Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Abdelhamid al-Malki
الكاتب الليبي محمد عبدالحميد المالكي

Thursday, 27 March, 2008

حوار مع د. مهدي أمبيرش

حاوره : محمد عبدالحميد المالكي
مشرف مختبر بنغازي للسيميائيات وتحليل الخطاب
moh_malky@yahoo.com


الدكتور مهدي أمبيرش "وزير" الإعلام والثقافة (السابق) ؛ يقول :
" أن (الكتاب الأخضر) ؛ ليس ايديولوجية"...
"أنا فعلاًً ؛ ضد الديمقراطية، بل وضد الليبرالية والتعددية كذلك.."
"الكتاب الاخضر.. ليس ايديولوجيا.."

"أن مشروعي الفكري يرتكز أساساً على نقد ومساءلة مفاهيم ومصطلحات مثل: الشفافية، الآليات، الثوابت، الضوابط، اللا مفكر فيه، الرأي والرأي الآخر، التركيب، التأويل .. بما فيها من أوهام نخبوية؛ غير علمية". (د. مهدي امبيرش)

• لماذا الحوار مع الدكتور مهدي أمبيرش؟

سؤال مشروع ومعقول جداً، إذ يكاد لا يمر يوماً؛ دون مشاهدة أو قراءة مقابلة ما، مع أديب، فنان، كاتب، أو حتى مع سياسي أو رياضي يعنينا، منها الان الأدبية والثقافية تحديداً. وإذا كانت غالبية هذه المقابلات، تعتمد تقنيات التكريس؛ لصالح قيم المصالح المتبادلة (شيلني وانشيلك). وإذا كنا ندعي قيم أخرى مختلفة، أو أننا نشتغل على تقنيات أخرى غير التكريس، فأن ذلك لا يعني أننا زهاد أو نساك أيضاً، ولكن السؤال المهم هو: كيف هي المصلحة/القيمة العملية (أوالقصد) من هذا الحوار؟ ذلك لأن مشروعية إنتاج حوار ما، كما هو أي نص/ كلام أخر، في مدى التزامه وتركيزه على أولوية "وظيفة" الأخبار والتبليغ، دون إغفال بقية الوظائف الخمس الأخرى، حسب نظرية "رومان جاكبسون" في الاتصال اللساني.
هناك من يقول: ".. ليس عيباً مجاملة الآخرين، بشكرهم والثناء عليهم أو محادثتهم بتهذيب ودماثة، شرط ألا يكون في كلامك شبهة منح صفات وإضافات مجانية، بالمعنى النحوي التركيبي، لعل ابرزها مجانيات صفات "أفعل تفضيل": أديب البحر، رائد النهضة الفكرية، كوكب الشرق، روائي الحارة المصرية، شاعر الصحراء..الخ. كما يقال ايضا؛ أن العيب/الكارثة، علي الاقل بالمعنى الأخلاقي/القيمي المعياري، هو الكلام عن نفس الأشخاص في غير حضورهم؛ بطريقة مختلفة(العكس)، اعتماداً على أن كائنات المستمعين(أوالقطعان الواهنة) لا تملك ذاكرة"... أما كيف نحن مختلفين؟ فأننا نترك الإجابة مفتوحة إلى ننتهي من هذا الحوار ...
يوصف الدكتور مهدي امبيرش أحياناً؛ بالدكتاتوري المتعسف، الذي لا يؤمن بالحوار، كما لا يستمع إلى "الرأي الآخر"؛ مقابل إفراطه في طرح تفاصيل آراءه الخاصة. كما يوصف أحياناً أخرى، بأنه مولع بمخالفة المصطلحات والتعابير الأدبية والثقافية الشائعة المتعارف عليها، بل ويعمل على فرضها بتعسف بحكم "سلطة المعلم"، كأستاذ أكاديمي، قبل صلاحياته الإدارية.
وآخرين يقولون: إنه أسهل مسئول ثقافي يمكنك سؤاله ومحادثته في الملتقيات واللقاءات العامة، ولكنه أصعب مسئول تحاول مقابلته في مكتبه الإداري، بشكل فردي ومنفردا. وآخرين يقولون: إنه أكثر المسئولين الذين يحضرون جلسات الملتقيات والندوات، تدخلاً وتعليقاً علي أوراق المشاركين.. وربما هم أنفسهم، إضافة إلى بعض المسئولين الآخرين، الذين يقولون، في إطار الذم: إنه شعبي وبسيط، إلى درجة إنه يطيح بهيبة المركز الإداري والسياسي (يقصدون هيبة النجومية؛ سواء كانت سياسية أو فنية أو حتى الرياضية..)
كما أن المتبع للحياة الثقافية والأدبية، يستطيع أن يستنتج بسهولة، أن كل كلام يمكن أن يقال عن الرجل؛ تتبعها دائماً كلمة (ولكن!) الاعتراضية، تلك الكلمة التي تعني أن هناك آراء أخرى، أو أن هناك "ظاهرة" حمالة أوجه، كما يقول المناطقة.. لهذه الأسباب، وغيرها سنأتي عليها في حينها، فقد حملنا الأسئلة والتساؤلات والملاحظات، وذهبنا للرجل مباشرة..

