Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Agila al-Umami
الكاتب الليبي محمد عقيلة العمامي


محمد عقيلة العمامي

الثلاثاء 26 ابريل 2011

 صك ( الرمز ) المرتجع  !

محمد عقيلة العمامي


أعترف القذافي، في خطاب من خطاباته المثيرة ، الكثيرة جدا ! بعجزه عن شراء أضحية  لعيد من الأعياد ! وأذكر أنني أفردت أذني اليمنى، واقتربت كثيرا من التلفزيون الليبي (الرسمي) لأتأكد مما سمعته! ومن المؤكد أن الخطاب أعيد – كالعادة – أكثر من مرة ولابد أنكم سمعتموه ؟  

وأعترف ، أيضا ، لا أدرى في الخطاب نفسه  أو في خطاب ثان ؟ أنه استلف بضعة  دنانير من الرائد عبد السلام جلود لقضاء حاجة من حاجاته  !

وأنا متأكد أنني سمعته ، أيضا ، يقول أن أبنائه باعوا حمام كانوا يربونه لشراء شيئا ما ! ولكنني  لا أذكر تحديدا  ماذا اشتروا بثمن هذا  الحمام ؟ هل هو الخروف أم ( رولز رايز ) ؟

تذكرت ذلك كله ، عندما استمعت إلى خطابه ، الذي قال فيه  : أن مرتبه الشهري 450 دينار ليبي ، وأن المصرف أعاد له صكا لأنه تجاوز ما يحق له سحبه ، ولابد  أنه استدان  مكونات وجبه عشائه ليلة ذلك اليوم من البقال المجاور لقلعته  بباب العزيزية  ! وكذلك الصحيفة التي أبرزت في صفحتها الأولى حسابات عائلته السرية !

وكيفما كان الأمر ؟ لآبد أن هذه العائلة ظاهرة ( عصامية ) ينبغي دراسة حالتها والتعلم منها ، إذ استطاعت في وقت قياسي أن تؤسس إمبراطورية مال وصل ما أعلن رسميا عن أصولها ما يفوق 130 مليار دولار !! وحوالي 144 طن ذهب.. واو!!

ما أدعاه  القذافي في الخطاب الذي أشرت إليه مجرد حالة إعلامية ! حالة مزرية ، ظلت طوال فترة حكمه  ظاهرة مضحكة لدرجة البكاء !

والحقيقة أن الإعلام  الغبي ، الذي سفه مشاعر الناس ، واستهان بذكائهم هو الذي قضى على القذافي . تماما مثلما كان إعلام شباب ثورة مصر المنظم ، هو ما  أطاح بالسيد حسني مبارك .

القذافي ، الذي ظن أن القوة  قادرة على السيطرة التامة على مجريات الأمور. لم يخطر بباله أن الحاجة للحرية ، هي مطلب أخطر بكثير  من الجوع ، وأقوى بكثير من أية قوة قد تخطر على البال .

هل إعلاميوه    لم يخبروه  أن التاريخ يقرر أن  المتطلع  للحرية ، المنطلق نحوها ، لا توقفه مدافع العالم كلها ؟ ثم كلنا يعرف أن مثل هذه الحقيقة لا تغيب عنه ، فهو يعرف، عزّ المعرفة، أهمية الإعلام ، الذي وظفه بالكامل لحسابه الشخصي ، لدرجة أنه كان يحد حتى من ظهور ابنه إعلاميا ، على الرغم من تنظيره المستمر وتزيين صورته ليخلفه .. والإعلاميون يعرفون جيدا ، أن  أية أغنية وطنية لا ترتبط به مباشرة لا يجوز أذاعتها! فأغنية الفنان محمد نجم  (ليبيا يا نغم في خاطري) التي تتناول الوطن مجردا ، منع بثها بل سحبت من أرشيف الإذاعة ، شأنها شأن أغان كثيرة أخرى  .

