Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mohammed Mohammed al-Mufti
الكاتب الليبي الدكتور محمد محمد المفتي


د. محمد المفتي

الجمعة 9 ابريل 2010

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

مشاهد من تأسيس الدولة الليبية 1941-1961

فصول من كتاب الكورنيش" (1)

تأليـف : د. محمد محمد المـفـتي ، 2010

أقوال الصحف

الصـحافة الليبـية في عقد الخمسينيات

إذا أردت تركيب صورة متكاملة عن أي حقبة، خلال القرون الأربعة الأخيرة، أي منذ اختراع الطباعة وظهور الصحف .. فأقصر طريق سيكون مطالعة صحيفة أو مجلة في تلك الفترة. بالطبع لن تمنحك المجلة تفاصيل الحدث أو أبعاده .. لكن الصحافة تضع الحدث في سياقه الحقيقي. فقد تقرأ إلى جوار الخبر الذي تنشده ما رافقه من أحداث: زعيم يصرح، حرب دائرة أو وشيكة الوقوع ، مفاوضات هنا، زيارة أو اغتيال هناك ، اكتشاف علمي .. وهكذا. وإذا قلبت الصفحات الداخلية ستجد أخبارا اجتماعية أو محلية، مقالات .. نتائج آخر مباريات الكرة ..الخ.

طبعا، من المستحيل أن نحيط بكل اهتمامات الصحافة الليبية في عقد الخمسينيات. كانت هناك متابعة أخبار الدولة  من مراسيم وقوانين، وتنقلات المسئولين وتصريحاتهم القليلة. لكن الصحف الصادرة في طرابلس وبنغازي، رغم انحيازاتها واهتماماتها المحلية كانت أيضا منصة التقت على صفحاتها النخبة المثقفة، فضلا عن أنها ساهمت في خلق رأي عام موحد غذّى الإحساس العام بالهوية الوطنية.

 والملفت أن الصحافة الليبية حظيت بهامش عريض من حرية التعبير، رغم وجود الرقابة على المطبوعات. فكان نقد الحكومات والمسئولين مسموح به ، والتعبيرعن الآراء متاحا بما في ذلك مهاجمة الاستعمار.

 عموما لم يكن هناك اهتمام عام بالصور ، ربما لسوء نوعيتها وقلة الخبرة بالتصوير .. وكانت الصور تقتصر على الصور النصفية إن وجدت . هذا باستثناء السيد مصطفي بن حليم ، الذي كان أثناء مدة وزارته ، مدركا لأهمية الصورة ، وهو إدراك اكتسبه بالتأكيد، أثناء دراسته وحياته في مصر. ولذلك اهتم بتصوير كل مشاركاته الرسمية وغير الرسمية ، ونشرها في الصحف وخاصة مجلة المعرفة الأمريكية التي كانت تصدر في ليبيا . فهل كان ذلك مؤشرا لوعي حضاري ؟ أم مؤشر لطموح زعامي كما اتهمه البعض؟

تابعت الصحف الليبية آنذاك، أخبار العالم السياسية، وقضايا الصراع العربي الإسرائيلي. وحاز بالطبع على اهتمام كبير،  العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 إثر تأميم قناة السويس، ثم تدخل الرئيس الأميركي آيزنهاور الذي نعرف اليوم أنه كان وراء إرغام بريطانيا وفرنسا واسرائيل على سحب قواتها من مصر.

كانت الصحف الليبية الصادرة إبان الخمسينيات ، باستثناء صحف طرابلس وبرقة وفزان ، صحفًا خاصة مستقلة ، وإن كان أصحاب بعضها ذوي علاقات وطيدة بالدولة . فالبشائر مثلا أصدرها عوض زاقوب الذي تولي في فترة سابقة تحرير برقة الجديدة. والمرحوم عوض زاقوب كان من النخبة المثقفة التي نضجت في أواخر الثلاثينيات ، وكانت السلطات الإيطالية قد نفته إلى واحة براك عقابا له على نشاطاته في توزيع مطبوعات محظورة معادية للطليان. أما الزمان فقد أصدرها الأشهب بعد المنار ، والأشهب من "الإخوان السنوسيين " وتصدي للدفاع عن الملك ، ومع ذلك كانت له مواقف نبيلة في الدفاع عن حرية الكلمة ، من ذلك احتجاج صحيفته على دخول البوليس مقر جمعية عمر المختار ورمي مقتنيات مكتبتها إلى الشارع.

