Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mohammed Berween
الكاتب الليبي محمد بالروين


د. محمد بالروين

الاثنين 17 مايو 2010

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

من الإرث الدستوري
(1 من 4)

د. محمد بالروين

لعل من أهم مكونات التاريخ السياسي لإي دولة هو مجموع التشريعاات الدستورية والاعراف والتقاليد السياسية والوثائق التاريخية والقوانين التى كانت جزء لا يتجزى من تكوينها عبر التاريخ. وعلية فان محاولة التأمل والتحليل فى الإرث الدستوري لأي مجتمع هو أمر مهم وضروري من أجل بناء أي دولة عصرية تسعي من أجل تكريم الانسان وسعادته. ولكي يمكن توظيف إرث الدولة التوظيف الصحيح لابد عليها أن تستفيد من تجارب الآخرين فى هذا الصدد. والحقيقة ان هناك العديد من الاسئلة التى يجب التعاطي معها فى هذا الشأن لعل من أهمها الاتي:
1. ماذا نعني بالإرث الدستوري؟
2. هل الإرث الدستوري مهم لبناء الدول؟
3. كيف تعاملت الدول الآخرى مع إرثها الدستوري؟
4. ماهى علاقة الإرث الدستوري بالمشروعية؟

أولا: معني الإرث الدستوري
بداية لعله من الجدير بالذكر هنا ان اُشير الى ان مصطلح الدستور بمعناه الحديت (أى بالمعني الذى نستخدمه اليوم) لم يكن مستخدما قبل القرن السابع عشر ميلادي. ولعل أول إستخدام لهذه الكلمة وفقا لقاموس أوكسفورد كان عام 1610 عندما قام الأسقف هوول (Hall Bishop) بتعريف هذا المصطلح (للمزيد أنظر: ماكوين, 1961, ص 25). وعليه فأن ما أقصده بالإرث الدستوري هو كل التجارب الدستورية التى عاشتها دولة ما سوى إن كانت هذه التجارب مكتوبة أم غير مكتوبة فهى جزء لا يتجزي من الإرث الدستوري لهذه الدولة. بمعنى آخر إن الإرث الدستوري يشمل كل ما تركه الاباء والاجداد سوى إن كان مُوصي به أم مجرد ثراث وثقافة, وسوى إن كان هذا الإرت فى هيئة دساتير أوقوانين أوأعراف أوتقاليد ساهمت فى بناء الدولة وتطور المجتمع.

ثانيا: أهمية الإرث الدستوري
وهنا قد يسأل سائل فيقول: لماذا يجب على كل شعب يريد ان ينهض ان يهتم بإرثه الدستوري؟ والحقيقة أن هناك دوافع عديدة وأسباب مختلفة قد تدفع شعب من الشعوب بالاهتمام ودراسة إرثه الدستوري لعل من أهمها: (1) إستفادة الانسان من تجارب الماضي وتعلمه ما يجب أن ياخد وما يجب ان يترك , وأيضا مساعدته علي أخد ماهو صالح وترك ما هو ضار. (2) التعرف على انواع الدساتير التى وجدت فى تاريخ الشعوب الآخري وأيضا الاعراف والتقاليد التى لعبت دور أساسى فى تكوين الدول. (3) تكوين وتطوير الثقافة الدستورية فى المجتمع. بمعني إن غياب الثقافية الدستورية فى اي مجتمع سوف يًعرض مواطنيه لعدم معرفة ماهى القيود القانونية التى يجب ان توضع على السلطات لكي لا تستبد وماهى مسؤوليات الحُكام أمام شعوبهم. بمعني آخر ان معرفة الإرث الدستوري يساعد المواطنيين على فهم أهم عنصرين للمشروعية الدستورية وهما (أ) القيود القانونية للسلطات حتى لا تستبد. و(ب) مسؤوليات الحُكام أمام شعوبهم. و(4) دراسة الإرث الدستوري يساعد مواطني البلد على معرفة وفهم دستورهم وغاياته وركائزة ويدفعهم للمحافضة عليه والإستعداد للدفاع عنه.

