Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mohammed Mohammed al-Mufti
الكاتب الليبي الدكتور محمد محمد المفتي


Dr. Mohamed al-Mufti

Monday, 6 March, 2006

صفحات من كتاب "دكان الشايب : هدرزة في السوق"
تأليف : محمد محمد المفتي

الكتاب: دكّان الشّايب: هَدْرَزَة في السّوق
المؤلف: محمّد محمّد المفتي
الناشر: دارُ السّاقية للنّشر والتّوزيع
بنغازي ـ ليبيا
للاتصال: بريد إليكتروني: admin@saqiyah.com


صورة الغلاف: دكان في سوق الجريد / عام 2004م
المصّور: نور الدّين الثلثي



إهــدَاء

إلى روح والدي الذي لم يَبخَل بعواطفه على أحد.. مثل كل الآباء الليبيين حرصَ على تعليم كل أبنائه وبناته،
هذا الكتابُ
زيارةٌ لحُقبةٍ من تاريخِ هذا الوطنِ الذي أحَبّه.

وإلى روح والدتي التي دلقتْ ورائي كاساً من ماءِ الزّهر ومفاتيحَ عند خروجي مسافراً في بعثةٍ دراسيّةٍ... عسى أن أعود.

ربما منذ أكثرَ من ربعِ قرنٍ وأنا أنقّّبُ وأسجّلُ ذكرياتي وشتى الحكايات عن بنغازي. لم أكن أدري متى ستنشر. كانت ضربا من التسلية في فترة من التوحد، وشجعتني قراءتي ليوميّات حسن الفقيه حسن عن طرابلس وما منحتني من متعة، أن أغامر بجمعِها.
في عام 2004م نشرتُ جزاً في كتاب ”هَدْرَزَة في بنغازي" وفوجئتُ بوقْعِهِ على الكثيرين. يبدو أنّنا كنّا بحاجة لمثْلِ هذا الكتاب، خاصةً وأن تاريخنا الاجتماعي لم يحظ بكثير اهتمام. وبهذا المعني فإن كتاب هَدْرَزَة... ترميمٌ للذّاكرة... أو لعلّه إنعاشٌ لجذورِ الذّاكرةِ كما قال آخرون.
وها أنا أواصلُ تجميعَ ما كتبتُ وما استجدَ من مدوّناتي عن تاريخ بنغازي وليبيا الاجتمَاعي.. لأقدِّمَ للقارئ هذه الصفحات.



محتــويات

- مُقدّمة النّاشر
- مقدّمة المؤلّف
- قصّةُ مدينَتَين
- التّجارةُ سَفرٌ
- ما بعدَ سَنَةِ 1956
- التَّحرّرُ من الغُولة
- حَـرَاج
- الدّكّان نافذةٌ على العَالَمِ
- مُفارقاتُ التّجــارة
- صاحبُ الدّكّان
- السّوق مسرحٌ
- دفْترُ حساباتِ الدّكّان
- آخِرُ القَوافِل
- نصَايحُ الشّيخ صالح
- حكاياتُ أسواقِ زَمان
- الفتّاشَةُ والاسْـتهْلاك
- عامُ الدّشّ
- إلهاماتُ الموبايل
- كِرْنَافُ الذَّاكرة
- قُفّة 2005
- خواطرُ في سَـهْـريّة
- ليَالي الأُنسِ في فِـّيـنّـا
- رَمضَانٌ كَريمٌ 2005



مقدّمةُ النّاشر

هذا الكتاب

هذا الكتابُ، في مُجملِه، مجموعةُ خَواطرٍ وانطباعاتٍ كتبَها المؤلّفُ في أوقاتٍ متفرّقة قريبةِ العَهد. وهي وإن كانت تدور أحداثُها وعاشت شخصياتُها في أماكنَ مُحدّدةٍ من بلادِنا الحبيبةِ، إلا أنّها تَتجاوزُ تلك الخصوصيّةَ لتتحدثُ عن ليبيا وإلى الليبيينَ، عن فترةٍ أمتدت عبرَ الخمسينَ سَنَةٍ الأخيرةِ من القرنِ المنصَرمِ بأسلوبٍ يوحي بأن ذاكرةَ المؤلّفِ لم تَبهت ألوانُها بعد، فتراه، رغمَ كَونِ المشَاهدِ لديه مُتباعدةٌ ومُتناثرةٌ، يُشعِرُ القارئَ من خلالِ فصولِ الكتابِ العشرينَ أنّ ثمةَ خيطٍ رفيعٍ جامعٍ بينها يقول إنّ التجرُبةَ العَمليّةَ هي كُنْهُ الحياةِ وسرُّها الأكبر.