ملاحظة: استغرق هذا الحوار أكثر من ثلاث ساعات، وبالتالي لم يكن هناك مفر من الاختصار والاختزال، والمتعسف غالباً، إضافة إلى الاختلاف النوعي بين الكلام الشفوي و"النص المكتوب"، كما أثبتت أبحاث "علوم النص"، وبالتالي فإذا كان هناك تقصير ما، أو عدم دقة في الصياغة مثلاً، فأن المحاور يتحمل المسئولية ذلك وحده...

• مباشرة سألته: لماذا شبه الإجماع ضدكم، عندما كنت أمين(وزير) الإعلام والثقافة؟ ولماذا كنت ترفض مقابلة الكتاب والأدباء والفنانين آنذاك؟ قال:

أولاً: أن العمل العام في المكاتب هو للأعمال والإجراءات الإدارية، أو على الأقل من المفترض أن تكون كذلك، وان الموظف العام بهذا المفهوم ليس موظفا خاصا؛ يعمل لحساب نفسه، ومن ثم وصف العمل غير المرتبط بالوظيفة العامة؛ انه عمل حر؛ اى ان عمل الوظيفة العامة هو عمل مقيد للحرية؛ والمقابلات الشخصية فيها من الحرية، بالمفهوم المرتبط بارادة الفعل وفعل الارادة. علاوة على ان المقابلات في كثير من الاحيان هى للمجاملات ، التي قد يترتب عليها التزامات ومسؤليات؛ ليست من طبيعة الوظيفة العامة..
مقاطعاً، قلت: ولكن المقابلات الشخصية للكتاب والفنانين، ليست للثرثرة أو المجاملات، بل هي بغرض تقديم مطالبهم وشكواهم، أو حتى للحوار الفكري والأدبي المباشر، بدون حواجز ووسطاء.. قال:
كما قلت الآن، لكل مقام كلام، فأن مقام الحوار وتبادل الرأي، هو الندوات والملتقيات والأمسيات.. ولنتكلم بصراحة، أن المطالبين بحوار ولقاءات المسئولين، هم أنفسهم قد لا يقبلون الحوار والنقاش؛ ثم ان اى حوار لابد ان يؤسس على مرجعيات للتفاهم والاختلاف معا، اضافة الى ان الكثير منهم لا يناقش؛ بل يلجؤون الى توظيف الصحف والمجلات للاثارة، مستغلين الجانب النفسي في القارىء، ولا يلجؤن الي الكتابات النقدية الجادة والمعمقة.. فهل أستطيع السؤال: لماذا؟ وهل أستطيع التساؤل أيضاً: لماذا هذا الإصرار على المقابلات الفردية والشخصية، داخل المكاتب الإدارية المغلقة؟ ولماذا نخشى الحوار المفتوح العلني والعام؟ وما هي الأهداف والمقاصد؟ ولماذا نقص عدد المطالبين المترددين، إلى الحد الأدنى، عندما تركت مسؤولية أمانة الإعلام والثقافة، وتولي مسؤولية أكاديمية الفكر الجماهيري؟ رغم أن الأكاديمية هي المقام الطبيعي والمناسب، للحوار والنقاش والبحث.. وحتى اختصر عليك، وعلى نفسي كذلك، أقول لك: أن من يقوم بالابتزاز والمزايدة، وكذلك من يخضع لهما أيضاً، لا يملك مشروعاً أدبياً أو ثقافياً أو فنياً، بل قد يكون غير جدير بالاحترام والتقدير أصلاً.. ويحضرني الان؛ أثناء مشاركتي بإحدى الندوات الأدبية، ان جاءني أحد الأدباء، وشرح مطالبة وبث شكواه، وما تعرض له من ظلم وغبن، ومن ثم ابديت له تعاطفا، ولكن عندما علق: إنه سينتظر مني الاستجابة لهذا الطلب. قلت له: إذا كنت تتحدث معي الآن في هذه الندوة، باعتبارنا زملاء وأصدقاء نناقش ونتبادل الآراء حول همومنا وطموحاتنا وربما العراقيل التي تعترضنا، ومن هذا جاء تعاطفي، وحكمي المحدود، ولكن لايفهم من ذلك انها وعود مسئول؛ او بأعتبارها التزاما، على اى حال، سأقوم بالتعليق على طلبك(ملاحظة: قام بحركة ؛ وكأنه ممسكاً بورقة في اليد اليسري ؛ ويوقع بيده الأخرى عليها). وعندما(ضحك) هذا الزميل، من هذه الحركة، مستغربا مني هذا السلوك.. قلت: أنا لا أمزح، اذ ليس بالأمر ما يضحك، كما انه ليس نكتة، بل انا في منتهى الجدية، ذلك لأنك تكلمت في الهواء، فوقعت على طلبك في الهواء أيضاً.. أما إذا كنت تطالب مسؤولا إداريا، فعليك كتابة مذكرة على ورق بهذا الشأن، حتى أستطيع أن أوقع على ورق أيضاً، فضلاً عن أن مقام هذا الكلام بالمكاتب الإدارية، وليس هنا، وهو ما يفرض علينا الالتزام بما هو متبع من إجراءات إدارية في مثل هذا الخصوص..