ثالثا: تجارب الآخرين مع إرثهم الدستوري
لعل من المناسب هنا ان أقوم بتلخيص ست تجارب دستورية فى ست دول معاصرة لنرى كيف ثم التعامل مع قضية المشروعية الدستورية وكيف ثم انتقالها من جيل الى جيل. وهذه الدول هى الولايات المتحدة الامريكية وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا واليابان. ويمكن تلخيص الاسباب الرئيسية وراء إختيار هذه العينة من الدول في الآتي: (أ) نجاح هذه الدول فى تعاملها مع إرثها الدستوري بالرغم من التحديات الصعبة التى واجهتها. (ب) قيام هذه الدول بتغيير دساتيرها اكثر من مرة. و(ج) إيماني بان الحكمة ضالة المؤمن فإن وجدها فهو أولي بها. وعليه فلابد أن ناخد أحسن ما عند الغير بما لا يتعارض مع قيمنا ومعتقداتنا ودون أن نخسر أحسن ما عندنا. ومن أهم القضايا التى سوف يرتكز عليها حديتي وبإختصار شديد هى قضية الإرث التاريخي للمشروعية الدستورية وكيف تعاملت هذه الشعوب مع دساتيرها المكتوبة والغير مكتوبة عبر التاريخ.

(1) تجربة الولايات المتحدة الامريكية
بعد إعلان المستعمرات الثلاثة عشر إنفصالها وإستقلالها من الهيمنة الانجليزية عام 1776 لم يكن هناك ما يجمع هذه المستعمرات الا مؤسسة واحدة للتنسيق فيما بينها عُرفت بـ "الكونقرس القاري (Continental Congress)." ونتيجة لضعف هذه المستعمرات والخوف من عودة الانجليز للسيطرة عليهم من جديد أخدت تسعى لإيجاد وسيلة تجمعهم وتوحدهم ضدّ عدوهم المشترك. وبالفعل إستطاعوا فى عام 1777 الإتفاق على أول وثيقة دستورية عُرفت بــ "البنود الثلاثة عشر للكوفدرالية."ولم يثم إعتماد هذه البنود الا فى عام 1781. أى بعد أربع سنوات من الجدال والاخد والعطاء. وبهذا الإثفاق ثم تأسيس وإنشاء ما يُعرف اليوم بالولايات المتحدة الامريكية. أى بعد خمس سنوات من إعلان إستقلال هذه المستعمرات. وتعتبر هذه الوثيقة هى أول دستور للولايات المتحدة الامريكية. بمعني هى الوثيقة المُنشئة والمُؤسسة للدولة. وبمعني آخر قبل هذه الوثيقة لم يكن هناك وجود لبلاد أسمها الولايات المتحدة الامريكية. ولعل من أهم بنود هذه الوثيقة: (أ) تساوي الولايات فى الثمتيل فى الكونقرس بغض النظرعن عدد السكان. (ب) رفض فكرة الثمتيل النسبي. (ج) منع الدولة من فرض ضرائب على المواطنيين. (د) السيادة العليا للولايات وليس للحكومة الكوفدرالية. (ه) منع الحكومة المركزية من تأسيس جيش إتحادي والاعتماد على ميليشيات الولايات فى الدفاع على الدولة الجديدة. (ر) لاوجود للسلطة القضائية المركزية والإعتماد على السلطات القضائية فى الولايات. و(و) لاوجود للسلطة التنفيدية ورفض فكرة وجود رئيس للدولة الاتحادية كماهو موجود اليوم (للمزيد أنظر: سدّلو وهنشن , 2000 , ص 30 -33).

