Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Writer Mustafa al-R'aidh
الكاتب الليبي مصطفى الرعيض

مصطفى الرعـيض

Saturday, 24 March, 2007

قـصـّة واقـعـيـة

مصطفى الرعـيض

(1)
الطائر الأسود

كان انقضاض الطائر الأسود سريعا، وهجمته شديدة على الحمامة البيضاء. لم تستطع التفلت من مجال رؤيته. تحاشته وحاولت أن تلتقط أنفاسها، وأن لاتهاجر عشها، لكنها عبثا هذه المرة، فقد أراد الطائر الأسود أن يقضي عليها، وأن لايكون لها أثر. قصّب جناحيها فلم تستطع الطيران، وقيّد رجليها فعجزت عن الحركة، وأراد وأدها، والتشفي منها، لكن مشهد انتصاره لم يكتمل، فقد أختفت الحمامة من ناظريه، ولم تعد تحت سيطرته مع ضعفها وقلة حيلتها.

كيف أختفت؟ وإلى أين ذهبت؟ أسئلة لم تجد جواباً في حينها، وجعلت الطائر مغتاظا.

نهضت الزوجة من هذا الحلم المفزع، و تحيرت في تفسيره. أخبرت زوجها به. حاول الزوج إخفاء اضطرابه محاولا تجاهل هذا الحلم المفزع. فزوجته لاتعلم عن علاقته بأحد التجمعات السلمية المحظورة في بلده الذي يمنع أي تجمع أو تكتل.

كان القبض على أشده، ومداهمات البيوت لم تستثن إلا القليل، والقبض بمجرد الإشتباه. فقد كانت سنة 98 سنة كبيسة حبلى بالأحداث المريرة في ذلك الوطن العزيز. مطاردات في الشوارع، سحل للجثث، تفجيرات لشباب في ريعان العمر!! معارك بالرصاص الحي كانت رحاها تدور بين جيوش الأمن والإستخبارات من جانب، وبين بعض الشباب الرافض للوضع القائم من جانب آخر في شبه حياد وصمت من قبل الناس والمواطنين، وفي غياب تام للإعلام وتفسير للأحداث!!. رغم تلك الأخطار المحيطة كان يرى ضرورة العمل على تحسين تلك الأوضاع، وتوجيه الناس نحو إصلاح البلاد والعباد، فغامر بنفسه، وبمستقبله الوظيفي، فكل شيء يهون من أجل رفعة بلاده ونهضتها.

نهض مصطفى من فراشه ليستعد ليوم الجديد، ورغم ما يشاهده في الشوارع، وداخل المجتمع من مظاهر سلبية إلاّ أنه حاول أن لا ينفصل عن مجتمعه المدني ليشارك بما يستطيع عبر تجمعه الدعوي رغم ما يكتنفه من مخاطر، وعبر وظيفته بما يستطيعه من جمع التبرعات للعائلات الفقيرة، أو مساعدته للمواطنين في تسهيل إجراءاتهم بمصلحة الجمارك، أو عبر نشاطه في توزيع الشريط الدعوي الذي يحث على الخير والأخلاق الفاضلة من صدق وتمسك بالمباديء وتوضيح للمعاملات الصحيحة.

كانت كل هذه الأعمال تتطلب منه إجتماع وتلاقي وتشاور مع أهل الخير والصلاح، وكان هذا يعرّضه للرصد والترقب, وكان يحرص كل الحرص على أن لا ينكشف أمره, وكان في تلك الفترة في دورة لغة انجليزية مٌفرغ لها, فانطلق من بيته قاصداً مكان الدورة.

(2)
سابينة تلك المرأة القاتلة

على مقاعد الدراسة من جديد، بعد أن تهيئت له الفرصة لتعلم اللغة الأنجيلزية، جلس مصطفى يستمع لدرس اللغة. درس يتناول شخصية زوجة اسمها (سابينة) كانت برفقة زوجها. استأجرت أحد الفنادق و قامت بقتل زوجها بواسطة نبتة في مزهرية وضعت فيها سٌما من نوع خاص، وكان في الدرس كلمات ومصطلحات لم يعلق في الذهن منها إلا اسم سابينة.

انتهت الحصة بموت الزوج، وذهاب مصطفى إلى مصلحة الجمارك القريبة من المكان يستطلع الأحوال علّه يجد مٌحسنا فيدله على بعض العائلات الفقيرة كي يعطي صدقته وزكاة ماله لبعض العائلات. كذلك مواصلة لزملاء المهنة، ومتابعة ما يجري من مستجدات في العمل.

لمح في مدخل المبنى إعلانا عن مسابقة لإكتشاف المبدعين والكوادر من خلال منح جائزة مالية لأحسن بحث يكتب عن الجمارك، وينشر في مجلة الجمارك. كان عنوان البحث ( كيف نخلق رجل جمارك ملتزما)، وحددت له محاور ثلاث. أخذته الحماسة والأمل في الحصول على الجائزة المالية، ونشر بحثه في المجلة، فقام على الفور بكتابة محتوى الإعلان على ورقة والإنصراف إلى بيته.

