Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Writer Mustafa al-R'aidh
الكاتب الليبي مصطفى الرعيض

مصطفى الرعـيض

الأحد 26 ديسمبر 2010

أخيفوا الإصلاح .. أبيدوا أهله!!

مصطفى الرعـيض

ليس أكثر سواداً من نظامٍ يترنح ويتخبط بين ظٌلمه لشعبه، وخوفه منه، ثم إقدامه على الاعتداء الاستباقي عليه. فيخمد كل صيحات الإصلاح تخوفاً منها، ويخنق كل منادٍ للحرية خوفا على زوال حكمه. فيحطم بهذا كيان المجتمع، ومؤسساته الأهلية والخيرية والحقوقية حتى لا يجد أمامه من يعيقه في تماديه في طيشه ورعونته.

نظرا لأسباب الخوف العديدة، اتسعت الهوة بين الانظمة وشعوبها، وأدت إلى هذا الانفصام الحاد النكد بين مشاعر الطرفين، ومصالحهما المرتبطة والمشتركة. فتخالفت هذه المصالح لتصبح إحداهما على حساب الأخرى، وأصبح الخوف والتوجس والشك يلازمهما. فيلجأ الحاكم لمزيد من الظلم كي يأمن على نفسه، بينما تتخذ فئات الشعب المختلفة أشكالا سلبية للتعبير وتلتزم الصمت، ثم ترى الصورة قاتمة ذاهبة إلى الإنهيار. فيما أخذت ـ في المقابل ـ شلل الفساد تبنى جسورا لها في مفاصل الدولة، وتهيمن على مراكز الثقل فيها، فتفشل مشاريع التنمية، وتنهار البنى التحتية. لا بل حتى المشاريع القائمة قبل تلك الأنظمة تسقط هي الأخرى.

لا أبشع من أن يفقد المواطن كرامته وعزة نفسه، وتداس آدميته بالأقدام، وتمارس عليه فنون متنوعة من البطش والإهانة. ثم نتوقع أن يخرج من هذه الأٌتون مواطناً صالحاً يبتغي العزة والكرامة لبلده!! وهو ـ في حقيقة الأمر ـ قد نزعت منه، فتوشح بالخوف، وإنكسار النفس، وجرع الذل بإيدي بني جلدته!!

إنها حالة مزرية مؤرقة بالفعل حين يتوجس الحاكم، ويخاف من شعبه، فيزداد ظلمه. وحين يبحث الناس عن أمان فلا يجدوه فتهجر العقول، وتأسن الحياة. فتصاب الأمة بالتخلف وتتأخر عن مواكبة التقدم. ولايكتفي المستبد بما يزرعه من خوف في قلوب الناس. بل يزداد تخبطه حين يشعر بالخطر الخارجي الذي يهدد أمنه وأمن بلده، فيرفع شعار المواجهة للعدو الخارجي، بينما لا يزال فعله هو الظلم والإفساد، والرأي الأوحد الذي أحل البلد دار البوار!! لا تتقدم خطوة إلا لتنتكس إلى الخلف خطوات.

يجب ألا يخشى من أدركوا حجم هذه الكارثة ـ وهذا الإنفصام النكد ـ من إزالة هذه الفوارق، وإحلال الشعور بالثقة محل الخوف، والمواصلة في مسيرة التقريب بين الحاكم والمحكوم، بين الخائف والمخوف منه لكليهما. فالواقع الماثل أمامنا هو الخطر الداهم على الوطن برمته، والذي تتنازعه ـ للأسف ـ أهواء الحاكم ومخاوفه، وأطماع الخارج وخطورته، وسلبية المواطن وغفلته.

كل هذا يجعل ضرورة التقريب ولملمة الأجزاء المتناثرة والمتباعدة، لنجعل منها كيانا واحداً يسع الجميع، عصي عن التفتيت والتجزئ. لاعيب ولا ضير في أن يبرز هؤلاء الناس مادام الهدف هو لملمة الشمل الوطني بمشاركة الجميع. ومادام الغاية هي المصلحة العامة. ثم مادام هذا الوطن الذي أرتفعت أعمدته هو للجميع . كان لابد من قيام مجموعة إصلاحية تتعاهد على فك الارتباط بين الظلم والخوف، وإزالة تلك المخاوف والهوة المدمرة لنهضة الدول وقيام الحضارات.

