Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Writer Mustafa al-R'aidh
الكاتب الليبي مصطفى الرعيض

مصطفى الرعـيض

Saturday, 9 September, 2006

وقـيّدت ضدّ مجهـول

مصطفى الرعـيض

في خطاب العقيد القذافي مع الفعاليات الثورية في مدينة البيضاء شرق البلاد ، تم تقييد جرائم الفساد واختلاس المال العام ضد مجهول ، فقد أُمهلت " القطط السّمان " أربعة أشهر لتسوية ملفاتها وإعادة ترتيب أوراقها للتكيف مع المرحلة الجديدة وهي مرحلة الانتقال بالبلاد من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة، والتوبة المطلوبة من الثوريين المتورطين فى نهب المال العام وقضايا الفساد تعني الكف عن الاستمرار في النهب وينتهي الأمر ، أي أنهم لن يتعرضوا الى مساءلة وملاحقة "من أين لك هذا" ولن يقدموا للمحاكمة جراء استغلالهم لمناصبهم والثراء غير المشروع ، إنها تشبه الى حد كبير توبة النظام الليبي فى المرحلة السابقة عن كل ما قام به من مغامرات أضرت بالشعب الليبي وتعارضت مع مصالحه ، فقد تم التبرؤ من كل تلك الشعارات ، وتمت التوبة عن معاداة الغرب ، وتم التنكر لكل تلك المواقف التي دفع ثمنها الشعب الليبي المليارات من خزانته دون مساءلة أو محاسبة عن كل تلك الأخطاء والكوارث خلال فترة دامت أكثر من ثلاثين سنة ، وقيدت ضد مجهول.
وعلى اللجان الثورية أن تتوب جميعها من هذه المواقف .

الشعب الليبي المسكين هو الذي عليه أن يدفع دائما ثمن هذه التوبات والمراجعات ، مرة من دمه حين تم قمعه وإرهابه بحجة الوقوف فى وجه العدو الخارجي المتربص بالوطن فلا مجال الآن لحديث عن أية إصلاحات داخلية تشغلنا عن المعركة الأساسية "فلا صوت يعلو على صوت المعركة" ومرة يدفع ثمن هذه التوبة من أمواله وخزينة الدولة فكل من امتدت يده الى المال العام بغير وجه حق عليه فقط أن يقدم كشفا بما سرقه وحازه ثم تقيد الجريمة ضد مجهول وينتهي الأمر.

والآن وبعد طي صفحة الماضي على المستوي الخارجي تماما وغلق معظم الملفات العالقة مع الغرب ، جاء دور الملفات الداخلية التي أضحت أكثر إلحاحا وتأزما ولا بد من حلها للحفاظ على الاستقرار الداخلي للبلاد ، فلا بد من البحث عن كباش فداء جدد يكونون ثمنا لأخطاء المرحلة الماضية لذا لا نستبعد في المدى القريب أن تتم عملية إقصاء أو تصفية لرموز التشدد في حركة اللجان الثورية فى المرحلة السابقة وأصحاب التوجهات الأيدلوجية خدمة لتوجه سيف الإسلام الذي يحظى بمباركة القذافي الأب وبدعم كبير من شرائح من المجتمع الليبي خاصة شريحة الشباب التي تعتبر حل المشكلة الاقتصادية بإيجاد فرص عمل والحصول على شقة للزواج وتكوين أسرة على رأس أولوياتها وتأتي قبل الكلام عن الحريات العامة والدستور وغيرها من الإصلاحات السياسية الأخرى.

والخاسر الأكبر هم الشريحة العريضة من اللجان الثورية من الذين لم يلبسوا ثوريتهم بفساد مالي وانخرطوا فى هذه الحركة عن قناعة فكرية بما طرحته من أفكار ونادت به من شعارات حين تنتهي معان وثوابت رفعتها اللجان الثورية لفترة طويلة ، إذ بانتهائها قد ينتهي وجود الحركة نفسه ، عندها سوف يتلقى هؤلاء ضربة قاسية تهز من ثقتهم بالحركة وتنسف المصداقية التى قامت عليها " فيخرجون من المولد بلا حمص " ، فلا هم نهبوا أموالا واستفادوا كما استفادت القطط السمان ، ولاهم ظلوا بعيدين عن تحمل أخطاء وتجاوزات المرحلة السابقة خصوصا وأن عددا كبيرا منهم تربي فى أحضان هذه الحركة منذ الصغر وهاهو يرى كل هذه الشعارات والمبادئ التي نادت الحركة بها لعقدين من الزمن أو ثلاثة تنهار أمام عينيه وبأيدي مؤسسي الحركة أنفسهم.

