Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohamed Esseid
الكاتب الليبي محمد الصيد

السبت 17 يناير 2009

لا عـزة للعـرب بدون راية الإسلام

محمد الصيد

لم يكن للعرب شأن أو تأثير واسع قبل الإسلام . بل كانوا قبائل بدوية رعوية تتسم بالجهل والتطاحن لأبسط الأسباب وقد يستمر الصراع بينها لعقود بناءًا على تلك الأسباب مثلما حدث في حرب داحس والغبراء وحرب البسوس . كل من الحربين دام أربعين عاما وكانت الأولى بسبب سباق بين حصان إسمه داحس وفرس إسمها الغبراء ، أما الحرب الثانية فكانت لأجل الثأر لمقـتل رجل من قبيلة تغلب على يد رجل من قبيلة بكر . حتى اليهود الذين قطنوا مناطق العرب في ذلك الوقت كانوا ينظرون لهذه القبائل نظرة ترفع بسبب جهلها وتكبر اليهود بإعـتبارهم أهل كتاب وأنهم أفضل منهم . بالرغم من ذلك كان العرب ينظرون لليهود باحترام على أنهم أهل علم وكتاب ( أي التوراة) . وعلى ما كان فيهم من جاهلية فقد كان منهم أيضا أهل كرم وأهل شعر ونثر . وعلى ما في ذلك من حسن ، لم يكن كافيا لرفع راية العرب بين الأمم بسبب جهلها أساسا .

عندما أسلمت القبائل العربية واتحدت مع بعضها ومع من دخل في الإسلام من العجم ، تمكن المسلمون من بسط النفوذ على أمم أخرى تحت راية التوحيد وكان لهم المثـل الأعلى في التسامح وطلب العلم ونشره وتطويره . لا زلت أذكر في زيارة لي إلى جزيرة مالطا منذ عدة سنوات حيث ذهبت إلى أحد الأماكن السياحية في مدينة فاليتا يعرض فيلما وثائقيا عن تاريخ الجزيرة . لقد سرني ما ذكره المعلق من محاسن الفاتحين المسلمين على الجزيرة وتأثيرهم الإيجابي بالمقارنة مع من سبقهم من فرسان القديس يوحنا الذين نكلوا بأهل البلاد في حين أن المسلمون عاملوهم باحترام وقاموا بتعليمهم طرق جديدة للري . لم تكن الململة التي سمعـتها في ذلك الوقت من بعض الجالسين خافية حيث كان أكثرهم من السواح الأوروبيين الذين يكـنون التعصب والإنكار ضد الإسلام وبشكل عـنصري .

إن حال العرب اليوم هو تعبير عن التدهور الذي رجعنا إليه بسبب تهاون الأفراد والقادة في التمسك بتعاليم الدين الحنيف والإخلاص لكلمة التوحيد فأصبح الهم الأساسي للكثير هو الكسب المادي وكسب المراكز النفوذية والمناصب ولو على حساب القيم والمبادىء الدينية . لقد تأثر وانبهر الكثيرون بالتقدم التكنولوجي والإنتصارات الحربية للدول الغربية . بالإضافة إلى ذلك تدنى إهتمام المسؤولين وعامة الناس بالثقافة والإستزادة من العلم . لذلك نشهد اليوم ومنذ زمن التدهور في قدرة العرب على التأثير في مجريات الأمور الدولية وبخاصة ما يمسهم مباشرة وعلى رأس القائمة قضية فلسطين . أي أننا نحاكي اليوم حال العرب أيام الجاهلية بما في ذلك التطاحن بين الدول العربية واستهزاء اليهود بالدول العربية ونظرة التميز التي ينظر بها العرب لإسرائيل . ما أشبه اليوم بتلك السنين الغابرة وحقا أن التاريخ يتكرر . لن نخرج من هذا الوضع المزري إلا بالإتجاه إلى التمسك براية التوحيد وما تدعـو إليه من الأخذ بأسباب العلم وبذل الجهد في سبيل إحقاق الحق على جميع المستويات مع الإلتزام بمكارم الإخلاق .