وطريقةُ المؤلّفِ في هذا الكتابِ تميّزت بمَزْجٍ عجيبٍ ما بين أسلوب المذكّرات والسّيرة والقصّة والتّحْليل فَجَاءَ تذكُّرُه، لتجاربَ وأشخاصٍ وأحْداثٍ وأمْكنةٍ ذاتِ أهميّةٍ خاصّةٍ في حياتِه، سَرداً مُثيراً، لا يتركُ لنا سجلاً ثابتاً بها فقطْ، بلْ يتجاوزُ ذلك إلى بعْثِ أبْعادٍ روحيّة وعاطفيّة ونفْسيّة تَمُدُّ رِباطاً وثيقاً، ما بين واقع القارئ وتلك التّواريخ والأمْكِنَة، يمْلِك عليه من نفْسِه ووعْيهِ ما يبعَثُ فيه لواعِجَ الشّوقِ لتلك الأيّامِ ويُشعرهُ بالهُوّةِ السّحيقةِ بين تلك الحُقبةِ والزّمنِ الذي يعيشُه، لا لكَثرةِ عَدَدِ السّنينَ التي باعدَتهُ عنها، وإنّما لما أصابَ أهلِهِ من تغيّرٍ في الأخلاقِ والعادات، ولكن يُعَلِّّلَهُ، في الوقتِ نفسِه، بأن ذلك الخيرَ مايزالُ كامناً في بلادنا وأنَه لابد يوماً أنْ يعود.

شيئاً أخَرَ يُضيفُه المؤلّفُ في هذا الكتاب الذي يستَعملُ فيه الهَدْرَزَةَ، التي له فضلُ السّبْقِ إلى استخدامِها كأسلوب وموضوعٍ لكتاب، هو اعتمادُ التخَفّفِ من السّردِ التّاريخي الثّقيلِ وفَسْحُ المجالِ للتَّدَاعي العَفْويّ للذّاكِرةِ فتتداخلُ المعلومَةُ والخَيَالُ، والحِكايةُ الفَرديّةُ والتّاريخُ، والعامّيّةُ والفُصحَى، فينشأُُ بُعدٌ ما يُضْفِي على الهَدْرَزَةِ قُرباً من الواقعِ وصِدقاً في المشَاعرِ وحَركَةً للحَدَثِ.

و"دكّانُ الشّايب: هَدْرَزَةٌ في السّوق" هو الكتاب الثّاني من هَدْرَزَاتِ الدّكتور محمّد المفتي والذي تَفخرُ دارُ السّاقيةِ أن يكون باكورةَ مَنشوراتِها.

والله من وراء القصْد.

دارُ السّاقية
بنغازي



مقدمـة

"اتركوا العموميّات... حاوِلوا مشاهدةَ النّاس كما يعيشون في بُيوتهم...
انظروا ما يأكُلون وما يرتدون... في أماكن عملهم، وأين يلتقون...
فتلك هي الخطوةُ الأولى نحو كتابة التّاريخ."
               المؤرخ الفرنسي هيبولايت تاين
H. Taine 1828-1893


(1)

الحنينُ إلى الماضي ظاهرةٌ طبيعيّةٌ، عند كل البشر، كوسيلةٍ لإعادة ترتيب الأحداث وعقْلنَتها، فعادة ما تتراجعُ الذكرياتُ وراءَ غبش الزّمن، وتختفي تفاصيلُ كثيرة، وتبقى جملةٌ من الصّور في سياقٍ بسيط مغلّفَةً بالعواطِف الجميلةِ أو الحزينة. لماذا..؟

(2)

