Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mohammed Berween
الكاتب الليبي محمد بالروين


د. محمد بالروين

الجمعة 10 يوليو 2009

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

أسلمة الديمقراطية :
المتطلبات السياسية للديمقراطية في العالم الإسلامي
(2 من 4)

د. محمد بالروين

حاولت فى الجزء الاول من هذا المقال تسليط بعض الضوء على المشكلة المفاهيمية للديمقراطية والتحول الديمقراطى. وايضا التحدى الاول الذى يواجه عملية أسلمة الديمقراطية فى الدول الاسلامية. وفى هذا الجزء سأحاول تسليط بعض الضوء على تحدى إقامة الدولة الدستورية.

(2) إقامة الدولة الدستورية:
أما التحدي الثاني الذي يواجه الدول الاسلامية فى عملية أسلمة الديمقراطية هو كيفية إقامة الحكم الدستوري على أساس الشريعة الإسلامية وسيادة القانون. ان النظام الدستوري فى مفهومة العام هو الذي يقوم على أساس تنظيم الحكومة وتصنيف سلطاتها وتحديد نطاقها ووصف العمليات القانونية الواجب إتباعها لحماية الأفراد فيما اذا تجاوزت الحكومة سلطتها. ومن أجل ان يتحقق هذا فى الدول الإسلامية يجب أن تشتمل دساتيرها على الاقل المبادى التالية:

(أ) سموالشريعة ... وسيادة القانون:
الحقيقة التى لا مراء فيها انه في الدول الاسلامية لن يكون هناك بديل عن الاعتماد على الشريعة الإسلامية في سن القوانين. ومفهوم الشريعة هنا يشمل كل المبادئ والقيم الأساسية للإسلام. بمعنى هى كل الاحكام المنصوص عليها فى القران الكريم والثابتة فى السنة النبوية. وما أعنيه بسمو الشريعة هو أن جميع القوانين التي تصدرها الحكومة وفروعها فى الدولة يجب ألا تتعارض مع هذه المبادئ والقيم الأساسية. بمعنى لابد ان تكون قواعد الشريعة هى أعلى مرجعية لكل القواعد القانونية فى الدولة ولا يجوز للتشريعات التى يسنها البرلمان أوالاجراءات التى يقوم بها الرئيس ان تكون مخالفة لها. وبمعنى ان كل القوانين والاجراءات التى لم يثبت انها تخالف الشريعة يجب إحترامها وقبولها ولا أحد يعلوا عليها. وبمعنى آخر يحق للشعب ان يختار ما يراه مناسبا له وما تقتضية مصلحة الوطن من آليات وقوانين وسياسات وإجراءات بشرط الا تتعارض مع أحكام القران والثابت من السنة النبوية.

وهنا لابد من الاشارة الى أن من أهم ما يميز الحكم فى الإسلام عن الديمقراطية الغربية ليست أن هذه الأخيرة تقوم على أساس مفهوم السيادة الشعبية التي تضع السلطة السياسية في ايدي الشعب، بل هو في فهم العلاقة بين الدين والدولة. وعليه فلعلنا نتفق بانه لايمكن أن يكون هناك فصل كامل بين الدين والدولة في أي مجتمع. والحقيقة انه حتى فى الديمقراطيات الغربية اليوم لايوجد فصل كامل بينهما. ففي الولايات المتحدةعلى سبيل المثال نجد إن: "مجلس النواب قد قرار بالاجماع أن يكون شعاره " ثقتنا ... بالله"وقد قرر ايضا ان يوضع هذا الشعار خلف رئيس المجلس"(راجع: ستيفنسون، 1992، ص 109). والى جانب هذا وافق الكونقرس على ان يُكتب هذا الشعارعلى العملة الرسمية الامريكية "الدولار." وفى كل من مجلسي الكونغرس (النواب والشيوخ) في الولايات المتحدة أيضا يقوم القساوسة ورجال الدين بالدعاء وطلب المساعدة من الله فى بداية كل جلسة يومية. ومن جهة آخرى نجد ان القََسم القانونى لإستِلام أى منصب رفيع فى أمريكا يتظمن عبارة "... حتى يساعدني الله." وأيضا يشترط العرف السياسى فى أمريكى ان يَستخدام كل مسؤول سياسى الكتاب المقدس وان يضع يده اليمنى عليه عند أداء القََسم القانونى. والمحكمة العليا الامريكية مند عام 1800 وهى تبدأ جلساتها بالدعاء لله ان "يحمى الولايات المتحدة ... وهذه المحكمة المحترمة. "وبالاضافة الى هذا كله نجد ان كل من يقرأ او يستمع الى النشيد الوطنى (أوتحية الولاء) لدولة الولايات المتحدة الامريكية يجد انه ينتهي بالتأكيد على ضرورة الافتخار بأن أمريكا هى "اأمة واحدة .. تحت رعاية الله."

