Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Agila al-Umami
الكاتب الليبي محمد عقيلة العمامي


محمد عقيلة العمامي

الجمعة 19 يونيو 2009

أبواب الخير والشر

محمد عقيلة العمامي

(1)

ظل أجدادنا ، حتى وقت قريب ، يرون البحر مجرد بوابة للشر ؛ فالغزوات ، والسبي والرق ، ثم – فيما بعد – الاستعمار ، كلها مصائب جاءت للناس من هذه البوابة ، التي ظل الود بينهم وبينها مفقود ، كان مجرد تأمله يذكرهم بالغزاة ، وبأهلهم الذين هُجِروا بعيدا عنهم .
الخير ، أيضا ، وإن لم يكن بحجم هذا الشر جاء للناس عبر هذه الباب . زمن الفقر والبطالة كان نفير المراكب عندما قدومها يعوي في بنغازي كافة ، فصارت تلك ( العواية ) مصدر للفرحة ، لأنها بمثابة دعوة لعمال التفريغ ، الذين ينتظرونها بفارغ الصبر .
وكانت المؤن وقت المجاعات ، والأدوية زمن الأوبئة تدخل من هذا الباب ، ثم صارت تأتي أيضا عبر المطارات ، وإن انفردت بوابة البحر بالمعدات الثقيلة والمصانع الكبيرة ، والحفارات العملاقة التي تنقب عن النفط ، والتي اكتشفته لنا أسفل حقول الطماطم ، الذي كنا نرويه بماء أجاج ، فيما كان الماء الفُرات أسفله مباشرة ! أبواب البحر، وأيضا أبواب السماء هما أهم مراكز أمن أي وطن ، فما بالك بوطن مثل ليبيا المفتوحة على العالم من الاتجاهات كافة ، ناهيك عن طفرة اقتصادية هائلة جعلتنا نتطلع إلى خيرات العالم كلها ونتسوق من أسواقة الجيدة والرديئة ، فيما يرنوا إلينا الأشقاء ، والأصدقاء .. وكذلك الأعداء ، أما الخطر الحقيقي فيكمن في جشع قلة من أبناءنا ، منهم من لم يختر الوظيفة (الميري) إلاّ لتطلعاته المتربصة للإثراء السريع ، ومنهم من راء أن الفرصة مواتية من هذه الباب ، كالمستورد والمًخلص والمًسرح والناقل والمترجم ، وكذلك المغامر ! ، جميعهم يتحركون بهمة منهم من تقوده نواياه الحسنة ومنهم من تقوده نواياه السيئة !
ولو تأملنا الأوطان لوجدنا أن رفاهيتها تحققت عندما تحقق أمنها ، ولو دققنا في تأملنا لوجدنا أنه من بين سبل تحقق الأمن ، إن لم يكن أهمها إن أغلب حراس هذه الأبواب شرفاء ، ترعبهم ضمائرهم ، ويعشقون وطنهم ويعرفون معني الانتماء ، وفضيلة الشرف !
ولو إلتففنا نحو من فقدوا أمنهم لوجدنا أن فساد ذمم حراس هذه الأبواب هي أهم أسباب هذه المصيبة . ولو أمعنا النظر ودققنا بموضوعية عملية في تاريخ أولئك الذين فقدوا الأمن والأمان ، وصار التخبط ، والفوضى، والمظهر السيئ ، وتفاهة المعاملة وسطحية الإجراءات والتدقيق وكثرة الأختام والمستندات ، وأقسام المراقبة ، لاكتشافنا أن العنصرين القاتلين هما:
فساد الذمم وتكليف الرجل الغير مناسب للعمل والتحرك عبر هذه البوابات .. وأنا لا أقصد الموظف (الميري) فقط ، وإنما المورد ، والمخلص ، وكل من له علاقة بهذه البوابات .
وبلادي – كما وصفها مغترب – بأنها : " مثل السكر .. يطًن فوقها النحل الشغال ، والذباب ! يعرق في مشاريعها شرفاء ، ويتمطى في فنادقها المغامرون ". ولكن ليس هناك مغترب واحد يعمل عبر هذه البوابة .. العمل بها مقصور على الليبيين السعداء . فكيف وصلت الأقراص المخدرة ، والفياجرا المضروبة .. والمفرقعات ؟ وعدة أشياء لا يخطر استيرادها حتى على الشيطان نفسه ؟
