بالتزار جارزون قاضي التحقيق في المحكمة العليا الأسبانية تُجار المخدرات وإرهابي إيتا وحسب وإنما إستطاع أيضا ان يصطاد أحد أكبر مجرمي عسكر الأرجنتين ريكاردو ميجويل كاريلو عندما تم بجهوده تسليم هذا المجرم للعدالة في مدريد يوم 28 يونيو 2003 أي بعد عشرين سنة من اندحار الديكتاتورية عن ذلك البلد. هذا القاضي الشجاع كان له الفضل أيضا في أن يزرع الرُعب في أحد القلوب الذي لم يعرف الرحمة حيث أصدر قبل عشر سنوات أمرا بالقبض على ديكتاتور تشيلي الدموي بينوشيه في منفاه بلندن.

وها هو الآن يدخل جارزون التاريخ مرة أخرى بإعلانه عن نيته لمحاكمة الجنرال الأسباني فرانكو وأربعون آخرون من زمرته الفاشية أي بعد ثلاثين عاما من موت الديكتاتور وسبعين عاما من إنقلابه. هذا الإعلان والذي هز أسبانيا جاء في وقت وأسبانيا الرسمية كأي دولة أخرى لها ما يكفيها من هموم والتي هي أبعد ما تكون عن إسترجاع ذكريات الماضي المرعبة.

بخلاف العديد من الدُول تخلت أسبانيا عندما تحولت من الديكتاتورية الى الديمقراطية عمدا عن معالجة ماضيها، حيث أعتبرت الى الآن الحديث عن الماضي أمرا شبه مُحرما. لقد سادت روح الهرب من تذكر مآسي الماضي حيث لقي أكثر من ستة مائة ألف شخص حتفهم على أيدي الجزار الجنرال فرانكو وكتائبه. عوضا عن ذلك دعت الديمقراطية الناشئة الى تجاوز الماضي دون تحريكه، فالمستقبل "يتطلب تآخي أعداء الأمس والسير معا قدما نحو الجديد" .

قد يعتقد البعض بأن هذا الطريق قد أفلح في ردم الميراث الدموي نهائيا، فأسبانيا اليوم مملكة راسخة ينعم سكانها بنظام ديمقراطي غاب عنهم لمدة اربعون عاما. رغم ذلك لم تفلح الوصفة الأسبانية في غلق الجُرح نهائيا الذي طال الروح الأسبانية، ولهذا جاء اعلان جارزون الجريء بلسما على ذلك الجُرح العميق.

لا أحد يستطيع أن يؤكد بأن محاولة جارزون لفتح قبور الماضي لن تصل الى طريق قضائي مسدود، فاليمين السياسي الأسباني أعلن بأنه سيقاوم بشراسة تلك المحاولة وعلل ذلك بأن جارزون لا يملك الشرعية القانونية وأن تلك الجرائم قد سقطت بالتقادم. رغم ذلك فإن جُل الأسبان ومعهم شعوب أخرى كثيرة إكتوت ولازالت تكتوي بنيران الإستبداد تتمنى أن لا يضيع هذا العمل الإخلاقي الرائع في الدهاليز القانونية الملتوية وأن ينجح جارزون في مسعاه الإنساني النبيل.

ان خطوة جارزون هذه هي درس للحالات المشابهة بأن الزمن لن يستطيع أبدا مداواة جروح الماضي ، فالأمر بالنسبة لعائلات الضحايا في اسبانيا ليس سيان فهي تريد ان تعرف مصائر أبائها وأجدادها، تريد أن تعرف لماذا وكيف قتلوا وتريد ان تعرف أين دفنوا، والشعب الأسباني أيضا يريد أن يعرف ماذا حل بابنائه وماذا حل بنخبه من العُلماء والكُتاب والمفكرين والشعراء ومن بينهم الشاعر الفد المشهور جارسيا لوركا والذي اختفى عام 1936.

نعم لقد مات الجنرال الفاشي فرانكو وأنتهى نظامه البشع الى غير رجعة ، إلا أن إعلان جارزون فتح باب التحقيق ليس من أجل الثأر وإنما من أجل الحاجة الماسة الى أخد العبر من الماضي البغيض والبحث عن الخلل في الذات الأسبانية والتي مكنت المجرم فرانكو من تنفيذ جرائمه البشعة. إن خطوة مثل هذه أصبحت في عالم اليوم ضرورة بل هي أحد شروط التحول من الديكتاتورية الى الدولة الديمقراطية.

على أسبانيا اليوم وعلى كافة المستويات ـ بعد فتح الباب على ذلك الغول البشع والذي كان قابعا وراء قناع المصالحة الوطنية ـ الإستفادة من هذه الفرصة الثمينة لمعالجة ماضيها. يجب أن لا تبقى هذه الخطوة مجرد دراما حزينة من اختصاص قاضي شُجاع ليس في نيته إصابة أسبانيا بجروح جديدة بل فتح قبور قديمة من اجل سد وبشكل نهائي جُرح وطنه الدائم.

محمد بن احميدة
mohamedbenhmeda@yahoo.de


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home