Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mohamed Esseid
الكاتب الليبي محمد الصيد

الجمعة 11 ديسمبر 2009

العـيد وإفلاس العـقيد

محمد الصيد

تابعت بكل أسف التدخل الأخير في ليبيا من قـبل أجهزة الدولة في تحـديد موعد عيد الأضحى في غير محـله وما تبعه من قرارات تتعلق بإقامة صلاة العيد يوم الخميس ومنعها يوم الجمعة . مما لا يخفى على أحد فإن مـثـل هذه الأمور لا يمكن أن تحدث بدون توجيه مباشر من العقيد القذافي . فبعد كل ما قام به من فساد للبلاد والعباد وسـيطرته على مقاليد الثروة النفطية الهائلة وتربعه على كل قرارات البلاد من الواضح أن كل هذا لم يعـد كافيا لسد رغباته في التسلط على البلاد والعباد. بالتأكيد لا أضيف جديدا في هذه المقدمة حيث أن كل الليبيين بكل مستوياتهم التعليمية والمادية والإجتماعية أصبح لا يخـفى عليهم ما يقوم به العقيد وزبانيته من عبث بمقاليد البلاد والعباد . ما يهمني التركيز عليه في هذه الرسالة هو ما يمكن أن نستـقـيه من عبر ودروس لما يجري من أحداث .

أولا وكما تبين في ترجمة بعض من كتاب ميكافيللي "الأمير" ، فإن الطغاة ينهجون كل السبل للحفاظ على السلطة ويتفانون في الظهور بمظهر العـدل والحكم بالقسط وفي الواقع يتبعون ما يرونه ضروريا للإبقاء على سلطتهم بغض النظر عن كون السبل أخلاقية أم لا أو فيها ظلم أم لا والأساس هو أن "الغاية تبرر الوسيلة" . من الواضح أن الكثير من الطغاة يبدؤون مسيرتهم السياسية برغـبة صادقة في الإصلاح ثم تلتهمهم الرغبة في الحفاظ علي السلطة ولو بقـتل خصومهم (أومن يرونهم خصوما) والسطو على الثروات . مما يؤسف له أنه بعد أن يتم لهم ما يريدون وبعد أن يقـتلوا المئات بل الآلاف من البشر وبعد أن يلتهموا مليارات الدولارات لهثا وراء رغباتهم ، تجدهم يتصرفون وكأن ذلك لم يكفهم ويريدون المزيد . حالهم في هذا كحال من يشرب ماءًا مالحا طلبا للإرتواء ولكن ما يزيده إلا عطشا . وهذا حال السلطة والمال الذي لا يسخر في مرضاة الله . فلا يكفي منه شيئا مهما كثر وكلما زاد المال وزادت السلطة زادت الشراهة للمزيد منهما حـتى يرتدع المرء ويرجع إلى طاعة لله أو يهلك بسبب الإفراط نادما وغير مأسوف عليه. يقول الحق سبحانه في سورة الدخان: "فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء والارض وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ"

ما جرى في العيد هو من هذا القبيل في نظري المتواضع . فلم يعـد يكـفي هذا العقيد ما تحصل عليه بل يريد أن يقحم نفسه في معـتقدات الشعب لينظر ما يمكن أن يحققه ذلك من إشباع لنزواته التي لا نهاية لها . إنه حال في الواقع يرثى له و حال فيه عبر ودروس قـيـِّمة جدا لمن تفكر وأمعن النظر . فالعبرة هي أن الطغيان لا يمكن بحال أن يصل بصاحبه إلى السعادة والطمأنينة بل يورده المهالك ويحي حياة تتصف بالخوف الدائم من المؤامرات التي تحاك من حوله وأي تعاسة هذه بالله عليكم . بل هي شر عيشة ولو بدت للجاهل أنها طـيـبة بما يرونه من قصور وطائرات وأموال يسبح فيها هؤلاء . فالمظهر لا ينم على حقيقة ما يشعرون به من تعاسة وإنعدام الطمأنينة والراحة في أبدانهم وقلوبهم . السعادة في الدنيا والآخرة تكمن في حب الله وطاعتة والتقرب إليه بالعمل الصالح مهما كان المستوى المادي والمكانة الإجتماعية أو العلمية . وليس معنى هذا ترك الدنيا بالكامل ولكنها تعني إدراك أن الآخرة أهم من الدنيا وأحق أن يسعى الإنسان من أجلها . هذه هي خلاصة كل تجارب الحياة والتي يصلها البعض ويتوه عنها الكـثير بالرغم من الرسل الذين أرسلهم الله عز وجل لهداية البشر لما يسعدهم في الدنيا والآخرة وبالرغم مما يمر به كل إنسان من دروس وعـبَر خلال حياته . يقول الحق سبحانه في سورة طه :