القذافي يعرف بالتأكيد خطورة الإعلام جيدا ، ولكنه وظفه بطريقة ساذجة مستهينا بذكاء مواطنيه . وفي تقديري أن الخطاب الإعلامي الذي حاول نجله الساعدي أن يحتوي به جرائم نظامه عقب ما حدث خلال اليوميين الأولين من المظاهرة السلمية التي أشعلت شرارة الثورة، هو ما أجج غضب الناس، وزاد من حنقهم وتصميمهم على  إسقاط نظامه . كان الناس مازالوا مصدومين بهول ما حدث ؟ غير مستوعبين فكرة أن رئيس بلادهم يفري صدورهم برصاصهم ، ويسلط عليهم مرتزقة يطاردونهم بامتداد شوارع مدينتهم ، التي خرجت ذات يوم تؤيده وتناصره ، ثم يخرج عليهم واحد من أتفه أبنائه  ، يعرفون  جيدا انحرافه ، وفوق ذلك ما زالوا يتذكرون يوم ركب جرافة صفراء ، مثلما يفعل الصهاينة ،  وشرع يدك أعرق نادي  رياضي عرفته بنغازي ،  لا لشيء إلاّ لأن جماهيره ليست مقتنعة بأدائه كلاعب كرة قدم !  يخرج الساعدي يتحايل عليهم بمشاريع وهميه ، مبينا ، من دون مراعاة لمشاعرهم المجروحة  ، أنه أمضى السنوات الماضية يدرس في أوربا ويلعب كرة القدم في نواديها ، غافلا عن كون مجونه ، وأخوته تتناقله  وسائل الإعلام مثلما تتناقل أحوال الطقس اليومية !!

من بمقدوره أن  يسمع هذا الهراء ولا ينكسر حاجز خوفه ، ولا يثور من أجل كرامته ؟   فلا الثكنات العصية ، ولا الأسلحة  الفتاكة  ترهب من  اشتعل حماسه ، جراء خطاب إعلامي مستفز  مهين للغاية  .

 لا ينبغي أن يسمى نظام الأربعة قرون الماضية بغير نظام القذافي ، ذلك لأننا جميعا نعرف أنه ظل طوال الوقت وراء كل كبيرة وصغيرة .   ولقد  مر هذا النظام  بثلاثة مراحل ليصل في نهايتها إلى مرحلة الاعتماد الكامل على قوة القمع الداخلي : المرحلة الأولى ابتدأت  منذ بداية انقلابه ، وتمثلت في رفع شعارات كانت غاية الشباب وحلمهم ذلك الوقت ، وهو ما زرعه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في عقولهم من قومية عربية ، ووحدة واشتراكية . ولا ينبغي أن ننكر تعلق الشباب بتلك الشعارات فوظفها بالسبل كلها لتعينه على تنفيذ مخططه الرهيب .

ثم تميزت المرحلة الثانية  باللين ، وفتح خزائن البنوك  للحذاق ، أو من اعتقدوا أنهم حذاق ، فمثلا سهل للناس القروض العقارية ، التي سميت بقروض التطوير العمراني ، فشيدوا عمارات كيفما يريدون باعتبار أنها ملكا له ، ولكن عندما أممها ، اتضح لهم أنه في الواقع  استغلهم لتنفيذ خطة إسكانية بالمجان . وفيما كان الناس منشغلين بهذا ( الانفتاح ) كان يربى زبانيته  ويطور من قدراتهم على الفتك والقمع والتنكيل .. كان في الواقع يعد مؤسسات تخدم مخططاته دون سواها .