(3)
بداية حلم جديد

اتخذ زاوية من صالة بيته كمكان للكتابة وإعداد بحثه، فبدأ بهمة ونشاط محاولا تجاهل الخطر المحدق، وتبعات انضمامه لجماعة العمل الدعوي. وفيما كانت المداهمات مستمرة والحملة الأمنية على أشدها، كان مصطفى يٌجهز بحثه على أمل الفوز بالجائزة المالية لتحسين ظروفه المادية، وتسديد بعض ديونه.

لم تكن أم بنان ـ زوجته ـ تدري عن انضمام زوجها شيئا، وإن كانت تشعر بحركته، وقدومه متأخرا للبيت في بعض الأوقات!! وكانت تحس بإن ورائه شيئا لم تستطع تبين كنهه، وفرحت أن وجدت زوجها مشغولا بشيء يعمله في البيت، مٌتحمساً يكتب ويبحث.

أخبرها زوجها بالمسابقة، وبالجائزة المالية المترتبة على فوزه بالبحث. تفائلت خيرا ووجدتها فرصة لتخبره بحلمها الجديد، رابطة حلمها بإعداده للبحث فقالت له: حلمت بأننا سنسافر ونعيش خارج البلد، وقد حلمت بسفينة تقلنا لشاطيء آخر.

كانت نظرات الزوج مليئة بالسخرية الحزينة، والشفقة على الزوجة الحالمة التي لاتدري ما ينتظر زوجها من تبعات ومشاق وخطر محدق، وهو الذي حاول مراراً وتكراراً مع مسؤوليه في العمل للحصول على دورة خارجية يزيد بها خبرته الوظيفية في مجال عمله كما تحصل عليها غيره، فهو أدرى منها بالظروف.

لم يكن يتخيل أمام ناظريه إلا حبل المشنقة، وزنزانة سوداء كئيبة لايدري كيف يكون حاله فيها، وهي ـ في المقابل ـ تُخبره بسفر وعيش في الخارج!! وطرقات زوار الليل يترقبها تطرق بيته في كل لحظة وحين، وهو في كل يوم يسمع بالقبض على أشخاص كان قريباً منهم.

قال ـ مُعقبا على حلمها ـ هي مجرد جائزة مالية في حالة فزت بالبحث ـ ولا أظن أنني سأفوز به ـ كون المصلحة بها فطاحل كثيرين، وأصحاب خبرة ودراسة ( نسي أن كثيرا من الموظفين بمصلحة الجمارك لم يعد مهتما أصلا لا بالبحوث و لا بغيرها، مما جعل له فرصة أكبر في احتمال نجاحه)

ردت الزوجة ـ مستغلة توقعه السلبي ـ الجائزة لي إذا فزت بها.

قال دون تردد أو تفكير ـ حتى لا يصيبها بإحباط آخرـ لك ذلك.

(4)
الجائزة

فيما كان مصطفى يواصل دورته في اللغة الإنجليزية، كان قد أتم بحثه وأرسله لمصلحة الجمارك، وكان ـ في المقابل ـ الخطر يقترب منه أكثر وأكثر بانقطاع الأخبار عن بعض إخوانه. تفاجأ مصطفى بخروج بحثه ـ كمقال ـ في مجلة الجمارك علامة على نجاح بحثه وسط ذهول في أيهما أسبق إليه. الجائزة مالية؟ أم القبضٌ عليه وتغييبه في السجون؟

كانت الأحوال لا تسر، وكانت الأحداث تتوالى، ولكثرة المداهمات والقبض أبلغه أحد أصحابه بوضع جواز سفره في جيبه دائماً. حتى وهو نائم لا يفارقه!! فأصبح يعد نفسه للأسوأ. يعد نفسه للهروب وترك كل شيء.

أين يهرب؟ ومتى؟ وكيف؟ لا يدري شيئاً.

في صباح يوم جمعة حزين باب بيته يطرق على غير العادة!! شقيق أحد أصحابه جاء مهرعا إليه فزعا قائلا: جاءونا هذا الصباح، داهومنا فجرا، قلعوا الباب، أخذوا أخي، أخبرني بإبلاغك.

جمد مصطفى مكانه، وكانت زوجته خلفه تريد معرفة ما يجري. التفت إليها ثم أمرها بتجهيز حقيبة ملابسه، ليعود لإخذها لاحقا. خرج مسرعاً محاولا إخبار أول من يجد من أصحابه تاركا زوجته في حيرة من أمرها، مندهشة مما حدث، ومن ارتباكها واضطرابها لم تعد له حقيبة السفر، وشعرت بانقضاض الطائر الأسود، ولم يعد هو أصلا لذلك البيت منذ تلك اللحظة.

