Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mohammed Mohammed al-Mufti
الكاتب الليبي د. محمد محمد المفتي


د. محمد المفتي

السبت 27 مارس 2010

ترك لنا شعاع الشمس... وإرتحل

د. محمد محمد المفتي

أويا
www.oealibya.com
الخميس 25-3-2010


شاعر ليبيا محمد الشلطامي

وأخيرا، خفت صوته المجلجل .. المـنـدد بالعـسـف والمتحدي للظلم.. الشـاعـر الذي واجـه كل ما لحـقـه من حـيـف بتأكيـد بداهـة مثـل:
’’ كيف يخـفـون شــعاع الشمس إن كان معي؟
كل قلب شـمـسـه فيـه !‘‘.
تعجز الكلمات العادية عن رثاء الشـاعر الشلطامي، وهو الذي نسج منها ملاحم وأناشيد لا تضــاهي .. فقد عاش مهموما بهذا الوطن، عاشقا للحرية .. مـدافـعا عن الإنسان أينما كان.
وقـد كان الشلطامي في شـعره صـادقا مع نفـسـه مثلما كان في حـياته اليومية. عاش فـقـيرا .. لكنه عاش عـفـيـفا .. ورفض كل المغريات مرارًا وتكرارًا ..
بل والمساعدات البريئة حتى من أقرب الناس إليه.

الشـلطامي
تـعـود معرفتي بالمرحـوم محمد الشلطامي إلى أواخر الستينيات .. بعد خروجه من السجن .. وكان قد اعتقل ضمن المتهمين بتشكيل حركة القوميين العرب سـنة 1967.
عرفته شخصية مرحة ، وصاحب تعليقات مفاجـئة .. ومدمـنـًا للشطرنج. لكنه كان دائما صاحب ذاكرة موسوعية مذهلة لكل ما قـرأ .. حتى وإن لم يكن صـاحب ذهـن تحليلي .. ربما لأن ذهنه كان مبرمجا للتعامل مع الصورة والحدس.
قـصـائد الشـلطامى تـخـلــقت دائما من جوف الأحـداث. من مـحـنـة أو فـجـيـعـة عـامـة. ولـذا كان دائـما من اليســير على الشـارع السـياسي أن يســتعـيـرهـا ويتـمـثـلـها.
لكن الـقـراءة المـتـأنـيـة ، تكـشـف أيضا، أن قـصــائد الشـلطامى تأبى أن تـتـحـنـط فى الأحـداث. فـهـي تـســبر ما هـو أعـمــق وأبـعـد. ونـســمـعـه دائما فى تـأمـلاتـه .. يتوقف عـنـد مأزق الإنـسـان فى هـذا الكــون .. كما يرســم لـنـا ملامـح ثـقــافـة حــائرة، تـتـرنـح بين التـبـجــح والفـشـل .. فيـنـعى إليـنـا أحـلامـنـا ؟!
وفوق ذلك فقد كان الشلطامي صـلبا ، بروح المناضل المدافع عن قناعاته كما نلمس في قصيدة اعترافات السهروردي إذ يقول، في صياغة وجـودية لا لبس فيها، وبلـغـة تلامس إيقاعـًا صـوفـيـًا هـادئا في تســاؤله:
’’ أتـرى أنـك لو سـلـمـت فى الظـلـمـة للــّيـل يـديكَ
وبـدا وجـهـك فى المـرآة مـحـبـوسـا ، ولا أين إليـكَ
أتـرى أنـك لا يـقـتـلـك الحـزن عـلـيـك ؟‘‘.

شــعـره
الانطبـاع السـائد أن شـعر الشـلطامي كان صـداميا .. كما نلمس في قصيدة "أغنية عن الغضب" ( مارس 1973 /مجموعة عاشق من سدوم ) حين يدعوا:
’’ قاوموا أعداءكم /
وارفضوا القرارات التي تنعي لكم أنفـسكم .......‘‘.

أوتأكـيــده:
’’ ما كنت بالخرز الملوّن والـِـهـًا ،
" قـاوم "
سـتصـبح صرختي وشـعاري‘‘.