وما ان ثم إعتماد هذا الدستور الجديد والعمل به حتى واجه الكثير من التحديات والصعوبات (وخصوصا الاقتصادية والمالية) التى قادت الي إرتفع الاصوات مرة آخرى مطالبة باجراء تعديلات عليه. وثم ذلك بالفعل عام 1787 - أى بعد حوالي سبع سنوات من إعتماده. ففى هذه السنة قامت النخب السياسية فى الولايات بالدعوة الى دراسة عيوب هذا الدستور ومحاولة مواجهة التحديات التى كانت تهدد الدولة الجديدة. وقد إستجابة لهذه الدعوة إثنى عشر ولاية من مجموعة الثلاثة عشر. وفى هذه السنة ثم إجتماع 55 ممثل لهذه الولايات فى مدينة "فاليدلفيا" لمدة طويلة بلغت الـــ 116 يوم (أي من مايو 25 الى سبتمبر 17 عام 1787). وكانت خلاصة هذا المؤتمر الاتفاق على دستور جديد مخالف تماما للدستور الذى إتفقوا علية سبع سنوات مضت. وثم إعتماد هذا الدستور الجديد بعد ثلاث سنوات من النقاش والجدال -- أى فى عام 1790. وبذلك فقد ثم إستبدال الدستور المُؤسس والمُنشىء لدولة الولايات المتحدة بدستور جديد ينص على نظام حُكم مناقض ثماما للنظام القديم. عليه يعتبر دستور 1790 هو الدستور الثاني والذى لا يزال يحكم الولايات المتحدة حتى هذا اليوم (للمزيد أنظر: باردس وآخرين , 2000 , ص 39 - 53 ). ومن هذا يمكن أن نستخلص بأن الإرث الدستوري الامريكي يتضمن الكثير من المكونات لعل من أهمها دساتير الولايات قبل وبعد دخولها فى الاتحاد, ووثيقة إعلان ألاستقلال , والدستور الكوفدرالي (أو ما عرف بــ البنود الثلاثة عشر للكوفدرالية, والدستور الاتحادي (أوالدستور الثاني) , و"وثيقة الحقوق", وما يعرف اليوم بـــ "الاوراق الفدرالية", وغيرها من الوثائق الدستورية الآخرى. ولعله من المهم هنا الإشارة الي حقيقة هامة بخصوص سّر إستمرار الدستور الثاني هذه المدة الطولية من الزمن وحتى الان. إن السبب الاساسي لإستمرارية هذة الوثيقة خلال الــــ 220 سنة (أى مند 1790 وحتى الان) هو ببساطة غموض مصطلحاتها وقابليتها للتعديل. والي جانب هذا كله توفرآليات عديدة رسمية (أى نص عليها الدستور) وأخري غير رسمية (أى لم ينص عليها الدستور صراحة) ساعدت علي إحدات تعديلات وتغييرات عديدة وجوهرية فى هدة الوثيقة (للمزيد راجع: دولبير وإدلمان , 1971 , ص 251)