أما العمل فقد أصدرها أحمد بوهدمة ، شقيق السيد محمود بوهدمة المجاهد والرجل الذي تولى مناصب عالية في البرلمان ومنصب والي برقة . لكن العمل فتحت صدرها دائما للتيارات المعارضة دون نكوص.

والليبي هي صحيفة الشيخ على الديب الذي فجر الأزمة الدستورية واستصدر حكما من المحكمة العليا بعدم شرعية المرسوم الملكي بحل المجلس التشريعي بولاية طرابلس. وكان لذلك الحكم أهميته في إرساء استقلالية القضاء الليبي .

ومن الجرائد الكبري في الخمسينات، نذكر صحيفة الرائد لصاحبها عبد القادر بوهروس ، والميدان التي أصدرها فاضل المسعودي. وفي الستينيات ظهرت صحف مثل البلاغ  التي أصدرها المرحوم علي وريّث ، ثم الحقيقة التي أصدرها رشاد الهوني .. والرقيب التي أصدرها رجب المغربي والريبورتاج المشاكسة التي أصدرها عبد القادر طه الطويل. وكانت الحقيقة نقلة هامة صحفيا وتقنيا ، وسرعان ما أمست الجريدة اليومية للمواطن الليبي. ويكمن سر اكتساحها للمجال الصحفي ، في سعة صدر محررها الذي فتح صفحات الحقيقة لكل الأقلام المبدعة الشابة والمتمردة ، بدءًا من الصادق النيهوم والشاعر محمد الشلطامي ، الى القصاص محمد على الشويهدي وكاتبي المقالات الحرة مثل أنيس السنفاز وخليفة الفاخري .. وكثيرون غيرهم. 

الإعلانــات .. ونمط الحيــاة 

كانت الصحف المستقلة بالذات تعتمد على الإعلانات، منها البسيط ومنها الحكومي كنوع من الدعم. وفيما بعد، إثر بداية التنقيب عن النفط أمست إعلانات شركات البترول مصدرا سخيا لدعم الصحافة. وتمنحنا الإعلانات، من وجهة نظرنا هنا، مصدرا شيقا للمعلومات عن حياة ذلك الزمان. فقد أخترع صابون التايد لغسيل الملابس، أو الصابون المسحوق، وكان هبة من السماء لربات البيوت. فقبل ذلك كانت النساء يغسلن الملابس بالصابون الأخضر أو السوسي (نسبة إلى مصدره مدينة سوسة في تونس) والذي رغم جودته إلا أنه كان قليل الرغوة. وطبعا ارتبط إسم الصابون المسحوق بالتايد حتى أصبح الليبيون يسمون كل صابون مسحوق بالتايد بغض النظر عن الشركة المصنعة.  

جانب آخر من جوانب حياة ذلك العصر، يكاد يندثر لدينا، ألا وهو السينما التي لم تقاوم اقتحام التلفزيون وخاصة بعد ظهور الفضائيات. لكن السينما كانت في الماضي جزءا مكملا للحياة العصرية، وجزءا رئيسيا في الترفيه. وطبعا كانت دور الخيالة تعلن عن أفلامها ، كما كانت تخصص أياما للنساء فقط. 

