Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mohammed Berween
الكاتب الليبي محمد بالروين


د. محمد بالروين

الأحد 30 مايو 2010

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

من الإرث الدستوري
(3 من 4)

د. محمد بالروين

حاولت فى الجزء الاول من هذا المقال تسليط بعض الضوء على مفهوم الإرث الدستوري وأهميته فى التجربتين الامريكية والالمانية. وفى الجزء الثانى حاول تسليط بعض الضوء على التجربتين الفرنسية والايطالية. أما فى هذا الجزء فسأحاول نقاش التجربتين الاسبانية واليابانية.

(5) التجربة الاسبانية:

أسبانيا الحديتة أصبحت مملكة متحدة عام 1833 وإستمرت حتى عام 1931 عندما طالب الشعب الاسباني بتأسيس نظام جمهوري. وبالفعل تنازل الملك "الفونسو الثالث عشر"عن العرش وترك البلاد إستجابة لرغبة الجماهير التى كانت تطالب بذلك (للمزيد أنظر: نذى روويل, 2009). وبقيام الجمهورية (1931- 1939) ورفض الملكيين القوميين خيار الأكثرية دخلت البلاد فى حرب أهلية مُدمرة ذهب ضحيتها اكثر من 350000 مواطن من الطرفين.

ونتيجة لإنتصار الجنرال فرانكو فى الحرب الاهلية على القوى اليسارية والجمهورية قام بتعيين نفسه رئيسا للدولة الاسبانية الجديدة. وبالرغم من ان حكم فرانكو كان حكما دكتاتوريا وفاشيا الا انه كان مؤيدا من قِبل الملكيين والقوميين والجيش وايضا من قبل الكنيسة الكاثوليكية. ونتيجة لهذا التائيد قام فرانكو بمناصرة الكنيسة وأعاد لها دورها فى المجتمع وإرجع لها كل ممتلكاتها. ومن جهة آخرى قام فرانكو بمحاربة وطرد كل القوى اليسارية والاشتراكية والليبرالية فى البلاد.

اما عن موقف فرانكو من الملكية فكان موقف متردد وغير واضح. فمن جهة كان لا يُعارض وجود المملكة من حيت المبدا ولكن كان لا يرغب فى وجود ملك (أي قائد آخر فى هذا الشان) لمنافسته خلال مرحلة حكمة. وكان حله لهذه المشكلة هو إيجاد ما يمكن ان نطلق عليه بـــ "الفراغ الملكي"-- بمعنى إعترافه بوجود مملكة بدون ملك. وبمعني آخر لقد ترك فرانكو المؤسسات الملكية تستمر ولكن لا دور لها. وأستمر هذا الوضع الغريب الى عام 1947 عندما أعلن فرانكو ان أسبانيا دولة ملكية ولكن ذون ان يعلن من هو الملك. ونتيجة لهذ القرار أخد يتصرف فى الدولة وكأنه ملك غير مُتوج. ونظرا لانه كان يعلم بان حُكمه سوف ينتهى يوما ما فقد حاول (وخصوصا فى الايام الاخيرة من حكمه) بتقريب أحد أعضاء الاسرة المالكة له بشرط الا يكون الوريت الحقيقي للعرش السابق (للمزيد أنظر: فرانكلند , 2009 , ص 219). ونتيجة لذلك قام فرانكو فى عام 1969 بإختيار السيد "هوان كارلوس" وإعطاءه لقب ولي عهد أسبانيا بالرغم من انه ليس هو الوريث الحقيقي لعرش الملك السابق فى أسبانيا وايضا لا وجود للملكية من الناحية العملية. وقد قَبَلَ "هوان كارلوس" هذا القرار وقام بتاييد فرانكو تاييدا مطلقا وولاء كامل وغير مشروط. وعندما مات الدكتاتور فرانكو فى 22 نوفمبر 1975, إستلم ولى عهده الامير هوان كارلوس الامور ونصب نفسه ملك للبلاد.

وخلال عامين من تسلم هوان كارلوس السلطة وتنصيب نفسه ملك, وبالتحديد فى عام 1977 قام الشعب الاسبانى بإنتخاب أعضاء البرلمان وفى جلسته الاولى تحول البرلمان الى جمعية تأسيسية لإعداد الدستور الجديد. قامت الجمعية التأسيسية بانتخاب لجنة متخصصة من سبع أعضاء مهمتها الاساسية والوحيدة هى كتابة مسودة دستور تُعرض على الجمعية التأسيسية لمناقشتها والموافقة عليها. وبالفعل ثم الموافقة فى 31 اكتوبر 1978 على هذا الدستور الجديد من قبل الجمعية التأسيسية. وفى 6 ديسمبر من نفس العام ثم إعتماد هذا الدستور من قبل الشعب فى إستفتاء عام. وكانت الموافقة على الدستور الجديد من قبل الشعب بنسبة 58% وبدأ العمل به فى أول يناير 1979. وقام الدستور الجديد بأنشاء وتأسيس الدولة الاسبانية ذات النظام الملكي والحكم البرلماني. وأصبح الملك فيها "يملك ولا يحكم" ورمز للوحدة الاسبانية والقائد العام للقوات المسلحة.