إن مبادرة سيف الإسلام تشتمل على إيجابيات كثيرة ، فهي تخدم قضية الحريات العامة في الداخل والتى تعد قضية إجماع وطني من كافة الليبين ، وتتناول لأول مرة مسألة الدستور وتحترم حقوق الإنسان وتسعى لإشاعة الاستفادة من أموال النفط لأكبر شريحة من المجتمع بعد أن كانت لفترة طويلة " دولة بين الثوريين منهم" وتتحدث عن تطوير أهم قطاعين خدميين في البلاد والذين يمسان المواطن فى حياته اليومية بشكل مباشر وهما قطاعي التعليم والصحة ، وتضع حدا أدني للمرتبات وإن كانت لم تستطع بعد رفع السيف المسلط على رقاب الموظفين وهو قانون 15 لتحدد المرتبات الذي أشاع الفقر بين هذه الشريحة العريضة فى المجتمع بشكل عام فى ظل حالة تضخم تزداد ولمدة أكثر من خمسة وعشرين عاما والمرتبات هي نفس المرتبات. المبادرة أحدثت بشكل عام حالة من الحراك السياسي والاقتصادي العام فى المجتمع والذي نحن فى أمس الحاجة إليه فى مثل هذه الظروف ، والاستدراكات تأتي لاحقا ، وإدراك الكمالات فى كل شئ من الوهلة الأولي أمر عسير ، لكن المراهنة تتم على وعي المواطن وخاصة النخب بان تمارس عملية التوعية والرقابة على ما تم طرحه وعدم ترك الباب مشرعا أمام المفسدين والنهابين لإجهاض المشروع ، وربما بدأت بعض هذه المحاولات بطرح المشاركة فى إنجاز هذا المشروع وتنفيذه من قبل نفس الشريحة السابقة مما قد ينحرف بالمشروع عن أهدافه ويسبب فى حالة إحباط كبيرة لدي المواطن تفقده الثقة فى أية تحسين للأوضاع وتدفع به الى خيارات العنف والفوضى ، إن هذه المبادرة تحتاج لتنفيذها الى دماء جديدة لم تتلوث بأخطاء الماضي الجسيمة ، ولم تفقد مصداقيتها أمام المواطن ، لكي يتم التعاون معها والالتحام بها من أجل تنفيذ ما تم طرحه فى مبادرة سيف الإسلام ، بل لابد من رفع يد اللجان الثورية عن الوصايا على مؤتمر الشعب العام والهيمنة على مؤسساته لكي يستطيع القيام بدوره المنوط به ، ومن الطريف أن تستدعي استحقاقات المرحلة القادمة للبلاد سواء على المستوي الخارجي فى عودة العلاقات مع الغرب والذهاب الى درجة التعاون وربما التحالف فى المرحلة القادمة ، أو على المستوي الداخلي مع ما تم طرحه فى المبادرة لتحسين الأوضاع الداخلية التخلص من الحرس القديم أو إعادة تنظيم وجوده وتقليم أظفاره وتحجيم دوره بحيث يتم التحديد من سطوته على مقاليد الأمور لان دفع فاتورة استمراره باتت مرهقة للنظام على المستويين ، ولابد من لجمه للمحافظة على الاستقرار السياسي للبلاد الذي يعد مطلبا أساسيا للأطراف الخارجية والداخلية على حد سواء ، وياعتباره يتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية عن أزمات البلاد على المستوي الداخلي.

تظل نقطة مهمة ينبغي الإشارة إليها ، هي أن الكثير مما طرح فى مبادرة سيف الإسلام وكذلك ما تتناقله وسائل الإعلام من الشروع فى القيام بمشاريع كبرى سواء فى مجال البنية التحتية أو الاستثمار الأجنبي أو الانفتاح على العالم الخارجي عن طريق السياحة وغيرها من البرامج لا نلمس فيه مراعاة لخصوصية المجتمع الثقافية ، وحفاظا على هويته التى قد تتعرض للخطر إذا ما تم القبول بهذه المشاريع دون مراعاة لما سوف تجلبه للمجتمع من قيم وأفكار وعادات غريبة عنه وربما الكثير منها يصطدم مع هويتنا الثقافية وانتمائنا العربي والإسلامي ، والذي متي ما تم تجاهله فإن تبعاته سوف تجر علينا الكثير من الأمراض والمشاكل التى تهدد هويتنا وتعتدي على ثوابتنا وتجرنا الى إشكالات كثيرة نحن فى غني عنها ويمكن تلافيها إذا ما تم التوفيق بين الإصلاح السياسي والازدهار الاقتصادي والتقدم التقني وفق رؤية شاملة تنبثق من قيمنا وإرثنا الحضاري وتراعي خصوصيتنا العربية والإسلامية.

وهذا الخطر هو ما يحتج به بعض رموز اللجان الثورية المتنفذين لمنع هذه المبادرة والاصلاح، وللحد من مثل هذا الخطر الداهم أن تتكون مؤسسات مدنية وجمعيات وتيارات تشارك في تحمل الاعباء الوطنية كي تخفف حجم الضغوط الخارجية على النظام ، وتمنع الضار منها من التوغل في مجتمعاتنا.

مصطفى الرعـيض
سويسرا


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home