• عندما قلت له: إذا ما تجاوزنا إضاعة الوقت، إذ يمكن تحديد زمن للمقابلة مثلا، أعتقد أنك لن تخسر شيئاً؛ إذا ما استمعت، مجرد استماع فقط، لمختلف الآراء، ليوضح الأدباء والفنانون وجهات نظرهم واقتراحاتهم في الشأن الثقافي، انطلاقاً من الحرية في التعبير والكلام، قال:

حدث في أحدى الأمسيات الثقافية، أن أخذ بعض المثقفين (حوالي أربعة؛ وكنت معهم) نتبادل في أطراف الحديث بالصالة الملحقة بالقاعة، حتى طلب أحد الكتاب أن يقول رأيه، بصراحة ووضوح، انطلاقاً من مبدأ "الحرية"؛ بدعوى أنه حر في التعبير عن رأيه، وموجهاً الحديث لي، قال: ممكن يا دكتور أن تستمع إلى رأي بصراحة؟ بغض النظر عن مسألة المناصب الإدارية والألقاب الأكاديمية.. قلت: لا؛ ليس ممكناً، وأرفض الاستماع إليك.. فما كان منه إلا أن قال، بلهجة المنتصر: أذن أنت ضد الحرية، حرية الآخرين في التعبير عن ارائهم؛ فقلت: أنت حر بالتأكيد في ابداء اى حكم يستند الى معاييرك ومرجعياتك؛ أو أي صفه تضيفها إلّي شخصياً، وبصدر رحب أيضاً، ولكن.. على أن مبدأ "الحرية" عندما نقره فهو من حق الجميع أيضا، أي من حق المتحدث والمستمع على قدر المساواة، وليس من حق المتكلمين (المرسل) فقط.. ومن ثم فمن حق المستمع/المتلقي أن يقول: أن من حقي عدم الاستماع إليك، وأنا أطالبك بحقي في"حرية" الاستماع أيضاً، بل وحتى حقي في "شروط الاستماع" التي أحددها بنفسي ولا يفرضها عليّ أحد مثل: الموضوعات التي أرغب في الاستماع إليها دون غيرها، وممن تكون، والأوقات والأمكنة التي أحددها وهكذا.. هذا على المستوى الشخصي. أما الآراء العامة، والتي تقال في الجلسات العامة، فهذا حقك؛ وبجرأة وشجاعة وأمام الجميع، إذ يمكنك قول رأيك بعد قليل، داخل صالة هذه الأمسية مثلا.. ومن حقك أن تطلب مداخلة، حينها سيكون من حقي البقاء أو الخروج، والتعبير عن رغبتي في الاستماع من عدمه. ولكن في جلستنا المحدودة هذه، كما هي أي جلسة أخرى خاصة، فان الأمر قد يكون محرجاً لجميع الحاضرين، إذا ما أنسحب أحد المستمعين هكذا فجأة؛ وخاصة إذا كان المنسحب هو الموجه إليه الحديث، حتى لو كان هذا الانسحاب مشفوعاً باعتذار مهذب..