أقول لكم :
أعرف تاجر عربي التقيت به في الصين يعمل في مجال الاستيراد ، اخبرني أن أحد معارفه متعاون مع تاجر ليبي في التوريد إلى مصر عبر ليبيا – وأن الله فتح عليهم (فتحة جامده ) ثم اخبرني – بعد أن تعددت لقاءاتنا أن صديقه - تصله أقراص الفياجرا ، وأقراص الهمة والنشاط من الحدود البرية .. شريكه الليبي يهربها ضمن بضائعه وهو يتولى تمريرها بريا :
- " السوق عندنا حلو ... الملايين عايزا تنبسط ، وتفرفش .. ودا شغل مش حرام ، مش كده وألاّ أيه ؟ "
هذا مثل بسيط يقرر أن النحل والذباب يطن في الداخل وفي الخارج ، ويقرر أيضا أن هناك موردين لا ينبغي أن يقتربوا من بواباتنا !! ويقرر المثل – أيضا – أن هناك الكثيرين ممن أتمنوا على هذه البوابات ليسوا أمناء لأسباب كثيرة، منها الذمة الناقصة ، والجشع .. والأخطر منها قلة الخبرة والكفاءة ... والجهل !
فدعونى أولا ، أقدم لكم نفسي :
أنا تاجر منذ أكثر من أربعين عاما ، قضيت طفولتي قريبا من ميناء بنغازي البحري - عند بئر الجمل تحديدا !- علمتٌ في مجال التسريح الجمركي ، وفي مجال الملاحة ، وصيد السمك ، ثم في الترجمة بسبب تخصصي ومشروع تخرجي ، وفوق ذلك كله أهوى الكتابة ، لي العديد من الإصدارات والمقالات ، وهكذا - كما ترون - أكون مؤهلا للكتابة الموضوعية الهادفة عن هذه البوابات ! زد إلى ذلك أنني عاصرت ثلاثة أجيال توالت على إدارة جمارك بنغازي ، التي أريد أن أتخذها نموذجا للكتابة عن بوابات ليبيا ، مؤكدا أن غايتي ليست الطعن في ذمة أحد ، ولا تفضيل قدرات أو إمكانيات أحد عن غيره ، وإنما غايتي هي مناقشة ظواهر غير طبيعية ، وإجراءات لا تبدو عملية . مع العلم أن الفئات الثلاث : الموظفون الرسميون العاملون بالجمارك ، وبالمواني وبالوكالات الملاحية الخاصة والعامة والموردون ، ومسرحو البضائع ، ومتعهدو النقل . إن كل من له علاقة عمل بهذه البوابة هم على الدوام العناصر الأساسية ، أما في انسياب العمل الصحي ، الشريف ، الذي تعود نتائجه بالخير على البلاد ، أو هم أساس الفوضى والفساد ، الذي تعود نتائجه المدمرة على البلاد كلها ، إن توفر السلعة المطابقة للمواصفات والقياسات الصحية العالمية ، وكذلك رخص أسعارها يتأثر كثيرا بنوعية العناصر العاملة في هذه البوابة . دمار الشباب ، الجسدي والنفسي ، وإدمانهم ! وحسرة الناس وفقدانهم للانتماء يتأثر كثيرا بنوعية العاملين في هذه البوابة . وذلك كله يؤثر بشكا أو بأخر على الصحة العامة ، والمستشفيات ، والتعليم .. والأمن والآمان كلها مرتبطة بالعاملين في المراكز والمنافذ الجمركية .. الخير كله وكذلك الشر مرتبط ، ارتباط العلة بالمعلول ، بهذه المراكز !
فلنبتدئ موضوعنا – معا - ومن أوله ...
علاقتي بمبني الجمارك أقدم من علاقتي بالمصلحة ذاتها ، فقد كان الطابق الأرضي عبارة عن ملهى ليلي اسمه ( كباريه لوكس ) ! تحول بعد الثورة مباشرة ، مع المبني كله إلى مقر لمصلحة الجمارك ، التي دخلتها أول مرة رفقة صديقي سالم محمود النواع ، الذي كان ، آنذاك ، مخلصا جمركيا ، وما زال حتى الآن غير أنه صار احد الاستشاريين الكبــار في هذا المجال ، بل يعد حاليا ، بسبب خبرته الطويلة ، ناهيك عن عمره عميد المُخلصين الجمركيين ، ولعله الوحيد الذي يتفرد بشهادة ( ألأوزو العالمية) التي تتصدر مكتبه .