بدأ جس القذافي لنبض الشارع الليبي  بلقاءات غاية في البساطة والتواضع مع طلبة الجامعة ، الذين كانوا ذلك الوقت رمزا تقدميا لشباب البلاد . كان يناقشهم فـي الصغيرة قبل الكبيرة ، وكان لينا ، مستمعا جيدا . لا أحد كان يفكر أن هدف ذلك النقاش في تصنيف المناقشين ومعرفة ميولهم السياسية ! وعندما أعلن عن ثورته الثقافية ، التي استهلها  بحرق الكتب ، ومصادرة أفكارها لتتسع الدائرة لتلغي أية ثقافة متعللا

تارة بأنها مستوردة وتارة أنها هدامة . كانت أدوات قمعه  قد اكتملت ، وسجونه قد وسعت ، عندها تحين زبانيته  أول فرصة  وأخذوا يداهمون التجمعات ، والبيوت ويأسرون الواحد بعد الأخر ، فقد كان القذافي قد كشف ميول كل ما شعر بخطر منه على مخططه . كانت الساحة خالية من أي فكر معلن ، لم تمض سنوات ثلاث حتى كانت الساحة الليبية خالية من أي فكر سياسي معلن ، عندها رفع أخطر شعاراته :    " من تحزب خان "  ذلك يعني باختصار شديد لا فكر إلاّ فكره ، وعلى أساس ذلك توالت ضرباته الموجعة لكيان ليبيا كلها : فكريا كان أم اقتصاديا ، وبالطبع اجتماعيا . وضحت الصورة ولم يعد هناك مجالا للتردد ، أما أن تستكين  لتحافظ على رأسك ورؤوس أسرتك ، أو تلتقط جرابك وتهيم في أرض الله الواسعة  .. وظل هو المفكر المنفذ الأوحد ، الذي صارت بيده مقدرات البلاد كلها !

لم يعلن تماما عن حقيقته ، إلاّ عندما تطوع أحد زبانيته  وروج لمقترح ، قد يكون صدر من القذافي نفسه ! وهو أن يبايع ملكا على ليبيا مدي الحياة ، وحتى عندما اجتمع ما أسماه بمؤتمر الشعب العام ، كان الناس يترقبون هذه المبايعة ، غير أنه كالعادة فاجأهم قائلا :  " أن الثورة من صنعه وحده ، وأنه أطاح بالملكية ببندقيته ، ومن يرى أنه قادر على أخذ ليبيا منه فليتفضل ، ملوحا بقبضته ! ثم أعلن على الملأ أن الليبيين جميعا ، لا شأن لهم لا بالبترول ، ولا بتصرفات  أولاده !! سمعت ذلك بنفسي لم ينقله أحد لي . منذ ذلك الخطاب لم يعد ما يقال : أم أن يقبل الناس ويرضخوا أو يغادروا . نعت الذين غادروا بالكلاب الضالة ، ونعتنا  أنفسنا ، نحن الذين أرغمتنا ظروفنا العائلية  بالكلاب الأليفة  ؟  لم يعد أسد غيره ، غلطته القاتلة أنه تسلح بالقوة والتكبر والغرور ، ناسيا أن الناس ولدوا أحرارا وأنهم لا يمكن أن يعيشوا إلاّ كذلك !!

ثم توالت الأحداث بتسلسل غاية في الغرابة والإمعان في تحدي القذافي لشعبه، لدرجة أنني سمعته، في خطاب من خطاباته، بعد هروب الناس من طرابلس خوفا من غارات أمريكا على باب العزيزية سنة 1986،  يهدد بأن سيسقى شعبه : (الغسلين) وهو لمن لا يعرفه شراب الجحيم ، أما تفاصيله فهي  صديد ودم وعفونة !! وأعترف أنني لم أخذ تهديده محمل الجد حتي رأيت ما ترتكبه كتائبه من مجازر !  

أن كل مرحلة من مراحل حكم القذافي تحتاج إلى مجلدات لسردها وتفسيرها، وستظل طويلا مرجعا أساسيا لم يريد أن يتحدث عن جنون وظلم واستبداد الحكام . لعلني قد أوفق  في أن أحدثكم كشاهد عيان فترة حكمه :  فترة .. فترة وصولا إلى زنقة زقه!! فلقد ابتدأ شبابي عند انقلابه ، وها أنا قد (هرمت) في عهده، ولكنني  سعيدا لأنني رأيت يوم الحرية هذا الذي أشرقت أنواره يوم 17 فبراير، وما بعد (فرار) إلاّ النوار !

محمد عقيلة العمامي

25/4/2011


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home