التّاريخُ تأريخ. أحداثٌ ومواقفُ وأشخاصٌ ورؤى.. تقع في قارّة الماضي، الذي لن يتكرر. وقائعُ الماضي يجبُ أن تسجّلَ كما هي، بموضوعيّةٍ وحيادٍ: أسبابُها الظاهرة، ونتائجُها، وكيف رآها وبرَّرَها أصحابُها.. وكيف بدت في أعينِ الآخرينَ في زمانهم، وماذا كانت ردودُ أفعالِ خصومهم إزاءَها في زمانهم. بعد ذلك يحقّ للمؤلّفِ أو المحللِ أن يقيّمَها من وجهة نظرِه، وأن يستحفرَ شتّى الأدلّةِ والقرائنِ الخفيّةِ لإعطاءِ تفسيرٍ أكثَرَ منطقيّة.

(3)

قراءةُ التّاريخ وكتابتُه محاولةٌ لاستعادة ماضٍ لن يعود. والأمرُ شبيهٌ بتأمّل المرءِِ صورةً فوتوغرافيّةً التُقطت له في طفولتهِ أو صباهِ أو شبابهِ. وإذا كانت الصورةُ، في نهاية المَطَاف، مجرَّد ظلال على ورق... فكذلك التّاريخ ليس أكثرَ من كلماتٍ تدّعي بأنّها تعيدُ خلقَ الأحداث.
في صورتِك القديمةِ قد لا يعجبُك قميصَك أو حذاءَك القديم، أو قَـصّة شعرِك... أو مجرّدَ شكلِك في الصّورة... فتضحَك حين تتأمّلها، وتسخَر منها... من نفسك... أو حتى تمتعض أو تتألّم إذا كانت صورةً لك على فراشِ المرض بعدَ عمليّة جراحيّة أو كسرٍ في ساقِك... لكنّك تتمعّنُ في الصّورة رغم ذلك. وربما احتفظت بها... لأنّ فيها شيئاً منك!

(4)