عندما دخلنا من باب المركز الرئيسي عرج يمينا على مكتب فسيح مفتوح وأخذا يمازح رجل قصير يعتمر قبعة حمراء ، يكاد يختفي خلف كوم من الملفات ، بعد أن خرجنا قال لي :
- " سيدك على بكار .. مدير المركز ! "
أعترف أنه لم يخطر ببالي حينها أنه مدير لهذه المصلحة التي كان سلاطين الأمبراطورية العثمانية يولونها اهتماما فائقا .. لكونها العين الساهرة الحارسة على الداخل والخارج ، وأيضا بسبب مكوسها التي تسدد بذخ السلاطين ونفقات نزواتهم !! ظننت أن ذلك الرجل القصير مجرد موظف استقبال أو على الأكثر محفوظات . بعد سنوات وجدتني جار لهذا الرجل الذي يشهد الجيل الذي عاصره ويتفق على نزاهته ونظافة ذمته وشجاعته ، وحكمته وصواب قراراته ، وعندما تولاه الله برحمته ، خيل لي أن أحد من بنغازي لم يعب عن تشييعه إلى مثواه الأخير بدعاء صادق له بالجنة والغفران ؟ فهل ثمة ثروة يتركها المرء أثمن من ذلك ؟
من بعده قدمني إلى السيد محمود الهمالي ، أطال الله عمره ، كان أحد الخبراء في مجاله ، وحجة في تصنيفاته ، ولغته ، وكان بمقدوره أن يشيد قصرا فخما في أرقي أحياء بنغازي ، وأن يكون له عدد من أحدث السيارات ، بدلا من سيارته الوحيدة الحالية المتهالكة ، التي يتجنب استعمالها عندما يكون مستعجلا !
أما يونس حموده ، وعبدالسلام حسونه ، وأحمد بوشناف فلاق , ومحمد الكيش رحمهم الله جميعا ، فقد كانوا من سكان شوارعنا . ثم التقيت فيما بعد ، في مركز المطار ( بالشيخ ) منصور بوقرين مُتحلق رفقة فرج السنوسي ، وعدد من العاملين حول ( براد ) شاي ، يسكبه احدهم من فوق طرد صغير ، كنت قد هاتفته بشأنه لأنه مورد إلى الأسواق العامة، ويحتوى على مجوهرات بلغت قيمتها ، آنذاك ، أكثر ربع مليون دولار ، لم يضع منها قرط واحد! وعندما تعجبت من ذلك ، فتح لي خزنة هائلة ممتلئة بساعات رولكس مرصعة بالأحجار الكريمة ، وقداحات ثمينة من ذهب خالص ماركة ( دنهيل وديبون ) . فهل سمع أحد طوال فترة مسئوليته ، ومسئولة فرج السنوسي ، الذي خلفه عن ضياع قداحة واحدة ! الشيخ منصور متقاعد ، يفني أوقات فراغه في مسجد قرب بيته ، لم أره يوما يشعل سيجارة لأحد بولاعة ، ولا رأيت ساعة مهما كان نوعها في يده !
وعندما مازحته يوما ما :
- " يا راجل طباخ السم ،( يذوقا ) ! " أجابني ساخرا :
- " خلى والله يذوق ! "
أما فرج السنوسي - بعد تقاعده - فتح الله عليه من بابه الواسع ، وأفتتح دكان بقالة في مربوعة بيته ، رأسمال هذا الدكان ثلاثمائة دينار . أنا أعرف شخصيا من أين استلفها !
لم انتقي هذه النماذج من الذين كانوا يُسيرون مركزي ميناء بنغازي والمطار الجمركيين بعد قيام الثورة مباشرة - عندما وصلت أعداد البواخر التي تنتظر التفريغ مئات !! - بسبب تفردهم في النزاهة ، وإنما لأن مقالتي قد تضيق ببقية الأسماء ، التي ينبغي أن نفرد لها لوحة شرف في مدخل مركز الجمارك ليكونوا قدوة حسنة ، ومفخرة لأبنائهم .