"فإما يأتينكم مني هدىً فمن اتبع هدايَ فلا يضل ولا يشقى ، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكى ونحشره يوم القيامة أعمى ، قال ربِّ لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا ، قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تـُنسى ، وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى "

لقد لخص هذا الحال الشيخ الشعراوي رحمه الله في كلمة وجهها للرئيس حسني مبارك في بضع كلمات هامة تنطبق على كل الحكام العرب حيث قال :

"وإني يا سيادة الرئيس ، أقف على عتبة دنيايَ لأستقبل أجل الله . فلن أختم حياتي بنفاق ، ولن أ ُبرز عن سريتي باجتراء. ولكني أقول كلمة موجزة للأمة كلها ، حكومة وحزبا ومعارضة ورجالا وشعبا ، آسف أن يكون سلبيا . أريد منهم أن يعلموا أن المـُلك كـله بيد الله ، يؤتيه من يشاء فلا تآمر لأخذه ولا كيد للوصول إليه . فإن الحق سبحانه وتعالى حينما حكى حوار إبراهيم للنمرود ماذا قال له ؟ "أو كالذي حاجَّ إبراهيم في ربه" وهو كافر ، قال : "أن آتاه الله الملك" . فالمُلك حين ينزله الله قال : "يؤتي الملك من يشاء" فلا تآمر على الله لمـُـلك ولا كيد على الله لحكم لأنه لن يحكم أحد في ملك الله إلا بمراد الله . فإن كان عادلا فقد نفع بعدله . وإن كان جائرا ظالما ، بشـَّع الظلم وقبحه في نفوس كل الناس فيكرهون كل ظالم ولو لم يكن حاكما . ولذلك أقول للقوم جميعا : إننا والحمد لله قد تأكد لنا صدقُ الله في كلامه بما جاء من الأحداث . فكيف كنا نفسر قول الله : "ويمكرون ويمكر الله" ؟ وكيف كنا نفسر : "إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا" ؟ الله يريد أن يثبت قيوميته على خلقه . فأنا أنصح كل من يجول برأسه أن يكون حاكما ، أنصحه بأن لا تطلبها . بل يجب أن تـُطلب لها . فإن رسول الله قال : "من طُلب إلى شىء أ ُعين عليه ، ومن طلب شيئا وُكـِّل إليه". يا سيادة الرئيس . آخر ما أحب أن أقوله لك ولعل هذا يكون آخر لقائي أنا بك : "إذا كنتَ قدرنا فليوفقك الله . وإذا كنا قدرك فليُعـنك الله على أن تتحمل" . *

إذ ًا وجود العقيد أو غيره لا يخرج عن تصرف الله في ملكه وما يهم هو الخيارات والمعتقدات التي يختار كلّ منا أن يسلكها ويتبناها . وما وجود الحكام وما يحدث لنا إلا في إطار القدر ليـُمحص الله ما في القلوب من معتقدات وقناعات ليحيَّ من حيَّ على بـيـِّـنه ويموت من مات على بينه ولا يبقى لأحد حجة على الله بعد الرسل وبعد ما خبره من أحداث وأمضاه من خيارات . الأساس إذا هو الفرد وليس الحاكم . ما يحدث هو من جوهر ما أخبر به الحق سبحانه في سورة الملك حيث قال عز وجل : "الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور".

من المؤسف أن نرى الظلم والتوغل في الغي والإبتعاد عما يـُرضي الله لهذا الحاكم أو ذاك فهو في الواقع لا يضر إلا نفسه بما يحصده من تعاسة في هذه الدنيا ولعذاب الآخرة أشد وأبقى . وما يحدث للناس من ظلم فهو أذى ولن يضرهم شيئا إذا ما تمسكوا بهدى الله وسعوا في طريق رضاه . أسارع بالقول بأن هذا ليس حكما على العقيد بأنه من أهل النار وما ينبغي لي ولا لأحد أن يتفوه بهذا فـفي مثل هذا القول إجتراء على حكم الله وقضاءه . فلا يعلم السرائر وحساب الأعمال إلا الله سبحانه وتعالى . فلا يحق لأحد أيا كان علمه أو مكانته أن يحكم على أحد بأنه من أهل النار أو من أهل الجـنة فلا يعلم أحد عن خاتمة غيره ولا حتى عن خاتمة نفسه . فنسأل الله سبحانه وتعالى حسن الخاتمة بفضله وجوده إنه على ذلك قدير. فمن يبدو كافرا قد يختم حياته بعمل صالح يرضاه الله فيغفر له . وبالمقابل ، من يبدو تـقـيا قـد يخـتم حياته بعمل كفر يُغضب الله أو تكون تقواه على نفاق ورياء فيخرج من رحمته والعياذ بالله . التركيز أيها الأحبة يجب أن يكون على أنفسنا وإصلاح ذواتنا بالطاعات و الدعاء لأنفسنا وأحبائنا بالهداية وأن نجتهد في طلب العلم . أما العقيد وأمثاله فلا يـُحسدون على ما هم فيه من شر وضنك ونصب ومخمصة مهما بدت الزينة الخارجية كما قال الحق في سورة القصص عن قارون:

"فخرج على قومه في زينته، قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم، وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالح، ولا يلقاها إلا الصابرون "

فيا سيادة العقيد . ألم تكتفي بما أنفقت من أموال وما أزهقت من أرواح بشكل مباشر وغير مباشر وتسلطك الكامل على مقاليد البلاد ، ألم يكفي كل ذلك لإرضاء رغباتك في الظهور والإعـتلاء ؟ ألم تصل إلى مرحلة من العمر يعتبر فيها من اعتبر ؟ ألم يحن الوقت أن يخشع قلبك لذكر الله ؟ ألم يبقى لك من نزوات إلا أن تعبث بأمور الدين بتغيير موعد عيد الأضحى ؟ وكيف يمكن أن يكون عيد الأضحى في نفس يوم الوقوف بعرفة ؟ حتى لو فرضنا أن هناك خطأ في إبتداء الشهر ، أليس الخروج عن الإجماع فـتنة للمسلمين ؟ أم هل هذا هو الغرض ؟ ثم لماذا منع المساجد من الإفـتـتاح يوم الجمعة للمصلين ؟ أيكون التعبد والصلاة بالإجبار أو المنع ؟ أم لم يعـد لكل الأموال والسلطة طعم في نفسك كما كانت في البداية فـتريد أن تـُجرِّب طعم التدخل في أمور دينية ؟ وإن كان كذلك ، كيف وجدت طعمه ؟ أرجو أن تكون مرارته قد أقـنعـتـك بالإبتعاد عن مثل هذا في المستقبل وأنصحك بأن لا تأمن مكر الله فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون . وإن عدت إلى مثله فلا تلومن إلا نفسك .

يا سيادة العقيد : إني والله لك ناصح أمين بأن تعود إلى الطريق الذي يـُرضى الله قبل فوات العمر إن كان فيك إيمان بالله واليوم الآخر ، ولا يعلم سرائر القلوب إلا الله عز وجل . أعلمُ أن بطانه السوء ممن حولك من وجهاء وأعيان وأقارب لهم دور فيما يحدث من فساد ولكنك المسؤول عن هؤلاء وما وصلوا إليه من سلطة . أول الطريق إلى الخلاص هو أن تجعل حولك من يخلصون النصح لوجه الله ثم أن ترد المظالم التي قامت في عهدك وتحت نظرك وسمعك فإن الظلم ظلمات في الدنيا والآخرة .

يا سيادة العقيد : إتق الله ولا يغـرنك بالله الغَـَرور واعلم أن العمر مهما طال فهو قصير بالمقارنة بما هو آت في اليوم الآخر . فهناك خلود وهنا دار ابتلاء . هناك الحياة تمتد إلى ملايين بل مليارات بل عدد لا نهائي من السنين وهنا حياة تقاس بعشرات السنين فقط . ألا ترى كم هي سرعة الوقت الذي مر منذ 1969 وحتى اليوم ؟ أليس في ذلك عبرة لك ؟ بل إن ما تبقى هو أقصر وسيمر بسرعة عجـيبة . فلا تـُفـَوت الفرصة قبل أن تصل الروح إلى الحلقوم . فعندها يغلق باب التوبة .

أخيرا أحـييِّ كل الليبيين الذين رفضوا أن يقيموا صلاة العيد والنحر يوم الخميس والتمسك بيوم الجمعة مثل باقي أمة المصطفى صلى الله عليه وسلم . كما أ ُحيي أئمة المساجد الذين رفضوا الإنصياع للقرار العبثي ورفضوا أن يقيموا صلاة العيد إلا يوم الجمعة . أدعوا الله أن يجازي هؤلاء كل خير في الدنيا والآخرة على وقوفهم عـند ما يرضي الله سبحانه وتعالى وأن يرزقهم الصبر على ما قد يتعرضون له من أذى من أذناب السلطان . اللهم آمين وهو على النصر قدير .

اللهم اهدي ولاة أمورنا لما تحـبه وترضاه أو خذهم أخذ عزيز مقـتدر وارزقنا من يخافك ويرعاك فينا وينشر العدل والرخاء والعلم والدعوة إلى سبيلك في ربوع البلاد إنك على ذلك قدير وللدعاء مجيب . اللهم آمين .

محمد الصيد
10/12/2009

________________________

(*) رابط لكلمة الشيخ الشعراوي على يو تووب : http://www.youtube.com/watch?v=1LxsPfSAXk0


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home