وحيت إننى هنا لستُ بصدد شرح هدة الآليات , لعل ما يمكن قوله وبإختصار شديد فى هدا الصدد الآتي:
(1) فيما يتعلق بإلآليات الرسمية (Formal) لتعديل هذه الوثيقة هناك أربع آليات يمكن إستخدامها ونص عليها الدستور. وقد حاول الشعب الامريكي خلال الـــ 220 سنة الماضية إستخدام هذه الآليات الرسمية أكثر من 10,000 محاولة لتعديل هذه الوثيقة نجحوا في سبع وعشرين (27) مرة فقط (للمزيد أنظر: جاندا, 2008 , ص 81 - 82). و(2) الحقيقة أن كل دارس للدستور الامريكي يجد أن هذه الوثيقة قد ثم تعديلها مئات المرات الآخري (بالإضافة لــ 27 تعديل رسمي) بالاساليب الغير رسمية (Informal) وذلك عن طريق اللجؤ للمؤسسات الرئيسية فى الدولة وعلى وجه الخصوص المحكمة العليا والكونقرس ورئيس الدولة أو بالاعتماد على العادات والتقاليد السياسية التى تراكمت عبر التاريخ (للمزيد أنظر: قتز فاقرت , 1982 , ص 36 – 44). وعليه يمكن القول إن الغالبية العظمي من المصطلحات والمفاهيم التى تضمنتها هذه الوثيقة قد أصبح معناها اليوم يختلف عن المعني الذي كُتبت من أجله عند إعتماد الدستور عام 1790. هذا بالإضافة الي العديد من الآليات والمؤسسات السياسية التى ثم أضافتها بالرُغم من عدم وجودها في الدستور. فعلى سبيل المثال لا الحصر: (أ) إن كل متأمل فى أول عبارة كُتبت فى الدستور الامريكي والتى تقول"نحن الشعب," سيجد إن هذه العبارة عندما كُتب الدستور كان يقصد بها فقط الرجل الابيض (وليس المرأة) الذى له ممتلكات ومن الدين البروتستاني. هؤلاء فقط هم الذين عنتهم عبارة "نحن الشعب" وهم الذين كان لهم حق المشاركة السياسية فى النظام الجديد وكان يقدر عددهم حين ذاك بحوالى 10% (أي حوالي 100,000 مواطن) من مجموع عدد السكان. أما اليوم فإن عبارة "نحن الشعب" قد أصبحت تعني كل مواطن حتى لو تحصل على الجنسية بالامس وبغض النظر عن جنسه أوماله أودينه أولونه أوعمره أو أى شيء آخر. و(ب) إن الكثيرون اليوم لا يستطيعوا أن يتصوروا وجود النظام الامريكي الديمقراطي بدون الأحزاب السياسية , بل بعض المحللين السياسيين يدهبوا الي إشتراط وجود حزبين فقط لكي ينجح هذا النظام ويكون في الطليعة, بالرُغم من إن هذه الآلية في الحقيقة لم يذكرها الدستور الامريكي ولم تكن موجودة عند كتابه. والأطرف من هذا كله إن كل الذين شاركوا في إعداد وكتابة هذا الدستور كانوا مُجمعين علي خطرها وعدم إعتمادها كلآلية من آليات الحكم الناجح. فعلي سبيل المثال يقول تاموس جافرسون الرئيس الثالث للولايات المتحدة وكاتب وثيقة الإستقلال (1776) في وصفه للأحزاب السياسية وخطرها علي المجتمع "إذا لم أتمكن من الذهاب الي الجنة الاعن طريق الحزب , فلا إفضل الذهاب الي هناك علي الإطلاق." أما جيمس مادسون الرئيس الرابع والمعروف بأبوا الدستور الامريكي فيقول في وصف دور الاحزاب: "إن أعظم هدف للدستور هو المحافظة علي المصلحة العامة وحقوق الانسان من خطر الاحزاب" (للمزيد راجع: بارديز وآخرين , 2002 , ص 251). والسؤال هنا هو: كيف أصبح للاحزاب السياسية اليوم هذه المكانة المهمة والضرورية في النظام الامريكي؟ والإجابة وبإختصار شديد لقد أصبحت الاحزاب السياسية ضرورة وأداة دستورية لا بديل عنها نتيجة للتراكمات التاريخية وما أفرزته من العادات والتقاليد سياسية التى أصبحت جزء لا يتجزا من تركيبة النظام السياسي لهذه الدولة.

(2) التجربة الالمانية
لعله من المناسب عند الحديت عن الإرث الدستوري الالمانى المعاصر ان أبدا بقُدوم الزعيم بسمارك للسلطة وتأسيسه لما يُعرف فى التاريخ الالمانى بالامبرطورية الالمانية الثانية (1871 – 1918). وبذلك ثم إنشاء الدولة الالمانية المُوحدة بعد مئات السنين من الفرقة والتشردم. كانت هذه الامبراطورية دولة مركزية شبه مستبدة لها هدف وحيد هو توحيد الشعب الالماني والسعي الى تقدمه مهما كلف الثمن. لقد قامت هذه الامبراطورية بتطبيق سياسات "الحديد ... و ... الدم" التى كان يؤمن بها مستشارها بسمارك كوسيلة وحيدة لتوحيد الشعب. وبالفعل قامت هذه الامبراطورية بتوحيد كل الشعب الالماني تحت مظلة واحدة بعد ان كان منقسم الى دويلات صغير وضعيفة. وبتكوين وإنشاء هذه الامبرطورية إستطاعت ألمانيا التقدم صناعيا ومدنيا وثقافيا. وإستطاعت أيضا ان تُنافس كل الدول القوية حين ذاك وخصوصا فرنسا وبريطانيا. ولكن بالرغم من هذا التقدم الثقنني والصناعي إلا أن أساليبها فى الحكم لم تتغير وكان النظام الدستوري الجديد الذى أقامه بسمارك عام 1871 مُجرد نظام مركزي يتشارك فيه الامبراطور والمستشار فى السلطات التنفيدية وله نظام برلماني شبه مستقل.