والى جانب مفهوم سمو الشريعة فان فكرة الحكم الدستوري لأسلمة الديمقراطية تتطلب أيضا سيادة وحكم القانون. وهذا يعنى ضرورة تنفيد كل ما نص عليه الدستور وكل القوانين والاجراءات التى ثم تشريعها من قبل تادولة. وهذا يستلزم ايضا ضرورة تطبيق مبدا المساواة أمام القانون. بمعنى إخضاع كل المواطنين في الدولة بغض النظرعن مكانتهم السياسية أوالاقتصادية أوالاجتماعية لقوانين الدولة ومعاملتهم بالتساوى. وبإختصار شديد يمكن القول بان أسلمة الديمقراطية سوف تتحقق فى هذا الجانب عندما: (أ) يسود حكم القانون وتقوم الدولة على أساس "حكم القانون ... لا حكم الرجال." (ب) عندما يحترم الجميع قوانين الدولة مهما إختلفوا معها. (ج) عندما يؤمن الجميع بان الآليات الدستورية هى الآليات الوحيدة التى يجب إستخدامها لتغيير ما يعتقد المواطن انه يتعارض مع ما يؤمن به. و(د) عندما يكون الشعار السائد هو: "لا إجتهاد مع النص ... ولكن ... يمكن الاجتهاد فى فهم النص."

(ب) مبدأ الفصل بين السلطات:
بالإضافة إلى وجود الدستور والرقابة الشعبية على الحكومة وحق حرية الاختيار تحتاج الدول الاسلامية الى ضرورة تطبيق مبدأالفصل بين السلطات. يقول جيمس ماديسون, المهندس الرئيسي لمبدا فصل السلطات ونظام المراقبة والتوازنات فى النظام الامريكى (في الاتحادية رقم 51) بان هناك اثنين من الأخطار الرئيسية التي تهدد الحرية (أ) "الاحزاب أومجموعات المصالح" الذين يبحثون عن مصالحهم الخاصة على حساب المصلحة العامة. و(ب) التركيزالمفرط للسلطة السياسية. وكان الحل الذي إقترحه ماديسون للتعامل مع هذه الاخطارهو قيام حكوم وطنية قوية تقوم على أساس الفصل بين السلطات وتسعى لتحقيق المراقبة والتوازين بينها (تاناهل وبديشك 1988, ص 46 –47 ).

ان مبدا الفصل بين السلطات يعنى بإختصار شديد القيام بتوزيع السلطات بين فروع الحكومة الثلاثة: التشريعية والتنفيذية والقضائية. فالسلطة التشريعية تقوم بسن القوانين، والسلطة التنفيذية تقوم بتطبيق وتنفيد القوانين، ووظيفة السلطة القضائية هو تفسير (أوالتمسك) بالقوانين. وبمعنى آخر يقوم هذا المبدأ على أساس أن هناك ثلاث مجموعات منفصلة من المسئولين هم: (أ) المشرعون وهؤلاء هم الذين من حقهم صنع القرارات والقوانين وفقاً للدستور. (ب) المنفذون وهؤلاء هم الذين يقومون بتسيير الدولة وتنفيذ القوانين التى أصدرها المجلس التشريعى. (ج) المفسرون وهؤلاء هم الذين يملكون حق تفسير القوانين وإلغاء كل ما هوغير دستورى.

ولعل السبب الرئيسى وراء تبنى هذا النظام هو توفير الحماية من الاستبداد السياسي وعدم وجود فرع واحد من الحكومة يحمل قدرا كبيرا من السلطة. وايضا من أجل الحدّ من مخاطر ان فرع واحد قد يعمل على نحو مستقل مما يقود الى إساءة استعمال السلطة. وذلك لان الحرية هى فى العادة أول ضحايا تركيز السلطات فى يد شخص واحد. أوكما وصفها السيد جيمس ماديسون عندما قال: "لا يمكن أن تكون هناك حرية كاملة فى نظام به السلطات التشريعية والتنفيذية متحدان في نفس الشخص [أو] إذا كانت السلطة القضائية لا يمكن فصلها عن السلطتين التشريعية والتنفيذية."(لووى وجينسبيرج، 1992، ص 88). وعليه فيجب أن تكون السلطات الثلاث مستقلة عن بعضها البعض. ولكن لكى يتم العمل بهذا المبدأ بنجاح لابد لهذه السلطات أن تتعاون مع بعضها البعض. ولكى يتم ذلك لابد أن يقترن بهذا المبدأ مبدأ آخر يعرف بــ "مبدأ المراقبة والتوازن."