• بصراحة دكتور مهدي، مع احترامي الشديد لشخصكم، فأنت متهم بعدم الاستجابة للمشاريع التي قدمت إليكم؛ من قبل بعض الكتاب والأدباء والفنانين؛ عندما توليتم مسؤولية أمانة(وزارة) الإعلام والثقافة، وبصراحة أكثر: أنت متهم بالشح والبخل، حتى يقال أنك قلت: أنني لست مسئولاً عن الضمان الاجتماعي، حتى أهتم بالمشاكل الخاصة بكم، فماذا تقول؟

بداية لابد من تحديد للمفاهيم، لأن مثل هذا الكلام فيه خلط وتمويه، بل وحتى تضليل أيضاً، أولاً: مسألة البخل والكرم، تلك سجايا شخصية بحته، ولست هنا بصدد الدفاع أو الكلام عن الشخصي، ذلك لأنه موضوع يخصني ولا يرتبط بأحد؛ سوى الذين قد يتضررون من هذه السجايا، الذين هم على علاقة خاصة بي (الأقارب، الأسرة، الأصدقاء وفقط)، وقد يكون لهم وحدهم محاسبتي، كما أحاسبهم أيضا، في مثل هذه الأمور الشخصية..
ثانياً: اما بخصوص مسألة العمل والمسئولية المترتبة على الوظيفة العامة، فتلك لها قواعدها وقوانينها، المرتبطة بالالتزام والواجب والأمانة والتكليف. ولهذا السبب تأتي تسمية "أمانة"، والشخص المكلف بها يسمى (أمين لجنة شعبية) اوغيرها، أي التزام المسئول، أو الأمين، بالتشريعات والقرارات المعمول بها في الجماهيرية، وتكاد تنحصر مهمته فقط؛ في تنفيذ قرارات المؤتمرات الشعبية الأساسية، ويجب أن يكون هامش الأمين بالتصرف الشخصي إلى الحد الأدنى، وبغض النظر عما يحدث في الواقع، ذلك لأن الأمين ليس "وزيراً"، يأتي بناء على برنامج تحالف حزبي؛ عشائري..الخ، أي برنامج الحكومة التي فازت بالانتخابات.
أما فيما يخص سؤالك عن المشاريع والطلبات، التي قدمت لأمانة الإعلام والثقافة آنذاك، أستطيع القول أنها كانت مشاريع خاصة؛ وليست مشاريع تكتسب شرعية العموم؛ واغلبها مشاريع أعراس ومهرجانات فقط، وليس لدي اعتراض على ذلك، ولكن كل ما في الأمر، أن الأعراس ترتبط بالمهرجانات والكرنفالات، ولها شروط ومتطلبات تختلف عن مشاريع الفن والثقافة والأدب، فتلك معركة جادة. وكما نحتاج للترفيه والاستمتاع، نحتاج أيضاً للعمل والجدية. إضافة إلى أن هناك متخصصين مؤهلين للقيام والإشراف لكل من المجالين، وليست المسائل منفلتة هكذا، لكل حاذق وألمعي، يستهدف أشياء أخرى لا هذه ولا تلك. ومع ذلك هناك العديد من الأنشطة والفاعلية التي قامت بها أمانة الإعلام والثقافة، والمعتمدة في الخطة العامة.. ولكن قبل أن نسترسل في الحديث، فقد لاحظت، من خلال أسئلتك السابقة، أن هناك مبالغة وغرضين بموضوع إعفائي من مسؤولية الأمانة، وكأنها دليل فشل،واعتبر ان الوظيفة العامة مسؤولية وامانة، وكلما تخلص منها اراح واستراح، كما ان العبرة في المعارك ليس الاستمرار في الخنادق؛ اذا كان بالامكان حسم المعارك بأقل التكاليف وايسر الطرق، وانا هنا لا ازكي نفسها، فقد اكون صالحا وقد لا اكون، كما ان المقاتلين ينتقلون من مكان الي مكان.وهذا هو معنى انتقالي لأكاديمية الفكر الجماهيري. وعلى المستوى الشخصي فأنني كاتب وباحث أكاديمي في الأساس. أما عملي ومشروعي الأساسي، فهو البحث العلمي، معلماً ومشرفاً، على الدراسات العليا الأكاديمية، كما اني لا احب العمل في السياسة، بالمعنى ألاحترافي المهني، و المطلع على كتاباتي ( يقصد مقالاته الأسبوعية بصحيفة الشمس خاصة) يدرك هذا الأمر بسهولة ويسر أيضاً. وفي النهاية كلنا ملتزمون بإرادة الجماهير، وهي التي تحدد المكان المناسب، لتكلف من تراه ملائماً في هذا المكان أو ذاك. إذا أن المسؤولية، كما يقال، تكليف وليست تشريف.

