Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mahmoud al-Rahhal
الكاتب الليبي محمود الرّحال

Saturday, 7 October, 2006

 

القذافي .. أسطورة حيّة ( أفعـى )

محمود الرّحال

ـ الجزء الأوّل ـ

لعلي كنت محظوظًا بتواجدي في لندن في وقت تزامن فيه عرض مسرحية القذافي : أسطورة حية .. حيث تمكنت وبفضل أحد الأصدقاء من الحصول على تذكرة دخول لعرض اليوم الأخير .. ولا أبوح بسر إن قلت إني كنت متلهفا لحضور العرض لأرى الدافع وراء تقديم عمل حول شخصية القذافي تحديدا .. وهل حقا تستحق هذه الشخصية كل هذا الاهتمام لتقدم على دار الأوبرا الانجليزية .. المهم بدأ العرض وكانت بداية مفعمة بإشارات تدل على أن العرض معد لغرض تبجيل هذا الشخص وتسويقه من جديد وبشكل مختلف لرجل الشارع الغربي والانجليزي خاصة .. ترفع الستار ليظهر شخص متلفع بعباءته وسط الصحراء وكأنه ناسك أو راهب .. أو لعله نبي - كما سبق وادعى القذافي نفسه - .. موسيقى مناسبة للحدث .. تظهر بعدها بدوية تقوم بملء جرتها من البئر يصحبها طفلها ابن الأحد عشر ربيعا تقريبا ..

في هذا المشهد القصيرالسريع حاول المخرج تقديم الشخصية الرئيسية ( القذافي ) وكأنه ذلك الملهم الذي نشأ وترعرع في الصحراء ثم اتخذها بيتا مبتعدا عن المدنية وزخارفها .. يليه مشهد تالي يظهر الوجه الآخر لشخصية البطل .. البطل المحاط بحرسه من النساء اللاتي يقومن ببعض الرقصات المصاحبة بالغناء .. يعبرن فيها عن ولائهن له واسستعدادهن للدفاع عنه بأرواحهن .. تتتابع الأحداث ويحاول المخرج أن يعطينا نبذة عن ليبيا قبل القذافي فيظهرها على أنها عبارة عن بادية فقيرة .. صحراء مقفرة يغزوها الطليان بجحافلهم .. فيتصدى لهم هؤلاء البدو .. وكأني بليبيا ليست سوى بادية وصحراء .. إذا كان بإمكان المخرج اختيار صورة لمدينة طرابلس عاصمة ليبيا وعنوانها .. وهي أول مدينة غزاها الطليان ..

المهم في هذا المشهد استغل المخرج السينما أحسن استغلال بجعلها ليست فقط خلفية للمشهد تروي بعض الأحداث ولكنها كمشارك في الحدث ، حيث خلق نوعا من التمازج بين المشهد العام على الركح وبين الخلفية السينمائية المصاحبة ، بالربط بين العنصرين وخلق حدث واحد تتشابك فيه العناصر ، فنشاهد تقدم جحافل الغزاة على الشاشة السينمائية .. في الوقت ذاته يظهر بعض الأهالي من البدو على الركح يهبون للدفاع عن أرضهم بما توفر لديهم من سلاح وعصي .. يشتبكون مع الجحافل المتقدمة فيمتلء المسرح بالدماء والضحايا .. يلي هذا المشهد .. مشهد القبض على شيخ الشهداء ( عمر المختار ) وإعدامه أمام حشد من الأهالي .. ترتفع جثته بعد الإعدام إلى فوق وتختفي في أعلى المسرح يتبعها محاولة شابين من الأهالي تسلق خلفية المسرح لللحاق بجثة شيخ الشهداء .. وكأني بالمخرج قد عنى من خلال هذا المشهد الإشارة إلى أن هولاء الشباب قد ساروا على نهج عمر المختار من أجل تحرير ليبيا من الغاصب المحتل .. دلالة فيها من العمق ما فيها رغم بساطتها ..

تتتابع المشاهد لتظهر في خلفية المسرح مجددا آليات شركات النفط التي دخلت ليبيا للتنقيب عن النفط .. تتكاثر هذه المعدات وآلات الحفر حتى تملء خلفية المسرح .. موظفا الشاشة السينمائية للتعبير عن جشع هذه الشركات وتهافتها على النفط من خلال سرعة وتكاثر هذه المعدات في الخلفية السينمائية .. وهنا استطاع المخرج أن يوظف الخلفية أيما توظيف .. ليظهر بعدها الملك ( ادريس السنوسي ) يتبع أحد الغربيين لعله أحد أصحاب الشركات النفطية الكبيرة ليعطي دلالة أو ليقول للمشاهد إن الملك لم يكن سوى شخص خانع ذليل تابع للرجل الغربي .. فيعطي انطباعا يشي بضعف وهزلية هذه الشخصية .. ثم يعود ليقدمه وهو يحاول تهدئة الجماهير الغاضبة التي خرجت في مظاهرات تنديد للوجود الغربي في ليبيا .. لنشاهد من بين هذه الحشود ذلك الطفل البدوي الذي كان في بداية العمل يتبع أمه البدوية التي تملء الماء من البئر .. وكأني بالعمل يحاول أن يكرس مقولة القذافي بأنه شارك في التظاهرات الطلابية منذ طفولته عندما كان في المرحلة الإعدادية.