من جهة أخرى ، فإن المتكلمين بإسم الإسلام كثيرا ما يتخذون مواقف متصلبة تـُـنـفـر المسلمين وغير المسلمين مما يتطرفون إليه ونراهم غير قادرين على ترجمة المنهجية الوسطية التي إتسم بها الإسلام في تعامله مع المسلمين وغير المسلمين . لعل هذا التطرف يـُعبر عن حالة الإحباط التي يشعر بها الكثيرون من دعاة هذا الإتجاه بسبب عدم تمكن الوسطية من أن يكون لها نفوذ أو تأثير بارز . لا شك أن القوى التي تعمل بجهد لمحاربة الإسلام والمسلمين من الداخل لا تسمح لأي نفوذ يتعارض مع مصالحها بأن ينمو ويزدهر فيوقفونه إما بقـتل قادته أو سجنهم أو التشهير بهم وتغييرهم بآخرين يوالونهم فيما يخدم مصالحهم . على سبيل المثال في التاريخ المعاصر أنظر ما حدث ويحدث في الصومال بعد أن تمكنت المحاكم الإسلامية من بسط الأمن والطمأنينة في البلاد إجتهد أعداء الإسلام في التخطيط للإطاحة بهذا النظام ومازال التطاحن مستمرا . كذلك ما حدث في الجزائر عندما كادت الأحزاب الإسلامية أن تكسب الإنتخابات بإمتياز ، قامت الدول الغربية وعلى رأسها فرنسا بإحباط هذا التغيير وبشكل أدى إلى قـتل أعداد كبيرة من الجزائريين وبشكل بشع . أما الباكستان فقد عملت الدول الغربية على إحباط تطوير قدراتها النووية ومازالت تعمل على تحييدها ناهيك عن العداء القائم ضد إيران . وما الهجمة على غزة إلا إستمرار لهذا التوجه لضرب أي فرصة لعودة النفوذ السياسي للإسلام . وما الحرب ضد حزب الله عنا ببعيد . بهذا فإن القوى المتآمرة على الإسلام تعمل على دفع العرب عن جادة الوسطية إما إلى التطرف (كما هو حال الإسلاميون الذين يرفعون شعارات التفجير والقـتل بسبب شعورهم بالإحباط من ضعف فعالية الوسطية في الدفاع عن حقوق المسلمين) أو إلى التفريط (كما هو حال معظم القادة العرب الذين يهتمون أساسا بالحفاظ على كراسيهم ومصالحهم المادية ) .

كيف وصل العرب إلى هذا الوضع؟

لقد قامت آخر إمبراطورية إسلامية على يد مسلم غير عربي وهو السلطان عثمان من أناضوليا الذي أسس الدولة العثمانية والتي إستمر نفوذها من عام 1300 إلى 1922 . لقد تمكن من إنهاء الإمبراطورية البيزنطية عام 1453 والتي إستمر نفوذها زهاء ألف سنة قبل ذلك والتي كانت إمتدادا للإمبراطورية الرومانية . لقد وصل نفوذ الإمبراطورية العثمانية إلى قمته في الحقبة من عام 1500 إلى 1700 حيث شمل معظم الدول العربية بما في ذلك الجزيرة العربية وشمال أفريقيا وسوريا وإيران وجنوب شرق أوروبا . ثم بدأت بالإنحسار إبتداءًا من ذلك العام 1700. في بداية الحرب العالمية الأولى سنة 1914 ، كانت الدولة العثمانية تسيطر على الأراضي التركية وأجزاء من جنوب غرب أسيا (بما في ذلك الجزيرة العربية ) وجزء من البلقان . أما ليبيا فقد دخلت تحت نفوذ الدولة العثمانية عام 1551 وضمت مناطق طرابلس وبرقة وفزان إليها واستمر حتى حلول الإحتلال الإيطالي سنة 1911.