• بصراحة دكتور مهدي، قد يستنتج من كلامك السابق، بشأن حرية الاستماع، أنك ضد الديمقراطية، وضد التعددية.. فأن السؤال سيكون: ما هي الضوابط /الثوابت/الآليات/الإجراءات، التي من المفترض أن تكون واضحة وشفافة للجميع، حتى يكون هناك مناخ للحرية.. حرية التعبير، حرية الكلام على الأقل؟

دعني أقول بصراحة أكثر، أنا فعلاًً؛ ضد الديمقراطية،على الاقل بالمفهوم التقليدي، بل وضد الليبرالية والتعددية كذلك...

• ومقاطعا باستغراب وتساؤل: لكن يا دكتور مهدي فقد يفهم احد ما؛ من هذا الكلام، وبدون مزايدات رخيصة، أنك تقول كلاماُ مختلفاً عن"الأيديولوجية الرسمية للدولة"،"سلطة الشعب"، أو أنك... فقاطعني قائلا:

فليفهم الآخرون ما شاءوا، كل حسب هواه طبعا، أما ما أعرفه، كباحث أكاديمي، هو أن "الكتاب الأخضر"يتناول نظرية، وليس ايديولوجية. لان الايديولوجية تعبر عن ازمة معرفية، كما "الكتاب الاخضر" اشار الي مشكلة اداة الحكم؛ وقدم كيفية قيام "سلطة الشعب". كما ان الفصل الاول هو:"حل مشكلة الديمقراطية"، باعتبارها مشكلة، أو باعتبارها شعارا ايديولوجيا ساكنا، في حين ان الحرية لها مفهومها المتحرك، ومن ثم ياتي تعدد الاشكال. ولكن المشكلة في سؤلك، أو في فهم الآخرين، هو اى من الديمقراطيات تلك التي نريد الحديث عنها... إذ هناك الديمقراطيات: البرلمانية، الرئاسية، الدستورية، أو حتى الطائفية والعرقية والقبلية العشائرية أيضاً، كما أن كل الدكتاتوريات(هتلر وموسليني مثلاً) كانت ومازالت، تصف نفسها بالأنظمة الديمقراطية.. وبالتالي لا أستطيع فهم معنى تعبير مثل: "الأيديولوجيا الرسمية للدولة الليبية"، أو "الأيديولوجيا الجماهيرية"، ولا أنكر أن هناك الكثير من الزملاء يستعملون مثل هذه التعبيرات، رغم حسن النية، فإن مثل هذه التعبيرات تعتبر كارثة منهجية ومعرفية؛ كما اشرت.. ذلك لأن "المشروع الجماهيري" (وليس الأيديولوجيا الجماهيرية؛ أو حتى المشروع الديمقراطي الجماهيري) هو "المشروع الدائم للحرية"، حرية المجتمع؛ بالمفهوم المتحرك والمتغير، اى مشروع الصيرورة إلي ما لا نهاية، مشروع الولادة الدائمة. وذلك لسبب بسيط ، هو أن لحظة الجماهير، هي لحظة لا تنتهي في زمن محدد، أو في مكان معين. و"لحظة الصيرورة"؛ لان الجماهير متغيرة؛ كما وكيفا؛ وافكر الجماهيري؛ هو مشروع الشعب، ضمن المتحقق المكاني والزماني، وهذا وراء رفض الدساتير، او إملاء أرادات الجزء على الكل، بالمفهوم الفيزيقي للكل والجزء... وبالتالي لا يستطيع فرد، فئة مجموعة.. إلخ، أن تقول هذا هو "الفكر الجماهيري"، وهنا تقف حدود الحرية، التي سنضعها بشكل نهائي ويقيني. أوهنا ضوابط الحرية (او معاييرها/خطوطها الحمراء؛ الصفراء..)، حينها يتحول مشروع الحرية، إلى "لوغوس"...
ذلك لأن "المشروع الجماهيري" ليس حرية التعبير الشعبي فحسب، بل "حرية" الحكم الشعبي، الذي لا يتعلق بتقرير مصير الاحياء فقط ، بل الأجيال القادمة ايضا، ومن ثم فان اى قرار لا يضع المستقبل موضع التفكير يعد مصادرة لحرية الأجيال القادمة؛ بتقرير مصيرهم نيابة عنهم؟ ولكن السؤال الحاسم: هل وصل "الجميع" لتحمل مسؤولية الحرية فعلاً؟...
أما فيما يخص المفاهيم الأخرى، التي ذكرتها: الشفافية، الآليات، الثوابت، الضوابط، بل وحتى التي لم تذكرها؛ مثل: اللا مفكر فيه، الرأي والرأي الآخر، التركيب، التأويل ... فأن مشروعي الفكري يرتكز أساساً على مخالفة ونقد ومساءلة مثل هذه المفاهيم، بل وفضحها وتعريتها أيضا، بما فيها من أوهام نخبوية غير علمية، من منطلق الحرية، "مشروع الحرية" نفسه. كما أن هذه المفاهيم والمصطلحات السابقة؛ قد تمت ترجمتها من لغتها الأصلية؛ باستسهال وعدم دقة؛ مما أدى باللسان العربي لكثير من الخلط والتشويش ومتاهات فكرية كبيرة، أو هي ما تسمى بالترف التأملي الأجوف، أوهي الضجيج اللساني، الذي يعرف في علوم اللسانيات "بالتداول والتكرار"، حتى أضحت لتلك المفاهيم والمصطلحات قوة راسخة؛ باعتبارها بديهيات ومسلمات، ترهب كل من يحاول الخروج عليها؛ بالنقد والمساءلة، باختصار تحولت إلى "لوغوس"...