إن الموقف الوطني الموحد الذي كان حلم الشعب بدأ تلاشيه منذ بدء إنتهاك حقوق المواطنين بـ تعليقهم على أعواد المشانق في الشوارع، ونهب أموالهم وثرواتهم، وإغتصاب أملاكهم، وتجميد القوانين المنظمة لشؤونهم. فـتجاوز الفساد والإنتهاكات كل الحدود، فلم يكن لصالح الدولة، ولا لخدمة أمنها. وإنما وفقاً لنزوات وطغيان حكم الفرد وخوفه من أن يعترض قراره مواطن أو مؤسسة. فأصبح ذلك الحاكم خطراً على نفسه، وعلى شعبه. ثم بعد ذلك أصبح قبله لأطماع الطامعين في البلد وخيراته.

لهذا وذاك تنادت صيحات الإصلاح من أفواه فئات من الشعب عندما أحست بالخطر. فتناست جروحها، وارتفعت على آلامها لما تراه من الخوف والجبن الذي شلّ حركة الحياة. فأرادت ردم تلك الهوة، وإعادة البناء على أساس سليم.

منذ البداية هذا التشكيل الاصلاحي الذي بدء ينهض لم يستثن أحداً على الاطلاق، حكاماً أو محكومين. لا من رموز الأنظمة ولا من فئات الشعب، وهو لم يتخذ موقفاً سلبياً، حتى بالنسبة للذين كانت سوابقهم غير مرضية. والمؤكد أن هذا التوجه هو الذي سيحقق الشعور بالأمن الذي يبحث عنه الجميع، ويمنع التدخل الأجنبي ويقطع عنه السبيل، فلا يجد ثغرة للدخول منها لـ نصرة طرف على آخر. لأن هذا التوجه يقدم المصلحة العامة على المصالح الخاصة، ولا يبحث عن السلطة.

ماذا يمكن أن تكون الصورة عليه لو لم ينادى هذا التيار بردم هذه الهوة، ويتم التصالح بين الأنظمة وشعوبها؟ هل ستنهض هذه الدول، وتخرج من دوامة العنف والخوف، والعنف والخوف المضاد؟ وهل ستجد وقتاً للإستقرار والثبات حتى تتطور؟ إن ما هو مؤكد ولا نقاش فيه أن الإستبداد يؤدي إلى هدر الطاقات، وينتج نماذجا معدلة وراثياً تتقن فن الخوف. تأكل وتتنفس به، فلا تجد مجالا حتى تفكر وتبدع، وإن أتيحت لها الفرصة فلا تعرف كيف تستثمرها!! لأنها لم تتربى في بيئة الحريات والإبداع.

لن يكون هناك خوف على انهيار الدولة أو مؤسساتها، أو أن يتلاعب بها السفهاء (القطط السمان)، إذا تساوى الجميع أمام القانون. وضمن الناس على حياتهم وحياة أولادهم، وشعر الجميع بأن الوطن ملكهم وحدهم ليس حكراً على أحد. ولمزيد من الايضاح فإن ثبات القوانين وتطبيقها على الجميع، هي التي تجلب الشعور بالأمن والطمأنينة، وتبعث على الاصلاح. أما ثقافة قانون الطوارئ والأحكام العرفية، والاستثنائية فهي التي يغيب معها الوعي، ويختبيء في دهاليزها التفكير، وتعطل في زنازينها الطاقات، وتجعل من البلاد بلاد خوف وحرب.

لم يسبق لمستبد أن نقل بلاده لشاطيء الأمان، ورفعها من التخلف بسياسة الترويع والقمع. بل المعروف هو تفاقم الأزمات، ومعالجة الأزمات بالأزمات، والدوران في حلقات متشابكة من خوف إلى خوف. وتخويف من الانفتاح إذا سمح به أن يزاح.

مصطفى الرعيض


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home