لقد كانت بريطانيا وراء الترويج لفكرة القومية العربية لتأليب العرب حتى يثوروا على العثمانيين (المسلمين) رغبة منهم في السيطرة على طرق التجارة إلى الهند واستهداف القضاء على النفوذ الإسلامي . لقد قامت بمساندة الشريف حسين في الجزيرة العربية حتى إنتصر على "الأتراك" العثمانيين إبان الحرب العالمية الأولى . ما أن بدأ الشريف حسين يسعى إلى توحيد الجزيرة مع مناطق العراق والشام حتى شعرت بريطانيا بالتهديد لمصالحها من قيام دولة موحدة قوية فقامت بنصرة إبن سعود ضد الشريف حسين وهكذا قامت المملكة السعودية تحت النفوذ المباشر لبريطانيا وكذلك الأردن والعراق ودول أخرى في الجزيرة . أما فلسطين فقد بقيت تحت الإنتداب البريطاني المباشر حتى "سلمتها" للصهاينة سنتي 1947 / 1948 تحت تأثيرات دولية ساهمت فيها الأمم المتحدة وبسبب التعاطف مع أحوال اليهود إبان الحرب العالمية الثانية وتنكيل هتلر بهم . لقد لعب البريطانيون دورا مزدوجا في قضية فلسطين حيث وعدوا العرب بتسليمهم المنطقة ، وفي الخفاء كانوا يعِدون اليهود بجعلها موطنا لهم إمتدادا لوعد بلفور سنة 1917. لقد رفض العرب التقسيم الذي أقرته الأمم المتحدة وقرروا تحرير فلسطين بالقوة . بعد إنتصار مبدئي للجيوش العربية تدخلت الدول الغربية لتمييع الإنتصار وخذلان العرب . مازالت آثار ذلك الخذلان ظاهرة إلى يومنا هذا .

إن فكرة القومية العربية هى فكرة حرض عليها الغرب وتم الترويج لها لخدمة مصالح بريطانيا وحلافائها في المنطقة . لهذا السبب ، وكما أثبتت الأيام ، فإن هذه الفكرة فشلت فشلا تاما في تحقيق أي نفوذ أو احترام للدول العربية على المستوى الدولي وماتزال هذه الدول غير قادرة على الوقوف لمنع الظلم الصارخ الذي وقع ومايزال ينهال على الفلسطينيين وبشكل متوحش ولا إنساني . بالرغم من الدور الريادي الذي قام به عبد الناصر في نصرة القضية والإستقلال عن النفوذ الغربي المباشر ، لم يتمكن من تحقيق النصر بسبب نفوذ الغرب على باقي الدول وبسبب سوء تدبير بعض القادة الرئيسيين وعلى رأسهم المشير عبد الحكيم عامر ، قائد عام القوات المصرية ، الذي كان أحد أهم أسباب نكبة 1967 . بعد وفاة عبد الناصر قام السادات بإعادة مصر للنفوذ الغربي وذلك بطرد الروس من البلاد والتودد للأمريكان . هكذا تخلصت مصر من نفوذ الشيوعية وعادت تحت النفوذ الغربي وما تزال حتى اليوم وبشكل فاضح .

بهذا نرى أن معطيات التاريخ وأحداث الواقع تشير بقوة إلى أن نفوذ العرب في إضمحلال مستمر بسبب جذور النفوذ الغربي في تكوين هذه الدول وإستمرار الغرب في تعزيز نفوذه بطرق إقتصادية وتكنولوجية وسياسية . إن هذا الإضمحلال ظاهر جدا فيما نراه من أحداث اليوم في غزة حيث يعجز العرب على عقد قمة لأخذ إجراءات ولو سياسية أو حتى مواقف معلنة ضد المجزرة ولا نفكر أو نتوقع أي إجراء عسكري أو مساعدة في مثل هذا الإتجاه . هكذا هو حال بني يعرب في غياب الإسلام كأساس ومحرك لمواقفهم . إنهم مثـل قبائل أيام الجاهلية في إمعانهم في التطاحن والجهل ولا سبيل لإستعادة النفوذ المستقل والعزة إلا في ظل الإسلام وليس تحت راية العروبة .

هنا وقفة مهمة ، وهي أن ما تقدم لا يعني أن العرب نكِرة ويجب أن يتجاهلوا عروبتهم . على العكس من ذلك تماما لأن الله سبحانه وتعالى خصهم بآخر رسول وجعل القرآن بلغتهم وهذا شرف من الله وهبه لهذه الأمة ويجب أن نكون شاكرين لهذا الشرف الإلهي وأن نسعى لقيادة العالم الإسلامي على أساس منهج الله . علينا أن نستدرك أن شرفنا وعـزنا هو في الإتحاد تحت راية وتعاليم الإسلام وأن نتخذ الوسطية منهجا لتحركنا وأن لا نجعل من الإسلام سببا للعنصرية وأن نعمل على أساس أن : "لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى" .