فماذا عاد علينا مركزي الجمرك كان يعجا برجال شرفاء ؟
عاد علينا بمجتمع كان خاليا تماما الحشيش ، ومن الهيروين ، ومن حبوب الهلوسة . وكانت أثمان السلع الاستهلاكية معروفة ، وتكاد أن تكون واحدة بسبب توحد تكلفتها من رسوم جمركية - لم تصاب ببدعة التثمين - وارتفاع مصاريف التخزين ، بسبب سرعة الأجراء وانسيابه عبر ثلاثة أقسام فقط هي : قسم القبول ، وقسم التفتيش ثم قسم المراجعة ! .
لا ينبغي أن نفهم أن هذا النعيم سببه هؤلاء الموظفون الرسميون فقط ، وإنما بسبب نوعية تجار ذلك الوقت ، وبسبب مُخلصي بضائع ذلك الوقت ، الذين كانوا لا يتعاملون في الغالب إلاّ مع ذوي الثقة والسمعة الحسنة ، تجار من نوعية المرحوم مفتاح الماجري ، الذي عندما كنت طفلا كان له محــــلا لدهان السيارات بشارع عمرو بن العاص ، ثم طوره فصار واحد من أبرز موردي ( الأزوقة ) العالمية ولم يرحل عنا ، إلاّ بعد أن صار رائدا من رواد صناعة الدهانات في ليبيا ، ثم خلفه بفخر أبنائه ، مهتدين بسيرته العطرة وحرصه على نقاء ماله من الحرام . فماذا فعل ؟
سرح له مخلصة شحنة مواد أولية . عندما وصلت الشحنة إلى مخازنه اكتشف أنها نوعية تخضع لتعريفة جمركية أعلى قيمة مما سرحت به ، فأخبرا إدارة الجمرك وسويت القيمة المستحقة ، التي كانت حوالي أربعة آلاف جنيه ، قد تكون قيمتها الحالية عشرون ألف دينار . ولا أستغرب أنه تحمل قيمة الغرامه من حر ماله بسبب خطاء غير مقصود! فهل لدينا الآن من يقوم بمثل هذا العمل ؟
أنا لا أريد أن أقرر أنه لا يوجد مثل هؤلاء في وقتنا الحاضر ، لأنني على يقين أن بلادنا ولادة ، ولكنني أعرف أنهم قلة ، مثلما يعرف الناس أن الفساد رائحته تزكم البلاد كلها .
كثير من الناس ، ذوي العلاقة بالبوابة ، الذين التقيتهم وأنا اجمع مواد بحثي هذا ، أخبروني أنهم ودعوا منذ أيام قليلة عقيد شريف ، نظيف اليد والسيرة ، اسمه مفتاح البرغثي ، قالوا أنه توفي من دون أن يمتلك سيارة ، وكان بمقدوره أن يمتلك طياره ! كان صارما في الحق ، لدرجة أنهم كانوا يلقبونه بالبرادعي !! أنا لا أعرفه شخصيا ، ولكن سمعته تحتم على أن أعرفه وأن أحترم نزاهته. البوابة ممتلئة برجال شرفاء في المجالات كافة ، وأيضا ببشر لا علاقة لهم بالشرف . وأنا لا أريد أن أصنف أحد ، ولا أريد أن أطعن في أحد . أريد فقط أن أنبه إلى خطورة هذه البوابة لأن خيرها سيصلنا ، وشرها سيؤذينا ولأنني أستطيع أن أًفتح مواضيع لنقاش ما قد يصلح حالها ، فإنني ادعوكم لنتناولها معا ، فقد نوفق في إصلاح حالنا .. فالوطن – أيها الأصدقاء – يحتاج بالفعل إلى همم ونوايا طيبة ، فدعونا نصلح من حالنا .
سوف أحدثكم في مواضيع لاحقة عن طبيعة العمل في هذا المرفق ، ومشاكله ، وعيوبه ، ومحاسنه ، و كيف يعالج الخطاء بخطاء أكبر منه ! ثم أحاول أن أقدم مقترحات من شأنها أن تزيد من كفأته ، كما أنني أتوقع أن نساهم جميعا في تدوينها.. فهذا بيتنا ، وهذا بابنا وهؤلاء أبنائنا !

محمد عقيلة العمامي
بنغازي في 1/6/2009


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home