كانت تلك الأيام الثلاثة من أقسى الأيام التي مرت على أصحابه. أعتقل فيها الأمن أصدقائه، ومٌشطت فيها البلاد من شرقها لغربها، ومن شمالها لجنوبها. كشف فيها تنظيمه، فكانت رحلة الهروب ذات التفاصيل الكثيرة.

(5)
الهروب

أسرع يسابق الأحداث وينتقل من سيارة أجرة لأخرى حتى وصل الحدود الشرقية لبلده، وبلغ بوابة العبور لا كما يعبرها المسافرون بحقائب وزاد وعدة، لكنه عبرها بهلع وترقب وسرعة. وجد موظفاً يعرفه أطلق عليه السلام، وظنه ـ أي الموظف ـ قادماً لاستلام عملاً معه بالمنطقة. رحب به وأجلسه بجانبه، وساعده في ختم جوازه.

لاحظ مصطفى مسافراً يرقب ما يحدث بينه وبين زميله موظف الجمارك. هذا المسافر كان كثير السفر وزبونا دائماً على نقطة العبور من كثرة ذهابه وإيابه، فوجدها فرصة للتعرف على رجل جمارك جديد، ولم يدر في خلده أنه هارب، وأنه تخلى عن كل شيء، ولم يعد يفكر إلا في النجاة بنفسه.

تعارفا فكل منهما محتاج إلى الآخر، فالمسافر يريد كسب العلاقات والمساعدة، فيما كان مصطفى يريد أن يصل إلى أبعد نقطة ممكنة من الحدود حتى يأمن.

كان اسم المسافر منجي العجيلي، وما أن سمع مصطفى بالإسم حتى أدرك عناية الله له، وبأنه ناج وعلى وجه العجلة، وبأن الله قد سخر له هذا الرجل لينقله إلى بر الأمان اسبشاراً منه بالإسم. هكذا كانت رحلة السفر والصحبة مع منجي الذي كان برفقة ابنه الذي أنزله في أقرب منطقة ليبيع ويشتري السلع التمونينية، ويكسب شيئا منها كعادة كثير من الليبيين في محاولة لسد رمق جوعهم، فأوصله إلى الأسكندرية حيث تفارقا.

بقى مصطفى مختبئاً أياما يلتقط انفاسه، ويبحث عن مكان آمن غير مصر، لأنه لا يأمن على نفسه فيها لأكثر من أسابيع، حتى جاءته فرصة الذهاب لمحطة أخرى من محطات هربه إلى مالطا تلك الجزيرة الجميلة، والمليئة بالسياح.

كانت المصادفة التي ساقته إلى هوتيل اسمه (هوتيل سابينة)، ومع كون الإسم عاديا، إلا أنه حرك ذكريات وهيج فيه ما كان مذهولا عنه من شدة الصدمة والخوف.

سابينة، أهي رمز للسفينة التي حلمت بها زوجته التي لم يستطع أخذها وأولادهما معه؟ أم سابينة اللغة الانجيلزية؟ والتي ترك دورته ولم يكملها. مع كثرة الأحداث في مالطا علق به اسم الفندق أكثر من أي شيء آخر.

(6)
رحلة اللجوء والهجرة

من مالطا إلى مطار جنيف كانت رحلة اللجوء والهجرة التي ما خطرت في حياته، ولا في أحلامه أن ينتهي به المطاف بهذه الصورة، وأنه سيخوض تجربة جديدة من المعاناة، وأنه لن يكن مسافرا مرحبا به، وأنه سيظل ضيفاً ثقيلا على البلد، وسيدخل من مدخل ما كان يتمناه لنفسه لولا الظروف والقدر الذي ساقه إليه بهذه الصورة.

عاش مصطفى مدة سنتين وحده دون أهله، وتعثر الإتصال بهم، وعاش الغربة، وذاق العزوبة من جديد. فكانت ـ بحق ـ ثقيلة هذه الفترة عليه، لكنه عاش على حلم زوجته الذي تذكره بإنها ستعيش معه، وتلحق به كما جاء في حلم السفينة، وهو الذي جعله متفائلا رغم صعوبة الظروف.

في العام الثالث، وفي نفس مطار جنيف جاءت زوجته ليرسلوها إلى مقر اللجوء بجنيف لاستكمال بقية إجراءاتها، وزارها هناك وضم أولاده إليه.

لم يتمالك نفسه، لكن حبس عيناه من أن تذرف، والتحقت الزوجة بزوجها، وضاقت عاما كاملا معه قبل أن يتحصلا على اللجوء، ومرت عليهم السنون كما مرت على غيرهم من اللاجئين، ومازالا يعيشان على أمل أن يختفي ذلك الطائر الأسود، وتعود الحمامة إلى عُشها.

مصطفى الرعـيض
12/03/07
سويسرا
________________________

ـ رابط لـقـصـة واقـعـية أخـرى :
http://www.almujtamaa-mag.com/Detail.asp?InSectionID=2302&InNewsItemID=217092


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home