وأستمر حكم هذه الامبرطورية حتى ثم هزيمتها فى الحرب العالمية الاولي (1914 – 1918) وثم إستبدالها بنظام جمهوري عُرف بجمهورية "وآيمر (Wiemar)" فى يناير من عام 1919. وكنتيجة لذلك قام الشعب الالماني بإختيار جمعية تاسيسية كان من مهامها إعداد دستور جديد للدولة. وما ان ثم إنتخاب أعضاء هذه الجمعية حتى ثم اجتماعهم فى مدينة "وآيمر" التى عُرف الدستور باسمها. لقد كان دستور جمهورية وآيمر (1919 – 1933) وبحق من أروع الدساتير فى تلك الفترة. فقد تضمن العديد من البنود التى لعل من أهمها تاسيس نظام برلماني يتم إنتخاب أعضائه من قبل الشعب وبالإسلوب المباشر ودون إقصاء لأحد. وان يتم إنتخاب رئيس الجمهورية بالإنتخابات المباشرة أيضا. وكان الغرض الاساسي من تأسيس هذا النظام الجديد بعد الحرب العالمية الاولي هو محاولة إقامة نظام سياسي يحول دون رجوع ظاهرة الاستبداد بالحكم فى المانيا. ولكن النتيجة هو إن هذا النظام المفتوح الذي أسسه هذا الدستور قد أصبح خلال مدة قصيرة جدا عاجزا عن إتخاد اى قرار مُهم وضروري وخصوصا فى فترة الازمات الاقتصادية التى واجهة البلاد وذلك لكثرة مراكز القوي وجماعات الضغط وتعدد الاحزاب السياسية وخصوصا الصغيرة منها مما أحال دون تشكيل حكومات قوية وفاعلة.

وإستمر هذا الوضع الغير مُستقر حتى قام رئيس المانيا فى يناير 1933 بالطلب من هتلر (الذى تحصل على 51% من مجموع الاصوات) بتشكيل الحكومة. وخلال شهرين من إستلام هتلر منصب المستشار قام حزبه بإصدار قانون يعطيه كل السلطات والصلاحيات فى البلاد. ونتيجة لذلك قام هتلر بالغاء البرلمان وتعطيل كل القوانين المتعلقة بالحريات وإعلن ما أسماه بالامبراطورية الثالثة (1933 – 1945). وأستمر هتلر فى الحكم حتى ثمت هزيمته على أيدى الحلفاء فى الحرب العالمية الثانية وأعلنت القوات النازية الاستسلام فى مايو 1945 (للمزيد أنظر: هانكوك, 1998, ص 220). ونتيجة إستسلام المانيا وإحتلالها من قِبل القوات المنتصرة تم تقسيمها الى دولتين (المانيا الغربية تحت سيطرت الحلفاء والمانيا الشرقية تحت سيطرت الاتحاد السوفيتي). وما ان إستلمت القوى المنتصرة المانيا حتى واجهت معضلة لم يكن من السهل التعامل معها: فمن جهة كانت تريد أن تسمح للمواطنيين المقيمين فى القسم الغربي من ألمانيا أن يحكموا انفسهم بإنفسهم وأن يصبحوا دولة ديمقراطية نموذجية واكثر تقدما وتطورا من ألمانيا الشرقية التى سيطر عليها الاتحاد السوفيتي. ومن جهة أخرى كانوا مُتخوفين من الشعب الالماني ومقدرتة على النهوض مرة آخرى. وفى النهاية إتفقوا على أن يكون النظام الجديد نظام ديمفراطي ضعيف واللامركزي بشرط الا يكون ضعيف جدا وعُرضة للإستبداد من جديد.