عرضُ التّاريخ عادةً ما يأخذُ شكلَ السّرد الرأسي... أي توالي الأحداث والمواقف، ومثلُ هذا المنحى الأحادي كثيراً ما يُستخدمُ في التّاريخ السياسي وفي دراسةِ مواضيعَ محدّدةٍ مثلِ تاريخ العلم أو الصناعة أو الحروب الصليبيّة أو الكشوف الجغرافيّة أو الطّب... إلخ. وقد يضيّقُ الموضوعُ أكثرَ من ذلك، مثلاً لدراسة تاريخ المرأة في مجتمعٍ ما في حقبةٍ ما، أو تاريخِ الكهرُباء أو النّظرية الذّرية، أو شَلَل الأطفال... وهكذا.
بإمكاننا أيضاً أن نتناولَ الماضي من وجهةٍ أكثرَ شموليةٍ، وهي في اعتقادي أكثر صدقاً وتشويقًا وجدوى للقارئ العام... فنضعُ مجتمعَنا في حُقبةٍ معينةٍ تحتَ المجهرِ لرصد كلِّ أبعادِها... من بيئة وتجارة وحياةِ الأسرة والمعْمار والمعتقداتِ والأمراضِ، إلخ. وهذا ما يُسمّى اليوم بالتّاريخ الاجتماعي الذي دشّنه المؤرخُ الفرنسي فرنار بروديل ومدرستُه إبّان الحرب العالمية الثانية. ومن شأن هذا النهج (أو المقاربة بلغة البحْث المعاصِرة) أن يمنحنا رؤيةً أوسعَ واستبصاراتٍ أعمقَ... كما أنه أقرب الى واقع الحياة. فالأحداثُ والتفاعلاتُ ومواقفُ النّاس لم تحدثُ في فراغ، بل حَكَمَتها ظروفٌ أعمُّ، من توازناتِ القوي الدّولية وصراعَاتِها... إلى غيابِ المطرِ أو اكتساحِ الجرادِ وما ترتَّب عليهما من جَدبٍ وفَقر وبطالة وهجرة. وكذلك سلوكيات الأشخاصِ التي ربما حكمتْها طموحاتٌ ومخاوفُ شخصيّة أو ارتباطات عائليّة أو قبليّة.
وهذا المنحى يعني رؤيةَ بُنيةَ وثقافةَ المجتمعِ وتغيّراتها في سياق علاقتها بالبيئة والتّاريخ والمؤثّرات الخارجية من اقتصادٍ وتقْنية وما يتدفق إلي تلك الثقافة من الخارج من قيَمٍ وسلوكياتٍ ونظُم.
المنحى الاجتماعي يطرح رؤيةً مختلفةً عن السّرد، يركز على دلالات الظاهرة في حياة النّاس والمجتمع. ولنأخذ مثلاً بسيطاً: في الخمسينيات أخذ السّفَرُ قِسْطه في الأغاني، وأشهرِها أغنيةِ فريدِ الأطرشِ ’سَافِرْ مع السّلامة‘... التي كانت حاضرةٌ في كلّ برامجِ ما يطلُبُه المستمعون. يطلبها النّاسُ باستمرار، وعندنا غنّى محمدُ الكَعْبازي ’تمشي بالسّلامة‘ وسلَامُ قدْري ’سافَرْ مازالْ عيني تريده.‘ وبإمكان المتخصّص أن يقيّم اللّحنَ، ويعلّق على طبقاتِ صوتِ المطْربِ والإيقاع والتوزيع والآلات. وقد يتحدّثُ الناقدُ عن كلماتِ الأغنية، إلخ، لكنّنا من جهةٍ أخرى تماماً، نستطيعُ أن نستجليَ دلالةَ تلك الأغاني اجتماعيّاً، وعندها نجد أنّ السّفَر في أوائل الخمسينيات كان حدثاً تنوءُ به حياةُ النّاس وعواطفُهم، لأنّه انقطاعُ لا تُعرفُ نهايتُه... خاصةً وأنّ ظاهرةَ السّفَر شاعت بفضلِ السّيّارة والهجرة بحثاً عن عَمَل.
في هذا السّياق وضعتُ فصولَ الكتاب التي هي قراءاتُ من زوايا مختلفةٍ لنفْسِ الحُقبَة: فترةِ الأربعينيات والخمسينيات، ومن ”بُرْج مراقبةٍ" واحد... من مدينةِ بنغازي. وفي جملتها، تحاول هذه الفصولُ أن تعيدَ رسمَ الأبعاد المختلفةِ لتلك الفترة. وحاولتْ تكرارَ نفسِ المنهجِ لتصويرِ بعض ما عايشَه مجتمعُنا في السّنوات الأخيرة مثلاً جرّاءَ دخول الفضائيات والهاتف النّقال.

(5)

يمكنُنا تقسيمَ فصولِ الكتاب إلى أبوابٍ أساسيّة. البابُ الأولُ ذكرياتٌ من زمنِ الطّفولة، صورُ كما عاشها صبي، تبدأ من محيط الذّات والأسرة، لتمتدَ وتسجّلُ صورًا لمحيطِهِ العامّ. وليس القصدُ هنا تسجيلُ ذكرياتٍ شخصيّة فوقائع شبيهة ربما تكررت في حياةِِ الكثيرين بتفاصيلَ مختلفة. كما أنّ ذِكْرَ الاسماءِ لا يُردّ من باب التوثيق، وإنما لأنها تربط سياق الحديث أو الهَدْرَزَة في ذِهْن القارئ، وكثيراً ما وظّفَ الكتـّابُ، كالجاحظِ مثلا، هذه ”الحيلة" الأدبيّة لنفْسِ الغرض.
البابُ الثاني يراقبُ المجتمعَ من حَلَبَةِ التَجارة. والتَجارةُ منشطٌ إنساني عريقٌ، له أبعادُ اجتماعيّةٌ واسعةٌ، وهو في النّهاية لبُّ حياةِ المدينة. ولعلّ كاتباً آخرَ عاشَ حياةَ البادية يستمِدُ صوره لحياةِ النّاس من بيئة الزراعة والرعيّ والتّرحَال. ويمتدُ تناوُلِنا من رَسْمِ صورِ الشّارعِ التّجاري والدّكَاكِين وشخصياتِ التّجار، إلى أسعار السِّلَع والأرباح. كما يتناولُ، في فصلٍ كاملٍ، روايةَ تاجر عصامي عن تجارة المدينة مع الواحات.
أما البابُ الثالثُ، فتنقُلنا فصُولُه إلى”هَدْرَزَة" عمّا طرأ على المجتمع الليبي من تغيّرات بفعل دخول سِلعٍ وتقْنياتٍ جديدةٍ مثل الهاتف النّقال والبثّ التلفزيوني عبرَ المحطات الفضائيّة.