تنويه: عندما وصل الأمر إلى هذا المستوى المتخصص الدقيق، ولضرورات فنية إجرائية، تخص مساحة وسياق الحوار، إضافة إلى إشكالية انتقال/تحول الكلام الشفوي إلى"نص مكتوب"، كما سبق وذكرنا في بداية هذا الحوار، فقد فضلنا عمل تلخيص واختزال لكلام الدكتور، والذي نعترف سلفاُ أنه سيكون متعسفاً ومخلاً في كثير من المواضع، فأن المحاور يتحمل مسئولية ذلك وحده، كما هي مسؤوليته في هذا الحوار كاملا أيضاً. لذا وجب التنويه.

بدأ الدكتور امبيريش؛ بتحليل تلك التقنيات الخطابية؛ الخاصة بكيفية امتلاك القيمة المعيارية، أو الكيفية التي تمنح المتحدث القدرة علي إسكات المستمع، أو كيفية استيلاء فئة/ جماعة لسانية معينة على صفة، أو صفات، معيارية محددة، من خلال تكرار ثيمات(Themes) محددة؛ من أجل تكوين مرجعية(References) مشتركة، وذلك بوضعها في سياقات معيارية أخلاقية محددة، حتى يتسنى لهم فرضها على الآخرين (جمهور المستمعين).. باختصار قدرات وإمكانيات هذه المجموعة اللسانية في تكوين "لوغوس"؛ يقيني إطلاقي ونهائي لا يقبل الشك... ومدللا بقوله:
"كما هو الحال؛ عندما يبدأ احدهم حديثه، بآيات من القرآن الكريم، ثم في وسط الكلام (قال الله تعالي؛ قال الرسول الكريم)، ويختتم ببعض الآيات الكريمة أيضاً، ويردد وراءه جمهور المستمعين "صدق الله العظيم".. ولكن إذا اختلفت معه، فإنك ستكون بالتأكيد قد خرجت عن الملة، وضد القرآن أو السنة. رغم أنك عملياً؛ قد تكون ضد ما قاله، أو تفسيره/ رؤيته/ تحليله/قراءاته، ولست ضد الإسلام.. فلن يصبح أمامك إلا السكوت والتسليم بما قال، في حين أن التسليم واليقين هو لكلام الله تبارك وتعالي، وكما جاء بالذكر الحكيم، وليس لكلام البشر. إذن الإشكالية هي: كيف استطاع هذا المتحدث (فرد، فئة، جماعة، حزب..الخ) تكوين حقيقة/ يقين لا تقبل الشك، أي "لوغوس"..."
كما تحدث؛ عن بعض المفاهيم والمصطلحات، التي ذكرها سابقاً مثل: الشفافية، التأويل، الآلية..الخ، وكيفية إساءة الترجمة والنقل والتعريب إلى اللسان العربي.. ذلك لأن الإنتاج الفكري لأوروبا في العصر الحديث كان من نصيب اللغة الألمانية، وقبلها كان من نصيب اللغة اللاتينية، ولكن مع بدايات القرن التاسع عشر، تنوعت وازدادت نسبة مشاركة اللغتين الفرنسية والإنجليزية، وهذه الإيجابية تحديداً، كانت إشكالية في نفس الوقت، التي تمثلت في كيفية النقل والترجمة؛ أو اختلاف السياقات والمرجعيات، فيما بين هذه الألسن. وتفاقمت هذه الإشكالية، رغم