لكنك تلمس خيطـًا من الشك والحزن وخيبة الأمل ، يسرى بين سطور الشلطامي .. ربما وليدة صدقه وإدراكــه بأن كل شئ في هذه الحياة مـغـامرة مجهولة العواقـب .. الإبداع .. الالتـزام الأخـلاقي .. النضال من أجل قـضـية .. بل الحـياة، مجـرد الحياة .. مضنية مثـل صـعـود جـبل .. يـشدك الفضول والأمل .. لكـنـها رحلة نحو المجـهـول .. وإلى الـفـنـاء .. كما في قصيدة الجبل ( سـنة 1968 / مجموعة أنشودة الحزن العميق ).
’’عند ما تذبل في الأعماق أزهار الجروح،
يعطش المرء، فيمضي
باحثا عن وجـهه الآخر في أعلى الجبل
........
قال: ظلوا يأتون في الليل كما جئت وحيدا
.....
صـعـدوا فافـتـتـنـوا
فانتحروا
إنما إصـعـد !‘‘.

وقـوله في قصيدة الليل في المدائن الكبيرة:
’’إن هذه الأزمان عاهـرة
عاهـرة كبيره
وليس من يطالهـا
إلا الذي يخلع في حـذائه ضـمـيره !!‘‘،
(مارس 1971 / أناشيد عن الموت والحب والحرية).

ولعل رهافـة إحساس الشلطامي هي التي منحـتـه تجلياته الأقرب إلى نبوءات العرافين، كما في قصيدته تذاكر للجحيم :
’’يحدثني الصوت:
أن السيوف التي مزقـت هامة الشــّـمْر
عادت لتـسـتـل قـلب الحسين
وأن الذئاب التي افـترست قاطع الدرب
عادت لتـفـتـرس العابرين!!‘‘.

ولادة قـصـيدة
الشلطامي .. ربما مثل العديد من الشعراء ، لا يردد الشعر باستمرار .. أحيانا فقط في لحظة تجلي ومع أقرب الأصدقاء قد ينطق شـعرًا ليكمل به حديثه .. أغلب الأحيان لا تسمع منه الشعر إلا حين تطلب وبإلحــاح .. كما لو أن علاقـتـه بشعـره تنـتـهي بكتابـتـه. كما أنك لا تشـعر بأن لديه ثمة قصيدة في طور الإنشـاء لأن نظم الشعـر عند الشلطامي يسـتدعي انقـطــاعا كاملا.
في عام 1973 اعتقل الشلطامي ضمن حملة اعتقالات المثـقـفين، لكنه لم يبق بالسجن سوى شـهور. في تلك الفترة أقمنا في غرفة واحدة برفقة أصدقاء منهم المرحوم الشاعر الشعبي عبد العاطي خـنـفـر.
وكانت لديّ جلابية مغربية .. فكان يستـعيرها ويرتديها بعد أن تنتهي السهرة ويكمل أدوار الشطرنج .. وآوي أنا إلى فراشي. ثم يخرج من الغرفة ليجلس في البهو الصغير عند مدخل الغرفة وحيث دورة المياه. ثم يوصد الباب الحديدي الفاصل، ويجلس مسـتندا إلى الجدار.
وفي الصباح يـقـرأ عليّ ما كتب .. ذلك كان إيجــار الجلابية !!

متلـبـّس ..!! في سـنة 1976 ، اعتقل الشـلطـامي ، لأن الطلبة رفـعـوا أبياتا من قصائده كـشـعارات في مـظـاهراتـهم .. مثل : ’’صاح ما زالت تغني للأسى طاحونة الحزن القديم‘‘ أو مـخـاطبا الحـرية: ’’ وقـد رآك الناس في أحزانهم ، وأنا رأيتك في سما بنغازي ...‘‘.
تلك كانت محنة مزدوجـة: محنـة الألـم .. وأن يعتقل في عـهـد الثورة التي دعى إليها وتنـبأ بـها .. لكن الشلطامي كان في مستوى المحـنـة .. كان شـجاعا صـامدًا رغم نحـوله .. يوم انهالت عليه ضربات الحبل المعـدني في السجن العسكري أمـام نزلاء المـعـتـقـل.