(6)

لقد كتبتُ هذه الصفحات، أولًا وأخيراً، من بابِ الحبّ.. حُبّ مكانٍ ترعرعتُ فيهِ، وكذلك لأنني أعتقد أن المجتمع الليبي رغم كلّ ماطرأ عليه من تغيرات بعضُها سلبي، فأنه مايزال ملئ بالخير.. وأخيراً كتبت هذه الفصولَ وفاءً لأجيالٍ أعطتْ دونَ مقابلٍ وحَلمت بمجتمع ٍأرحبَ وأكثرَ إنسانيّة.
ولعلّ عاطفةَ الحُبّ، هي سر مُتعة الهَدْرَزَة... لأنّ المتحدّثَ والسّامعَ، على حدّ سواء، يسترجِعان معاً حكايات وصورًا لا تخلو من لذّةٍ، حتي ولو انطوت على تفاصيلَ مؤْلمةٍ، كَمَوت أحدِ الأبوين مثلاً..!
ربما سطّرَتُ هذه الفصولَ، أيضاً لمقاومةِ الإحساسِ بالدّونيّة واحتقارِ المحلّي، الذي يبدو متزايداً مع اطّلاعِ الأجيالِ الشابّةِ على حالِ المجتمعاتِ الأخْرى، بفضلِ تطوّرِ وسائل الاتّصال وأهمِّها الإنترنت والفضائيّات. هذه الأحاسيس نجدُها لدى الأطفال حين يقارنون مناهجهم الدراسيّة المملّـة برسومِ ديزني أو برامجِ سبيس تون.. ويحسُّ بها الشبابُ المتعلقون بمباريات كرة القدم... ويردِّدُها الكبارُ لتفسير تعثّر أجهزةِ المرافقِ وتقاعُسِها عن ردْم حفَر الشوارع أو معالجة برَك المجاري نتيجةَ غيابِ الصرف الصحي... إلخ. وعسى أن تُبرِزَ هذه الصفحاتُ الجوانبَ المضيئةَ في حياتنا وذكرياتنا مما قد يُساهمُ في إعادة الثّقة إلى تلك النفوس المتذمرة والمحبَطة أمامَ شاشات التلفزيون.
من جهة أخرى، ليبيا أرخبيلٌ مترامي الأطراف... جزرُ نسمّيها مدناً أو قرىً أو واحاتٍ... تجمعات بشريّة مقطوعة... تفْصلها فيافي قاحلة... والمطالعُ لمناهِجنا الدراسيّة والمتابعُ لبرامجِ المرئيّة والمراقبُ للفَوارقِ في وتيرة التّنمية بين العاصمة والدّواخل، سرعانَ ما يدركُ أنّنا نُعاني من فُقدان مشاعرِ الانتماءِ إلى وطن كبير... إلى ليبيا. فلا مقررات المدارس ولا برامج التلفزيون تولي تعريفَ التلميذِ أو المشاهدِ العامّ بوطنه اهتماماً... فماذا يعرفُ هؤلاء عن الحياة في سوْكنة أو نالوت أو طبرق أو براك مثلا؟!
هذا الكتابُ بمعنىً ما، إذن، يتحدّثُ عن ليبيا التي نحبُّها جميعاً... ويهُمّنا تاريخها وتطوّرها ومستقبلها. وبنغازي هنا ليست سِوى نموذجاً... قطعةَ فسيفساءٍ في تلك اللوحة الأكبر والأجمل... وفوق ذلك، في بنغازي تلتقي كلُّ ليبيا ولعلّ هذا ما يميّزُها عن كلّ المدن الليية. ولذلك فحين أكتبُ عن مدينتي فإنني أحتفي بكلّ ما مرّ على بلادنا، وبذكرى أبناء ليبيا في مختلف المدن والقرى والواحات، الذين أعطوا بحبٍ وتفاني وكان لآرائهم ومبادراتهم ما يجعلنا نفخرُ بالانتساب إلى هذا الوطن.