وقد أعتبر الجيش الموالى لفرانكو ما قام به هوان كارلوس عملية إستلاء على السلطة وخيانة للسياسات التى كانت سائدة خلال حكم فرانكو. مما دفع بمجموعة من قيادات الجيش لمحاولة انقلاب فاشل يوم 21 فبراير 1982. ونتيجة لفشل هذه المحاولة ازدادت شعبية الملك والتفت حوله كل الجماهير بل وكل النخب السياسية بما فيها اليساريين والاشتراكيين. والحقيقة ان التاييد للملك لم يكن تأييدا له فى حد ذاته ولا تاييدا للنظام الملكي بل كان تخوفا من عودة الجيش للسلطة. وان هذا الخوف من عودة العسكر والقوى الاستبدادية للسلطة هو الذى دفع بالكثير من النخب والقيادات بما فيها الماركسية فى أسبانيا للوقوف مع الملك ورفع شعار "الله يحفظ الملك ... واليوم ... كلنا ملكيون."

(6) التجربة اليابانية:

لعله من المناسب هنا ان اُُذكر القاري بان الإرث الدستوري الياباني كان يشبه الى حد بعيد الإرث الدستوري البريطاني السائد اليوم. بمعني ان اليابان لم يكن لها دستور مكتوب فى وثيقة واحدة خلال تاريخها الطويل. وكانت كل القونين السائدة تقوم على اساس التقاليد والاعراف والمؤسسات التقليدية. وفى نفس الوقت الذى لا تزال فيه بريطانيا لا تملك دستور مكتوب حتى اليوم, نجد ان اليابان قد قامت بمحاولتين دستوريتين. كانت الاول عام 1889عندما جاء ما عُرف فى تاريخ اليابان بحركة الميجي الاصلاحية. وهى الحركة التى قامت بإستعادة الامبراطور الميجي, والثانية عام 1947 عندما ثم هزيمة اليابان فى الحرب العالمية الثانية.

لقد كان السبب الرئيسي لإسترجاع إمبراطور ميجي هو قدوم الاساطيل البحرية الامريكية ودخولها خليج "يادو" الياباني وإجبار الحكومة اليابانية على الانفتاح التجاري مع الولايات المتحدة. لقد قاد هذا العمل العدواني من قِبل الولايات المتحدة الى غضب شعبي عارم ودفع بمجموعة من ضباط الجيش الى الإستيلاء على السلطة يوم 3 يناير عام 1889. وكان نتيجة ذلك الحدت هو خُروج الجماهير الى الشوارع تُطالب بعودة الامبراطور وطرد البرابرة الاعداء. وبالفعل ثم إعادت الامبراطور وكان أول قرار أتخده هو الغاء النظام الاقطاعي فى البلاد وإعلان عهد جديد لمواجهة الغرب (للمزيد أنظر: بامر , 2006 , ص 223). ورفع الامبراطور الجديد شعار: "دولة غنية ... وجيش قوي." وكان قيادات حركة الميجي الاصلاحية يعتقدون بان الانظمة الاجتماعية والثقافية والسياسية اليابانية أسمى وأحسن لبلادهم من أي انظمة آخري (للمزيد أنظر: روسكن , 2004 , ص 346).

ومن هذه القناعة قاموا بكتابة دستور لإول مرة فى تاريخ اليابان الحديت. وكان الغرض الاساسي من كتابة هذا الدستور هو مجارات الدول الغربية فى ذلك العصر والإشادة بانها دولة منفتحة على العالم. ولقد أمر الامبراطور السيد "أتو هايوبوما" الذى كان على إطلاع على أغلب الدساتير الاوربية وخصوصا دستور الامبراطورية الالمانية بكتابة هذه الوثيقة. وقام بالفعل السيد هايوبوما بكتابة هذا الدستور وتقديمه على انه هدية من الامبراطور لشعبه الياباني (للمزيد أنظر: كورتس , 1997 , ص 232). وفى هذا الدستور كان للامبراطور حقوق شبه مطلقة وان حقوق المواطنين هذية من الامبراطور الذى هو فوق الجميع. بمعني آخر لقد قام هذا الدستور على فكرة ان الدولة لابد ان تكون سلطوية وتملك كل السلطات والنفود فى المجتمع. وان حقوق وواجبات المواطنيين ما هي الا مجرد هذايا تهديها الدولة لمواطنييها. والحقيقة انه بالرغم من ان للامبراطور حق إلغاء وتعديل الدستور إلا انه لم يقدم على ذلك بل بالعكس سمح بحرية تعدد الاحزاب وأنشاء نظام انتخابي فى البلاد (للمزيد أنظر: ماكورمك , 2004 , ص 140). وبحق يمكن إعتبار هذا الدستور المُؤسس والمُكون للدولة اليابانية الحديتة. وقد استمر هذا الدستور دون تغيير جوهري فيه حتى هزيمة اليابان فى الحرب العالمية الثانية وثم فرض دستور ثاني عام 1947 من قبل الولايات المتحدة الامريكية.