في هذا المشهد يظهر الملك مجددا كتابع للرجل الغربي حيث يخرج من المسرح ذلك الرجل الغربي خلفه يخرج الملك فأفقده بذلك هيبة الملك .. تتابع الأحداث ليعاود العمل التركيز على الحرس من النساء مجددا بإظهارهن حول الزعيم يقومن بالحركات الرياضية الراقصة يعبرن مجددا عن استعدادهن للموت دون هذا الملهم البطل .. تتابع الأحداث في خلط واضح بين عهدين .. العهد الملكي القديم وعهد الزعيم الجديد .. ويقوم بعرض مقارنة بين المرأة مع الزعيم في عهد الزعيم ( القذافي ) وبين المرأة في عهد الملك والتي لم تكن سوى راقصة تسقي الخمر للثمالى وتتغنج حولهم وتقوم برقصات شرقية .. لا يعني هذا المشهد الكثير في بداية الأمر .. ولكنه لاحقا وباستعمال نفس المكان ونفس الديكور كقصر للملك يكتمل المشهد ويظهر بوضوح ما عناه المخرج من ذلك المشهد الراقص ليعطي انطباعا بأن عهد الملك لم يكن إلا عهدا للمجون والخمر خاصة بعد اكتشاف النفط واستخراجه ..

المشهد التالي يُظهر بعض الجنود يخططون للقيام بعمل ما من بينهم بالتأكيد ذلك الزعيم الملهم الذي يقود الجموع ويحدد يوم الحسم ( الفاتح من سبتمبر ) موعدًا للثورة رغم محاولة أحد رفاقه التأجيل .. حانت ساعة الحسم .. ساعة الصفر .. فيهاجم هولاء الجنود قصر الملك ليجدوا أن الحراس حول القصر ليسوا سوى رفاقهم وأنهم كانوا في انتظار قدومهم .. ولا تغيب هنا سيارة الفولكس عن المشهد إذا يشركها المخرج في الحدث وكأني بها أحد أهم عناصر عملية الإنقلاب ..

كل ذلك يحدث ووسائل الإعلام في حالة تخبط - بل والعالم بأسره ـ لاعتقادهم أن عبدالعزيز الشلحي هو من قام بهذا الانقلاب من خلال ظهور المراسل الذي يظهر في إحدى شرف المسرح كمراقب للأحداث وليس جزء منها .. وهكذا ينتهي عهد ليبدأ عهد جديد .. لا يخلوا العرض من خلط متعمد للأحداث بالتركيز على العام 1986 كحدث رئيسي في العمل والذي يشكل نقطة ارتكاز عامة حيث وخلال هذه المشاهد التي سردناها يخرج من حين لآخر الزعيم وحرسه وبعض رفاقه حتى يؤكد أن المشاهد التي تظهر من تاريخ ليبيا في عهد المملكة ليست سوى فلاش باك .. خاصة مع وجود التاريخ 1986 في أعلى المسرح طوال دقائق العرض ..

بعد مشهد الانقلاب الأبيض تظهر على الخلفية السينمائية للمسرح صورة جمال عبدالناصر وليؤكد العمل أن هذا النظام ما هو إلا امتداد لعهد جمال عبدالناصر ويؤكد في ذات الوقت مقولة عبدالناصر بأن المنطقة بحاجة إلى زعيم وكأني بهذا الزعيم ما هو إلا معمر القذافي .. يظهر الزعيم متأملا صورة جمال عبدالناصر في خلفية المسرح مظهرًا عزوفه عن السلطة منزويا بنفسه راغبا عنها رغم محاولة رفاقه ثنيه عن رأيه ومحولاتهم المتكررة لإقناعه بالعدول عن رأيه وتسلم مقاليد الحكم .. تمر فترة من الزمن يظهر فيها رفاق الزعيم في حالة ارتباك وتخبط مع موسيقى ورقصات مناسبة ليظهر بعدها الزعيم وفي يده اليمنى كتابه الأخضر ليتحول المسرح ومن خلال الإضاءة إلى اللون الأخضر الذي غطى المكان حتى وصل إلى كراسي المشاهدين

.. مع موسيقى مناسبة فيها مزج بين موسيقى الراب وبين الموسيقى الشرقية - والتي كانت بحق أحد أهم عناصر العرض بل أفضلها على الإطلاق - ساهمت كثيرًا في خلق جو حالم طقوسي انتشل المسرحية من الركود والممل كما ساعد المخرج أيضا قصر المشاهد وتنوعها في انتشال العمل من هفوات في الإيقاع كادت أن تقضي عليه .. وانتشال الجمهور من حالات الملل التي سيطرت عليه في بعض مشاهد العمل .. بانتشار اللون الأخضر على الركح وبعض أجزاء القاعة .. ينتهي الجزء الأول من العمل ..

ليكون لنا موعد وبعد استراحة قصيرة مع الجزء الثاني .

محمود الرحال
جنيف
20 . 9 . 2006


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home