 

 

لكن التدخين ما يزال منتشرا لدينا للأسف. وبالطبع تغيرت أنواع التبغ، إلى الأسوأ ! وكانت الشركات المصنعة متعددة. فالدخان المحلي الذي كانت تنتجه شركة التبغ في طرابلس شمل "جفاره" وهو أرخصها وربما كان أنقاها، مجرد تبغ ملفوف دون إضافات. ولهذا، ربما، اشتهر بتدخينه طبيب بنغازي الإيطالي الشهير قويدو مؤسس مستشفى البلدية(7 اكتوبر الآن). وكان هناك دخان غريان، ولبدة، وأرقاها اسبيريا نسبة إلى إسم بنغازي الإغريقية (حيث مقبرة سيدي اعبيد).

 

إغتـيــال الشـلحي

الحدث الذي هـز أركان الدولة الليبية ، كان دون شك اغتيال ابراهيم الشلحي ناظر الخاصة الملكية آنذاك برصاص من مسدس الشريف محي الدين السنوسي فى بنغازى ، ظهيرة يوم 5 اكتوبر 1954. وكان الشلحي في سيارته في الشارع القصير بين المجمع الإداري وموقف السيارات الحاليين في شارع جمال عبد الناصر، وكان قد نزل لتوه  من مبنى رئاسة الوزراء.

 لقد هز الحادث أركان النظام ، كما حرك مشاعر الناس في طول البلاد وعرضها .. ما بين متـشفّي ، ومتعاطف مع القاتل أو القتيل ، وبين خائف على مصير البلاد. خاصة وأن القاتل كان إبن أخ الملكة فاطمة، وحفيد المجاهد أحمد الشريف، وأن القتيل ابراهيم الشلحي .. سكرتير الملك وخادمه ورفيقه لعدة عقود.

اغتيال الشلحى جاء وليد عوامل مختلفة، أهمها إحساس الأسرة السنوسية بسيطرته على السيد إدريس التي نسبها بعضهم للسحر. هذا لا يعني تورطهم المباشر في الاغتيال بالتحريض أو غيره. لكن الملك بدأ بنشـر مذكراتـه في جريدة الزمان مؤكدا وبشراحـة قـناعـته بكراهية أبناء عمـومـته له. والأكـيـد أن نفوذ الشلحى وحظوته وقدرته على التصرف، ولــّد ساسيات وحسد وبغض كثيرٌ من أعوان الملك ومعارضيه،  فحمّـلوه أوزارًا كثيرة عن حق أو خيال.

 

 وقد لا نستطيع الجزم بمن أوحى للشاب الشريف بتدبير الاغتيال ..؟ والأكيد أنه كان متأثرا بالأفكار العروبية الرائجة في  بيروت آنذاك، حيث كان يدرس في مدرسة المقاصد الإسلامية ؟  لكن المناخ السائد في البلاد آنذاك، كان مشحونا بالإحساس بالظلم السياسي لدى الفئات المثقفة. 

ويتفق من عرفوا ابراهيم الشلحى، بأن الرجل كان  متواضعا ومن الذين يفضلون البقاء في الظل، وراء سيده. وكان حسب قولهم ذكيا كتوما على أسرار السيد إدريس، متفانيا في خدمته. لكن الشلحي بهذه الصفات، وقف حاجزا بين الملك وبين الآخرين. من جهة أخرى سمحت ثقة إدريس للشلحي بأن يتصرف باسم الملك …  وكأي سكرتير، ربما أخطأ عن جهل أو سهو … وكأي إنسان ربما أغرته الصلاحيات لتصفية حسابات مع خصومه. وهكذا تركزت مشاعر الكراهية ضد النظام الجديد على شخص ابراهيم الشلحي. 

توسط وهروب

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وبينما كان الشريف بين يدي القضاء، جاء الخبر بهروب الأستاذ صالح بويصير إلي تونس ثم مصر متخفـيًا فى زى إمرأة ومستعملا جواز سفر زوجته ، برفقة الأبلة بديعة إحدى رائدات التعليم في بنغازي .. لينتهى الى حياة المنفى.