السؤال الوجيه هو : كيف نصل إلى ذلك في واقع يلفه حكام بعيدون كل البعد عن هذا الفهم ومتطرفون يتكلمون عن العنف والقـتـل أكثر من تحدثهم عن العلم وحب الله والجهاد لأجل الحق...؟ الجواب ، في رأي المتواضع ، يكمن في قول الحق سبحانه وتعالى : "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" . إذا اجتهد كل فرد منا في الرفع من قوة إيمانه وقدراته العلمية والإنتاجية فسيقع التغيير لا محالة نحو إنتصار الإسلام القائم على الوسطية .

على كل فرد منا أن يتجه لمراجعة نفسه والبحث عن نقاط ضعفه ويعمل على تصحيحها . إن أول ما يجب علينا تصحيحه هو علاقـتـنا بالله سبحانه وتعالى بأن نعمل على تقوية إيماننا وذلك بقراءة القرآن وتدبر آياته والمحافظة على الصلاة والسعى للوصول إلى درجة إستشعار وجود الله عند التوجه إليه بالعبادة . هناك الكثير ممن يتوجهون للإخلاص في العبادة والتواجد في المساجد . ولكن مازال العلم بروح الإسلام وأهمية ترجمة العبادات إلى صقـل الأخلاق ناقصا . أما الأمر الثاني واللازم فهو العمل على الإستزادة من العلم بكافة نواحيه . إن العلم بالنسبة إلى العقل هو مثل الغذاء بالنسبة للجسم . والمقصود بالعلم هو تغذية العقـل بالتعرض لأفكار جديدة حتى يرتقي بمستوى تفكيره وتحليلاته في نواحي مختلفة تهم الفرد بما في ذلك ما يتعلق بالعمل والأسرة وكسب المال والمحافظة على صحة جيدة إلى غير ذلك من المجالات ذات الأهمية . لتحقيق ذلك على كل منا أن يعزم أن يأخذ بأسباب العلم عن طريق قراءة الكتب والإطلاع على شبكة المعلومات والنقاش مع الآخرين فيما يتعلق بمواضيع ذات فائدة في التطوير الشخصي . إن سعادة الإنسان تكمن في الوصول إلى التوازن في حياته وهذا التوازن يتطلب ثلاثة أنواع مهمة من التغذية : الأول والأوضح هو غذاء البدن والثاني غذاء الروح والثالث غذاء العقل . يتم الأول بالسعي لتناول الأغذية المفيدة الغنية بالألياف والفيتامينات ...إلخ والثاني بالإخلاص للخالق سبحانه بالمحافظة على الصلاة والعبادة وقراءة القرآن والتخلق بخلق الإسلام والثالث بالإطلاع المتجدد على الأفكار المفيدة في مجالات الصحة والمال والعمل ...إلخ.

إن النفوذ الإسلامي السياسي قادم لا محالة ، أحب من أحب وكره من كره سواءًا في غضون حياتنا أو بعدها . فكم من إمبراطورية قامت وانهارت ولم يبقى لها بريق ماعـدا إمبراطورية الإسلام التي مازال أثرها على حياة المسلمين وغير المسلمين قويا بالرغم من إنحسار النفوذ السياسي للدول "الإسلامية" . إن الإسلام ما يزال قويا ويزداد قوة بإزدياد أعداد الداخلين فيه . في الواقع فإن الإسلام هو الأكبر إنتشارا بالمقارنة مع أي ديانة أخرى كما أشارت الإحصائيات . وهذا ما يخيف الغرب وإسرائيل ومن يدور في فلكهم ويجتهدون لمنعه . ولكن من عجائب الإسلام أنه كلما هوجم يزداد قوة وتأججا . يقول الحق سبحانه : "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" . إن سنة الله في الخلق أن تكون السلطة والنفوذ السياسي متداولا بين الناس على مر العصور كما قال سبحانه وتعالى : "وتلك الأيام نداولها بين الناس " . علينا أن نجتهد للرفع من كفاءاتنا والتوحد حتى نقـترب من النضج اللازم لأمة الإسلام من أجل أن تأخذ مكانها مجددا في قيادة هذا العالم نحو ما يرضي خالقه .

وإلى لقاء آخر إنشاء الله.

محمد الصيد
16/1/2009

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home