(7)

وأخيرًا... هذا الكتابُ نَتَاج لجهدٍ جَماعي لكثيرين لم أذكرهم، ممن زودوني بمعلومات أو ناقشت معهم بعضَ التفاصيل. كما أسجل امتناني للأستاذ عبد السلام اعوير، مديرِِ إدارةِ المطبوعاتِ، على ملاحظاته القيّمة من أجل أن تكون نبرة الكتاب أكثرَ تفاؤلاً... عسى ”أن يبقى دكّان الشّايب مفتوحًا!"
وأخيراً، لقد احتاج إعداد هذا الكتاب الصّغير عدة َ سنواتٍ من البحث ومراجعة الصحف وماكان لي أن أنجزه لولا معونة الكثيرين ممن زودوني بمعلومات أو ناقشتت معهم بعض التفاصيل. كما أنّه أيضاً جهدٌ أسَري.. فبعد أن انتهيتُ من كتابةِ المخطوطةِ قرأْتهُ، كالعادةِ، زوجتي لتصحيحِ ما سَهوتُ عنه من أخطاء مطبعيّة وما أغفلتُ من تفاصيلَ، ولإبداء رأيها كقَارئةٍ بنغازيّة! وما أن تنتهي منها حتى تطرحَ، على شاهي الغدا، كثيراً من المواضيع للنّقاش التي يُسهم فيها أبنائي: فتحيةُ وفاطمةُ وأحمدُ.
ولايفوتني أن أسجل شكري للجنود المجهولين في المكتبة العامّة بجامعة قاريونس، ذلك الصرح الحضاري الذي يشهد لبنغازي ريادتها في ثقافتنا الوطنيّة. ولعلّ العملَ بالمكتبات واحداً من أنبل المِهن، لأن صاحبه يبذل الجهد والوقت لكي يتيح لغيره فرصة القراءة. وأخصُّ بالذّكر الأخت أمينة التومي والأساتذة محمد اظريف وناصر الصّيد وفرج شميش. كما أسجّل شكري للعاملين بدار الكتب الوطنيّة، وخاصة الأستاذ صالح نجم والأخ علي الوحيشي والأخت سميرة دغمان.
ولايسعني إلا أن أشكر دار السّاقية وخاصة الأخوين أحمد علي حسن ليدي ومحسن محمد بن عتيّقة على حماسِهِما وتعاونِهِما. كما أسجّل امتناني للأستاذ عبدالسلام اعوير، مدير إدارة المطبوعات، على ملاحضاته القيّمة من أجل أن تكون نبرة الكتاب أكثر تفَاؤلاً... عسى أن يبقى "دكان الشّايِب مفتوحاً"!

محمّدُ محمّدُ المفـتي
رمضَان / أكتوبر 2005م



دفتر حسابات الدكان..!

الرّبحُ والثّرَاء

لم يكن دكّان الشّايب مجرّدَ محلٍّ استثماري يعملُ فيه بياعٌ سوداني... بل كنّا نعملُ فيه جميعاً... الوالدُ وأنا وإخوتي بالتّوالي... بدءًا من تكنيسِهِ وتنظيفِهِ والبيعِ وتسجيلِ ديونِ الزّّبائن. دكّان ليس فيه "صوني ستايشن" ولا "تلفزيون" ولا مكيِّف. كان محلاً لبيع الكَنَادِر والبِدَل الرّجالي والفانِلّات... إلخ... ولفترةٍ، سلالِ القشّ والصناديق الموسيقيّة والساعات. المبيعاتُ اليوميّة كانت ما بين خمسة وعشرة جنيهات في الأيام العاديّة وقد ترتفع الى مائةٍ في أواخرِ رمضانَ بمناسبة العيد. وإذا حسبنا البيعَ اليومي يكون الرّبح حوالي جنيه أو جنيهين، أى ما بين ثلاثين وستّين جنيهٍ في الشّهر، وهو مبلغً ممتاز، إذا ما علمنا أن مرتّب المدرّس والموظّف المتوسط آنذاك حوالي 18 جنيهاً في الشّهر. وكان إيجارُ المحلّ، عشرةُ جنيهات في الشّهر حتى منتصفِ الخمسينيات، قبل أن يشتريه والدي. وقَضْية الخضرة اليومية (أى ما يشترى) (لم تكن هناك ثلاجات) باللحم أقل من جنيه.