وهذه هي القصة كما رواها لي ، لكنها كانت قـد حذفت من كتابي "حوارات":
’’ ألـقى القـبـض علىّ فى يـوم 11 أبريـل سـنـة 1976 جـاءني مـخـبر في دار الكـتـب .. وأخـذني الى مـعـسـكر الشرطـة العـســكـريـة بالـبــركـة .. هـنـاك سـلمـني .. وودعـني قائلا ربـنـا يكـون في عـونـك‘‘.

’’ وانـتـهـيت الى أحـد كبار ضــبـاط الجـيـش .. حسـن اشــكال.. الذى ما أن رآنى حـتى أخـذ يـردد أهـزوجـة . ظـنـنــت أنـه يـمـزح. أخـذ حـقـيـــبـتي .. وكان بـها مـصـحـف، وســجـادة صــلاة وعـلب ســجـائر . كانت الصـلايـة حـمـراء. أخـذ يـعـرضـها على السـجـنـاء والحراس مرددا ‘‘ ألـم نـقــل لـكــم أنـه شــيوعى ! حتى الصـلايـة حـمـراء ..!!‘‘ .

التـعـذيــــب
’’والتـفـت إليّ قـائـلا: ‘‘ الثـورة كانت بيـضــاء .. وسـنـجـعـلـها حـمـراء بـدمــك ..’’. والتـقــط حـبــلا مـعـدنـيـا غـليـظــا .. كافــو ســيارة .. وأخـذ يـضـربـــنى. أخـذت أتلــو الـقـــرآن ، وأخـذ صــوتــه يـخـفـت عـن ســمـعى. سـقـطـت على الأرض، ورأيـت مـواطئ حـذائــه .. قـفـز فى الهـواء هابـطـا بـثـقـلـه على صـدري .. ثـم غـبـت عـن الوعى .. ولم أفـق إلا فى الـلـيــل .. كـنـت مـبــللا وكانت أرض الزنـزانـة طـافـحـة بالمـاء .. عــاودوا الكـرّة فى اليـوم الثــانى .. بـحـضــور الطلـبـة المـعـتـقـليـن .. وقـد أمـرهـم الضــابـط أن يـهـتـفـوا .. مـســاكـين. وما مرّ به الآخـرون كان أسـوأ مـمـا حـدث لى‘‘.
وقد سـجل الشـلطـامي هذه الحـادثة في شـعره:
’’وتـُميت الصـعـقـة الهـوجــاء رجليّ،
ولكنيّ أغـنيّ
ويغيب السوط في لحمي
ولكني أغـنيّ
وأغـنيّ‘‘.

’’شــارك فى تـعـذيــبى أيـضا ضـابـط من رجـال المـباحـث .. غـفـر الـلــه لـه .. كانت تربـطــنى بـه مـعرفـة قـدريـة غـريـبـة .. كنـا مـعا طـلـبـة فى مـدرسـة ســيدى احـسـين .. كـان كل مـنـا فـقــيرا .. حـفــاة .. وغـير مـجـتـهـديـن ! كـنـا فى درج واحــد.. أثـنـاء التـحـقـيـقــات كان يـكـرر ذكــر تلك الـرّفـقـه .. وكان يـبـحـث عـن المـعـلــومـات بـقـدر ما كان يـنـتشي بصـراخ ضـحـاياه. وللأسـف أذكـر أنـه فى المـدرســة .. طـفــلا .. كان دائـمـا يتـطـوع لـلـتـبـلــيـغ عـن أى مـشــاغـبـيـن‘‘.
’’بـعـد أيــام تـغـيـرت المـعـامـلـة .. كانت الإصـابات برأسي عـديــدة .. وبـدأوا عـلاجي. وكان يأتــيـني رئيس التحـقـيـق ويـردد ’’ أنا ما نـعـرفـك .. المـسـألـة مـوش شــخـصيـة .. أنا صـاحـب قـضـيـة ..‘‘ . ’’ وكان يطلب السموح مني‘‘.
’’بـعـد ســنـوات .. تـوفى الرجــلان .. كلاهـمـا قـتـل. وهـكــذا الحـيــاة. كل من يـنـتـهي دوره يـغادر مسرح الحياة .. ‘‘.
ومن خلال تلك التجرية الرهيبة ، سـطر الشلطامي مـواســاته لكل سـجـين رأي في قصيدة "إبتـسـم" (من مجموعة بطاقة معايدة لمدن النور):