إيجابياتها العديدة، في منتصف القرن الماضي تقريباً، حتى أصبح هناك ما يعرف في المحافل العلمية الفلسفية، ثلاث مدارس رئيسية: الألمانية، الفرانكفونية، الأنجلوساكسونية.. أما بالنسبة لنا؛ في اللسان العربي، فقد تمت عملية نقل هذه الإشكاليات، دون أن ندرك أهمية السياقات والمرجعيات، المعيارية/التاريخية، التي أنتجت هذه المفاهيم والمصطلحات ، وبالتالي كان التركيز، في النقل والترجمة؛ فقط على الأسماء البارزة؛ لإعلام الفكر والأدب والفن، دون الانتباه إلى مسألة انتماء هؤلاء لتلك المدارس الثلاث السابقة..ومشيرا الى:
".. رد الفعل اليهودي التفكيكي، بدأ من ماركس؛ الذي فكك اللوغوس الالماني؛ لصالح الطبقة الاصلية/ اليهودية، وهو نفس المشروع اليهودي، وان كان اكثر شمولية وتركيبية؛ لدى ماركس من مشاريع اخرى، مثل: فرويد، ليفيناس، جاك دريدا..."

• وعندما سألناه: قد يكون هناك التباس، او يفهم من كلامك: انك ضد الانجازات العلمية والمعرفية لهؤلاء؛ أوغيرهم من اعلام هذه المدارس الثلاث.. قال:

"انا لا اتكلم عن هذا الانجازات، ولكن حديثي خاص عما في نتاج هؤلاء من مرجعيات ايديولوجية فقط، وكما اشرت سلفا.. وتلك مهمة ليست سهلة وبسيطة، او أنها تحتاج الى خطاب ايديولوجي بديل، بل الي تحليلات جادة ومعمقة، وهو ما يندرج في خطة اكاديمية الفكر الجماهيري.. اى تحتاج الي مشروع للقراءة الدائمة، ولا اقول "التأويل"، اذ ان "الحفر"(كما لدي؛ فوكو) لا يعني العودة للاصل، فالعودة للاصل والتأويل، كما الكثير من هذه المفاهيم؛ مرجعيتها من الفكر اليهودي...

* * *

ا. د. مهدي مفتاح امبيرش، في سطور :
ــ مواليد صرمان 1950، ماجستير في الادب المقارن، دكتوراه في فلسفة التاريخ، واخرى في فلسفة الحضارة، يعمل حاليا:
ــ رئيس مجلس الادارة المدير العام لأكاديمية الفكر الجماهيري.
ــ استاذ الدرسات العليا (فلسفة) في جامعة الفاتح، والنظريات الفكر المعاصر بكلية الدعوة الاسلامية.
ــ منسق شعبة التثقيف والاعلام بمكتب الاتصال باللجان الثورية.
ــ كما شغل منصب (وزارتي) التعليم والبحث العلمي، والثقافة والاعلام.
ــ كما عمل كأمين (سفير) في: الولايات الامريكية، المانيا، طهران.
له العديد من الكتب، لعل منها:
ـــ القرآن ومشكلات الانسان، بين نيتشه وجبران، المرأة والقرآن، رؤية في الثقافة والادب، افلاطون ومعمر القذافي بين الجمهورية والجماهيرية.



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home