ومن العجيب حقا ان الدستور الذى فرضته امريكا على اليابان كان مُناقضا ومُضادا لكل أعراف وتقاليد ومؤسسات الدولة اليابانية التى اسسها دستور 1889. فلقد كان اليابانيون علي سبيل المثال يُألهون امبراطورهم ويعتبرونه من احفاد اله الشمس, وكانوا يعتبروا عشيرتة من عشائر اليابان المقدسة. ومن هذا الاعتقاد قرر اليابانون, خلال حركة التجديد الميجي إستخدام الشمس كشعار وكرمز فى علمهم تبركا بهذا الامبراطور. وبالرغم من كل ذلك فما ان وصل الجنرال الامريكى المنتصر "دقلس ماكارتي" ومساعدوه الى العاصمة اليابانية واستقروا فى احد المبانى المتبقية من الدمار الذى تركته الحرب حتى استدعى الجنرال الامبراطور وامره بان يعلن الهزيمة على الراديو. وبالفعل قام الامبراطور وقال قولته المشهورة عند اليابانيين: "لابد من اطاقة ... مالا يُطاق ... الاستسلام." وكان مفهوم الاستسلام فى الثقافة اليابانية هو أسوأ أنواع الاهانة والعار. وبعد ان قام الامبراطور بذلك أعلمه الجنرال بأنه سيتركه فى الحكم كامبروطور ولكن ليس "كإله حى." وسوف تكون وظيفته الجديدة هى اعتباره امبراطور "يملك ... ولا يحكم." وبعد ذلك أمر الجنرال أثنين من مساعديه بكتابة دستور جديد لليابان. وفى خلال مدة ست (6) أيام تم كتابة الدستور وفقا للنظام البرلماني البريطاني. ومن الطريف ان هذا الدستور الجديد لم يشارك فى كتابته احد من اليابانيين بل كتبه لهم عدوهم الذى لا يعرف تاريخهم وثقافتهم. وكان سبب تسرع الجنرال فى كتابة هذا الدستور هو تخوفه من قيام اليابانيين بالمطالبة بإعادة دستورهم القديم الذى كان سائدا قبل الحرب (للمزيد أنظر: روسكن , 2004 , ص 352). وقَبَلَ اليابانيون هذا الدستور بالرغم من انه كان يتناقض مع كل مباديهم وقيمهم وثقافتهم. ولعل أهم ما تضمنه هذا الدستور (أ) إستبدال النظام القائم على أساس الامبراطور بنظام معاكس له ثماما وذلك باستبدال مبدأ سيادة الامبراطور بمبدأ سيادة الشعب. (ب) إدانة الحروب ومنع اليابان من تأسيس جيش يحميها والقبول بان تقوم الولايات المتحدة بالدفاع عنها. (ج) منع اليابان من القيام باى سياسات عدائية نحو اى دولة. (د) اجبار الإمبراطور على التنازل على وظيفته كإله وكرمز للدولة ووحدة الشعب. و(هـ) القبول بالنظام البرلماني كاسلوب للحكم.

فى الجزء الرابع (وألآخير) من هذا المقال سوف أحاول باذن الله تسليط بعض الضوء على علاقة الإرث الدستورى بالمشروعية والدروس والعبر من هذه التجارب.

يتبع ... والله المستعان.

د. محمد بالروين
Berween@hotmail.com
_________________________

: المراجع

Michael G. Roskin (2004) “Countries and Concepts:
Politics, Geography, Culture.” New Jersey: Pearson Prentice-Hall

John McCormick (2001), “Comparative Politics in Transition.”
3/e. New York: Harcourt College Publishers.

John McCormick (2004), “Comparative Politics in Transition.”
4/e. New York: Thomson- Wadsworth.

E. Gene Frankland (2009) “Europe.” 10/e,
New York: McGraw – Hill, Higher Education

Monte Palmer (2006) “Comparative Politics:
Political Economy, Political Culture, and Political
Interdependence.” 3/e. United States: Thomson – Wadsworth.

M. Donald Hancock at el (1998) “Politics in Western Europe.”
2/e. New Jersey: Chatham House Publishers, Inc.

Michael Curtis (ed.) (1997), “Introduction to Comparative Politics.”
4/e, New York: Longman.

NettyRoyal: The Kingdom og Span (2009):
http://www.nettyroyal.nl/spain.html


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home