(ج) مبدأ المراقبة والتوازن:
إذا سلما بأنه لابد من الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية. فلابد من التأكد بأن هذا الفصل يقودنا فى النهاية إلى الاهداف المنشودة. ولكى يكون هذا الفصل بين السلطات مُثمراً وفعالاً لابد أن يقوم على مبدأ "الاتزان وإمكانية المراقبة" لهذه السلطات على بعضها البعض. وبمعنى آخر ان حق المراقبة والتوازن يعنى إعطاء كل سلطة من السلطات الثلاث بعض الوسائل السياسية التى تمكنها من مراقبة السلطتين الآخرين بغرض تحقيق التوازن بينهما. وهذا يعطى لكل سلطة حق رفض بعض أعمال (أوقرارات) السلطات الأخرى. فهذا المبدأ يعنى توفر مجموعة من الآليات والوسائل التى يتم من خلالها تحقيق المراقبة بين هذه السلطات وذلك من أجل تحقيق التوازن بينها. ولعل من أهم هذه الآليات والوسائل الآتى: (1) إعطاء "حق النقد" للرئيس على كل قرار يصدر من المجلس التشريعى، وفى نفس الوقت إعطاء المجلس حق إلغاء "حق النقد" إذا وافق أعضاء المجلس بأغلبية الثلثين. (2) يحق للرئيس ترشيح القضاة ولكن لا يتم تعينهم إلا إذا وافق المجلس بأغلبية أعضائه على ذلك. (3) يحق للرئيس أن يعقد اتفاقيات مع دول أخرى ولكن لابد من موافقة المجلس التشريعى عليها لكى تصبح سارية المفعول. (4) يحق للرئيس دعوة المجلس التشريعى لمناقشة قضايا عاجلة ومهمة لتسيير شئون الدولة. (5) يحق للمجلس التشريعى أدانه (اتهام رسمى) الرئيس إذا خالف القانون. ولكن لا يمكن تنحيته من منصبه إلا إذا وافق الشعب فى استفتاء عام على ذلك بأغلبية ثلثى الأصوات. (6) يحق للمجلس التشريعى المراقبة والإشراف على كل أعمال الدولة. (7) يحق للمجلس التحقيق فى سوء الإدارة وكل التصرفات غير القانونية من قبل مسئولى الدولة. (8) يحق للمجلس اتخاذ قرارات (أوإصدار قوانين) رغم معارضة الرئيس. (9) يحق للمجلس إدانة وتنحية القضاة الذين يخلون بشروط ومُتطلبات القضاء فى الدولة وبشرط أن يتم ذلك بالأساليب التى يحددها القانون. و(10) يحق للسلطة القضائية إلغاء أى قانون إذا رأت بأن هذا القانون غير دستورى (للمزيد راجع: بالروين, 2006).

وإلى جانب هذا الآليات هناك أساليب ومراكز قوى سياسية أخرى يمكن من خلالها مراقبة هذه السلطات الثلاث مثل: الأعلام الحر والأحزاب السياسية والنقابات المهنية والمؤسسات الاجتماعية وقوى الضغط السياسية الأخرى فى المجتمع. هذا كما يمكن تحقيق الفصل بين السلطات من جهة وتحقيق مبدأ المراقبة والتوازن من جهة أخرى عن طريق الفصل بين الفترات الانتخابية (كأن تكون فترة عضو مجلس التشريع أربع سنوات، ومدة السلطة التنفيذية خمس سنوات، ومدة القضاة عشر سنة). هذا الفصل الزمنى ما بين السلطات الثلاث سيمنع أى مجموعة سياسية من السيطرة على كل شئون الدولة ببساطة نتيجة لظروف زمنية طارئة.