 أما سبب هروبه فيبدو أن المرحـوم الأستاذ بويصير بالتعاون مع سكرتيرة الملكة فاطمة (عمة القاتل) قد رتب إرسال خطاب باسم الملكة ، دون علمها ، الى الملكة اليزابيث ملكة بريطانيا ،  تتوسل فيها للتدخل لدي الملك إدريس بالعفو عن الشريف محي الدين. لكن البلاط البريطاني اتصل بالديوان الملكي وتبين تزوير الرسالة مما دعى بالأستاذ بويصير الى الهرب الى مصر.

ولعبت الخوجة بديعة افليفله الدور الرئيسي في قصة هرب صالح بويصير في يوليو1955 ، فـهي التي  اقترحت عليه أن يهرب كما فعل زعيم تركيا أتاتورك عندما هرب من الحلفاء الى الاناضول بعد دخولهم اسطانبول فى نهاية الحرب الأولى ،متخفـيا فى عباءة إمرأة. وكانت هي قـد قـضـت فـترة شـبابـها في تـركيا.

وفعلا ذهب صالح الى ادارة الجوازات فى طرابلس واستخرج جوازًا باسم زوجته، وقد كانت جوازات سفر النساء وقتها بدون صور.  وأوصـلتـه الخوجه بديعة إلى داخل الطائرة المتجهة إلى تونس.

وأخيرا .. وعلى المستوى الإنساني، كان اغتيال الشلحي كارثة نفسية للملك إدريس لأن الشلحي كان بمثابة الإبن البديل للملك الذي لا ذرية له .. يشرف على طعامه وملبسه ويؤيه إلى الفراش ويحني له لحيته .. لقد كان مقتل الشلحي بمثابة اغتيال لذات إدريس الذي ارتبكت عواطفه وتعاظمت هواجسه منذ تلك الحادثة ، وأظـهرا ميلا للـعـزلـة وزهـدا في السـلطـة. 

 الثـــورة الجزائرية

لكن الحدث الذي ألهب مشاعر الليبيين، بل وأيدته الدولة أيضا، كان حرب التحرير الجزائرية  وبطولات مناضليها.

في النصف الثاني من الخمسينيات حظيت ثورة الجزائر باهتمام وحماس الليبيين، وتكونت ’’ لجان الجزائر‘‘ في معظم المدن الليبية لجمع التبرعات للثوار الجزائريين. كما كانت تقام الحفلات العامة ، وطافت بالمدن فرقة درنة للتمثيل لعرض مسرحية جميلة بوحيرد ، كنموذج لبشاعة الاستعمار الفرنسي. وقد كان موقف الحكومة الليبية مناصرا متحمسا للثورة الجزائرية ، وكانت أجهزتها السرية تشارك في نقل الأسلحة إلى الجزائر.

ومبكرا تعرض أحد قادة الثورة الجزائرية، أحمد بن بللا – ولم يكن قد نال شهرته بعد – تعرض لمحاولة اغتيال على يد أحد عملاء المخابرات الفرنسية، وذلك في هوتيل اكسيلسيور  الذي ما زال قائما (غرناطة الآن)، ويفترض أن يحوّل إلى متحف. ويبدو أن بن بللا كان في طرابلس لتنظيم شراء ونقل أسلحة لثوار الجزائر. وبالطبع تلقفت الصحف الليبية خبر الاعتداء وأدانته. 

 كما كانت  الصحافة الليبية تتابع ما ينشر في العالم، بما في ذلك التنبؤات العلمية، ونقلت في أواخر 1956 ، خبرا عن قرب عصر الموبايل .. الذي احتاج لقرابة نصف قرن حتى يمسي حقيقة !

ولا تذكر الصحف في بنـغازي إبان الخمسينيات دون التنوية بمكتبة بوقعيقيص في ميدان سوق الحدادة التي كانت تستورد وتوزع الصحف المصرية كالمصور وآخر ساعة والإثنين والكواكب ، وأيضا صحيفة الأطفال آنذاك "سندباد" قبل أن تظهر مجلة "سمير" في أواخر الخمسينيات.

 


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home