’’ إن يـكـن يَـعـتـم فى القـبــو،
الظـــلامْ
وتـمـوج الـريــحُ فى الأفــقِ،
...........
وبـدا الكـون كـأن لـم يـعـرفـك
وغـدت تـنـكـرك الأعـيـنُ ،
من رهـبـتـهــا
.........
ورنـّت فى المـدى المـوحـش آهــات الشـجـنْ
فـابـتـسـم للـحــزن فى اللـيـل،
فـقـد صـرت وطنْ.!‘‘.

يا طـفــليّْ
في ذلك السجن كتب الشـلطـامي أيضا واحـدة من أروع قـصـائده، في شكل خطاب موجـه إلى أبنائه:
’’يا طـفــليْْ
يا زغـب حـواصـل أفـراخ الطـيـر البــرّى،
أعـلم أن لا مـاء لـديكـم،
أعـلم أن لا شــجـر لـديـكـم،
أعلم أن لا عمر الخـطاب، أقابل في السجن الحربي،
وأعلم أنىّ

لن أستجدى العـفـوَ المخجلَ من أجلكما
فاليُـــتـمُ جميلٌ
كنت يتيماً قبلكما

يا طِفــليْْ ،
كم أحببتكما
لكنىِّ أحببتُ الحريّـَةَ أكـثـرْ ‘‘.

وداعــًـا
لا أريد أن أكرر عبارات الحزن على أخي مـحـمـد .. فقد كان متصالحا مع فكرة الموت ، هازئا بالفــناء .. لأنه كان بـعـمق إيمانه، يراه مجرد منـعـطـف في طريق. لكنه في آخـر أيامه وتحت وطـأة المرض .. وكأي إنسان .. التـفـت إليّ وقال: ’’ لقد داخلني وهـن جـديد .. لم أكن أعرفه‘‘.
ولهذا سأودعـه بكلمات قالـها لي المرحـوم عبد العاطي خـنـفـر يوم نقـلـــنا إلى زنازين الانـفـرادي في السجن العسكري بالبركـة .. ولم نكن ندري إلى أي مصير؟ وتوادعـنا بسرعة .. وحيـنـها أسـعـفـته بديهـته ، فقال عبد العاطي بشـجاعة : ’’ نتـلاقـو في الآخره !!‘‘.
لقد رحل الشلطامي كما سـنرحل جمـيعا .. ومثل كل البشر .. لكنه ترك لنا صـرحـًا من الشـعر الجميل والاسـتبصارات الـفـذة .. وســفــرًا للصمود في وجـه الظـلـم والشر .. ونمـوذجـا رائـعـا للـعـفـة والخير!
نـعـم سـيتـحـسر محبوه وهم كـثـر .. وسـنقول كما قال هـو: ’’آه ما أتعس أن يـفـتـقـد المرء وجوه الأصدقاء !‘‘. وكما تـحـسـّـر في قصيدته " رباط العـنق " ، والتي فـيـها ناشـد كلا مـنــّـا :

’’لا تـقـل بـعـد رمانـا،
العشـق في الحانة أشـباحـًا هزيله
نحن لا نملك أن نختار في دنيا بخيله،
غير شكل الموت ملـفـوفــًا ،
بأوراق الصحـف‘‘.

فـلِـمَ لا نتـذكـر اسـتدراكـه المتـفائـل حين خاطب نـفـســه:
’’ وليكن قـبرك جـسـرًا للصـبـاح !‘‘.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home