(د) مبدأ التداول على السلطة:
ولكى يثم تحقيق عملية أسلمة الديمقراطية بنجاح لابد ان يتضمن دستورها مبدأ التداول السلمى على السلطة والايمان بالشعار الذى رفعه المسلمون فى الاندلس من قبل والذى يقول "لو دامت لغيرك ... ما وصلت اليك." فمن المؤسف حقا ان هذا المبدا لاوجود له اليوم فى الاغلبية العظمى من الدول الاسلامية. وان الوسيلتين الوحيدتين لتداول السلطة فى هذه الدول هى أما الموت الطبيعى أوالانقلاب العسكرى. والحقيقة التى لا جدال فيها عند كل العقلاء ان تبنى هذا المبدا ليس لانه ضرورة من ضرورات الحياة السياسية المعاصرة فقط ولكن لانه أيضا شرط من شروط التخلص من ظواهر الاستبداد المنتشرة فى كل الدول الاسلامية اليوم. وايضا لان كل مراكز القرار فى هذه الدول قد سيطرعليها أُناس أنانيون وغير مؤهلون لإدارة أى شى.

وما أعنيه هنا بمبدأ التداول السلمى للسلطة هو وجود آلية أوآليات دستورية تتيح الفرصة للشعب ان يُبقى المسؤولين فى مناصبهم أويقرر إستبدالهم بآخرين أحسن منهم. وهذا المبدا يعنى انه لا يجوز لأى فرد ولا جماعة ولا حزب مهما كانت قوته اومكانته ان يبقى فى السلطة مدة أطول مما حددها القانون إلا اذا قام الشعب بإعادة إنتخابة مرة أُخرى فى إنتخابات حرة ومفتوحة ودورية. وهذا المبدأ يعنى بإختصار شديد: (أ) إن السلطة قابلة للتداول بين كل ابناء الشعب وهى مفتوحة لكل من يعتقد انه أهل لها. (ب) أن يكون هذا التداول على السلطة بالاساليب والآليات السلمية التى ينص عليها ويحددها الدستور. و(ج) ان تبنى هذا المبدا سوف يتيح الفرصة لكل جيل ان يحكم نفسه بنفسه.

(هـ) مبدأ حكم الأغلبية وحقوق الأقلية:
ببساطة يمكن القول ان مبدأ حكم الأغلبية يقوم على أساس أن الأكثرية فى المجتمع تملك حق اختيار المسئولين وتقرير السياسات العامة فى البلاد. ففى كل الدول المعاصرة يتم اتخاذ القرارات عن طريق الأغلبية. بمعنى عندما يختلف المواطنون حول شىء ما تكون السيادة فى العادة لقرار الأغلبية وما تعتقدة صوابا. والأغلبية هنا يجب أن تتخذ قراراتها وفقاً للدستور وقوانين الدولة. وفى نفس الوقت عليها إن تحمي مصالح وحقوق الأقليات. وهنا لابد من الاشارة الى ان الحفاظ على حقوق الأقلية لا يعني ان سياسات الأقلية يجب أن تكون مقبولة من قِبل الأغلبية. وانما تعنى ان الحكومة لابد ان تضمن للأقلية حرياتها الأساسية وحقها فى الاعتراض. بمعنى آخر إذا أردنا ان نبنى مجتمع عادل يُحترم فيه كل المواطنين فلابد أن يكون لحكم الأغلبية حدود وضوابط يحددها الدستور. ولعل من أهم هذه الحقوق هو احترام وقداسة حقوق الأقليات الدينية والثقافية واللغوية. ومن جهة أخرى، يجب على الأقليات فى الدولة الالتزام بالقوانين التى تصدرعن حكم الأغلبية ولكن ليس شرطاً أن تقتنع هذه الأقليات بأن هذا القانون صحيحاً وصائباً. وهذا يعنى بأن الولاء لكل من الأغلبية والأقلية فى المجتمع هو للنظام والقوانين والإجراءات الدستورية فى الدولة وليس للجماعة التى ينتمى لها الفرد.

فى الجزء الثالث من هذا المقال باذن الله سوف أحاول تسليط بعض الضوء على التحديات الاتية:
خلق المنافسة الحرة, بناء مؤسسات قوية, حل ازمة القيادة السياسية, وتجريد السياسة من العسكر.

يتبع ... والله المستعان .

د. محمد بالروين
berween@hotmail.com

________________________________________________

المراجع : محمد بالروين: "الدستورية: مطلب جماهيرى وضرورة عصرية"
ليبيا المستقبل: 12/23/2006
http://www.tamiu.edu/~mbenruwin/Future_Distoor_what_o07.htm

Lowi, Theodore J. And Benjamin Ginsberg (1992),
“American Government: Freedom and Power.”
W.W. Norton and Company, New York.

Stephenson, Grier, Robert J. Bresler, Robert J. Friedroch,
and Joseph J. Karlesky (1992), “American Government.”
2/e, New York: Harper Collins Publishers.

Tannahill, Neal and Wendell M. Bedichek (1988),
“American Government: Policy and Politics.”


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home