لم يكن والدي من الأثرياء... الذين كانوا حتي منتصف الخمسينيات وقبل ظهور النفط، يُعدّون بالأصابع... وهم إما أصحاب عقارات أمثالُ يوسف لَنْقي ومفتاح بوزيد وآل التاجوري وحَمَدْ جربوع... أو بعض المستوردين وتجّار خرْدَة الحرب العالميّة الثّانية ومنهم عبد الله عابد السنوسي والسنوسي الأشهب وبوقعيقيص، وآخرون أمثال سليمان كانون، صاحب مصنع المكرونة في شارع الشويخات، وعمر كانون... كما كان هناك تجّارٌ كبارٌ، وكذلك بعض الميسورين من الأعيان الذين لا يعملون ويعتمدون على دخلهم من الإيجارات واستثمارات السعي وحرثِ القمح والشعير مع شركائهم من أهل البادية.

ماذا كان دخلُ تاجرٍ، صاحبِ محلٍّ بالقطّاعي... محلّ ملابس إفْرنجيّة (رجاليّةٍ طبعاً) أو ما كان يُصنّف محلّ بيعِ خردوات... ولا أدري ما مصدر التسْمية، ولعلّ الكلمةَ تركيّة أو فارسيّة الأصل. كانت الملابسُ العربيةُّ للرجال تباعُ في سوق الظلام، وكذلك الأرْديةُ النسائيّة والأقمشةُ والمجوهراتُ.... أما محَلات الملابسِ النسائيّة الأوروبيّة فكانت نادرةً في المدينة... وأشهرها محلّ على لَنْقي، في ميدان السلفيوم المقابل لقصر المنار (مكتبٌ تابعٌ للجامعةِ الآن).

كانت إيجاراتُ المنازلِ زهيدةً، ولكنّ والدي اشترى منزلاً عند ناصية شارعي قَصَر حَمَدْ واغْرَيْبيل، أو ما يسمى بالركينة، وباعَه بعد سنتين أو ثلاثة بستّمائةِ جنيهٍ.

كان الدجاجُ مأكولاً نادراً... وعادةً ما يطبخُ فقط للمريض والمرأةِ النافِس... وكانت توابعُه معقدةٌ: يُشترَى حياً ويُذبح لدى جزّار، أو يذبحُه لك ربّي اليهود... بموسه الحادّة، ليرمي بالدجاجة تجري على الأرض المتربة، مرتعبة من فرْط الألم حتى تخورُ قواها وينضب دمٌها، ليحملَها صاحبُها عائداً الى البيت حيث تقومُ ربةُ الأسرة بغلْيها تمهيداً لإزالة ريشِها... وتنتهي الى قصْعةِ بازين... وبْرُودو إن كان هناك عَليلٌ بالأسرة.

كانت الخضرةُ اليوميّةُ من طماطم وبصَلٍ وبطاطا وكوسة ومَعْدنوس وبْكِيوَهْ وفجل ونعناع... بخمسين قِرشٍ... وكان لابد من شِرَاءِ خُضْرة كلّ يوم لعدمِ وجودِ الثّلاجة... التي بدأت دخولَ البيت الليبي الميسورِ، حوالي عام 1958م. وكان البيضُ يباعُ بالحَارَةِ أو حتى الواحدة، ويختارُ ربُّ الأسرةِ الدَّحْيَ من قفصِ سَعْفٍ محشوٌ بالتبْن.

في تلكَ الفترةِ كان الشاهي والسّكرُ يباعان على أساس "سِكّرْ بشاهيّه"... مثلاً: نصْ كيلو سكّر مع مائةِ غرامِ شاهي. كما كان الطماطمُ المعجونُ يباعُ بالخمسين أو المائة غرامٍ في كاغَطْ (ورق بني سميك).