وعندم ثم كتابة الوثيقة لجمهورية المانيا الغربية لم يُطلق على هذه الوثيقة إسم الدستور وإنما أُطلق عليها اسم "القانون الاساسي." وذلك لان مٌصطلح الدستور كان يعني لمؤسسي هذا النظام الجديد وجود مجموعة من الترتيبات والقوانين الدائمة. ولأن المؤسسين للدولة الفدرالية الجديدة لا يُريدوا الاعتراف بالتقسيم لدولتهم ولهذا ثم الاتفاق على تسميته بالقانون الاساسي (للمزيد أنظر: ماير وآخرين, 1996, ص 198). والاطرف من هذا كله هو إن الذين ساهموا فى كتابة القانون الاساسي قد أصروا ايضا على أن تتضمن هذه الوثيقة الجديدة شرطين أساسيين: الشرط الاول ينص على انه يسمح لاي ولاية جديدة ترغب فى الانضمام ان تقدم مجرد طلب الي البرلمان من اجل ذلك. اما الشرط الثاني فينص على ان هذا القانون الاساسي سوف ينتهى مفعوله بمجرد إعتماد الشعب الألماني دستور جديد (للمزيد أنظر:هانكوك , 1998, 310 – 311).

وبالرغم من ان هذه الوثيقة (أوالقانون الاساسي) لم تفرض على الالمانيين إلا ان دول الحلفاء قد وضعت لهم خطوط حمراء وشروط لابد على النظام الاساسي ان يتظمنها. لعل من أهم هذه الشروط: (أ) أن يكون الحكم ديمقراطي برلماني (ب) ألا يتضمن هذا النظام اي منصب يتم إنتخابه من قبل كل ابناء الشعب ألالماني. (ج) التخلص من مؤسسة الجيش وأن تتبني ألمانيا سياسات خارجية مُسالمة. و(د) ان تقوم ألمانيا بتعويض كل الدول المتضررة من الحرب وخصوصا إسرائيل. بمعني آخر لقد كان القانون الاساسي هو إنعكاس للسياسات التى كانت ترغب الولايات المتحدة وحلفائها تحقيقها. وأستمر الحكم بهذه الوثيقة الى ان ثم إعلان وحدة ألمانيا فى 3 اكتوبر 1990. ولعله من المُلفت للنظر فى هذه التجربة أنه بالرُغم من إن القانون الاساسي الذي إعتمده الشعب فى المانيا الغربية عام 1949 قد تضمن الشرطين المذكورين أعلاه إلا أن القوى السياسية فى المانيا الموحدة لم تقبله كما هو. والجميل ان هذه القوى السياسية لم تتفق على نوع ومكونات دستورها الجديد إلا بعد فترة طويلة من النقاش والحوار والجدال شاركت فيها كل النخب السياسية والغير السياسية وأيضا الملايين من المواطنيين في كل أنحاء الوطن.

فى الجزء الثاني من هذا المقال باذن الله سوف أحاول تسليط بعض الضوء على التجربتين الفرنسية والايطالية.

يتبع ... والله المستعان.

د. محمد بالروين
Berween@hotmail.com
_________________________

المراجع :

Barbara Bardes, Mack C. Shelley, and Steffen W. Schmidt
(2000), 12/e. United States:
Wadsworth, an International Thomson Publishing Company.

M. Donald Hancock at el (1998) “Politics in Western Europe.”
2/e. New Jersey: Chatham House Publishers, Inc.

Robert S. Getz and Frank B. Feigert (1982)
“The Politics and Process of American Government.”
Boston: Allyn and Bacon, Inc. pp. 36 -- 44

Kenneth Janda, at el (2008) “The Challenge of Democracy:
Government in American” 9/e, New York: Houghton Mifflin Company

John McCormick (2001), “Comparative Politics in Transition.”
3/e. New York: Harcourt College Publishers.

Charles Howard Mcllwain (1961), “Constitutionalism:
Ancient & Modern.” New York: Great Seal Books

Edward Sidlow and Beth Henschen (2000), “America at Odds.” 2/e,
United States: Wadsworth, An International Thomson Publishing Company.

Kenneth M. Dolneare and Murry J. Edelman (1971)
“American Politics: Policies, Power, and Change.”
Massachusetts: D.C. Heath and Company.

Barbara A. Bardes, et al (2002)
“American Government and Politics today: The Essentials.
2002-2003 Edition, United States:
Wadsworth, Thomson Learning


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home