الخبزة كانت بالطبع تُعجن في البيت ويأخذُها أحدُ الصّغار في طبقٍ "لتُرمَى" في الكوشَةِ المجاورة... حيث تدخل الفرْن ويبقى يلعب مع أقرانه هناك الى أن "تطيبْ"... وعادةً ما يأخذ الكوّاشُ أحدَ الأرغفة، وخاصة القنان الصغير، "الذي يسقط في الحفرة،" كما كانوا يزعمون. وقد تقوم الأم أحياناً، اذا لم يكن لديها غسيل ملابس، بتحضير خبزةِ تنّور، وما يصاحب ذلك من متاعبِ الفرن الليبي من "حَمْيِهِ" بالحطب وإدخال العجين لإلصاقه بداخل الجدار بين ألسنة اللهب .

أما أغلى السلع الغذائيّة فكانت الجبنةُ... وأشهرُها "الحمراء" أو الإدام الهولنديّة، والجبنةُ نصفُ المسيّلةِ والمحفوظةِ في علب القصدير مثلُ كرافت، والتي شاعت في العالم آنذاك كجزء من مقتضيات الحرب. وكان من مشاهير تجّار الأجبان: الحاج محرّم قرب ميدان البلدية وطرخان في ميدان سوقِ الحوت.

مع بدايةِ التنقيبِ عن النّفط ـ ولم أكن أدري حقيقة العلاقة آنذاك ـ سرعان ما ارتفعت تكاليفُ المعيشة... أمسى سعرُ كيلو اللحمِ خمسين قرشاً، والتخضيرة بالفواكه جنيهاً كاملاً. بالمقابلِ ارتفع الدّخل اليومي للدّكّان إلى عشرين جنيهٍ، وربّما وصل إجمالي المبيعات المائةَ جنيهٍ في كلّ ليلة من أواخرِ شهر رمضان... حتى وإن كان جزءٌ كبيرٌ من المبيعات للموظفين بالدين .

في دكّاننا آنذاك كان سعرُ الحذاءِ الممتاز (الإنجليزي بالقـَلْبة) جنيهاً ونصف. وسعرُ البدلة الإيطاليّة ثلاثةَ جنيهات ونصف. وكان أحسنُ خياطي المدينة، السنوسي شَمْسَه ومعاونيْه امْحمد بوهادي واخْليف، في المحلّ الملاصق لدكّان والدي، يُخيطون البدلة بستّة جنيهات... بالتقسيط: جْنيه ونصْ في الشّهر. وكانت تكلفةُ خياطةِ البنطلون جْنيهُ ونصْ. وكان بوهادي واخْليف، أمدّ الله في عُمُريْهِما نموذجاً للعمل الدؤوب والأمانة.

من هذا النّشاط التّجاري، استطاع والدي أن يوفّر ما أتاح له أن يُشارك خالي في شراء عمارةٍ من أربع شقق، نصفُ مهدّمةٍ (من قنابل الحرب)، قريبةٍ من شارع عمرو بن العاص، من صاحبِها الإيطالي بستّمائة جنيه. وقام بالصّيانة الأسطى محمّدُ الفِرِّه وصهرُه مختارُ الجِبَالي ومعاونوهم، بيوميّةٍ نصف جنيه للأسطى... وكان "السْلاَك بالحَفْظَه" أي الدفع كلّ أسبوعين، وكنتُ أقومُ بعمليات الجمع والطّرح، ريثما يتجادل الفِرّه وأبي على "كم يدفع لهم كل مرة"... "لأن السّوقْ مكَسّدْ" أو لغير ذلك من الأعذار!

وبعد اكتمال صيانة المبني تمّ تأجيرُه لأسَرِ الجيش الإنجليزي، لقدرتهم على دفع أعلى إيجار... أطْناشَرْ جنيه في الشّهر. أي أن العمارة "خلّصتْ نفْسها" في غضون عامين تقريباً... صفقة رابحة! لكن الشركة، بالمقابل سرعان ما تفركَشَتْ.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home