Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Abdelhamid al-Malki
الكاتب الليبي محمد عبدالحميد المالكي

Sunday, 26 November, 2006

سيميائية تقنية الاحتمالات الحجاجية الممكنة.. العلامة الرياضية نموذجاً

محمد عبدالحميد المالكي

"إن المشكلة القيمة (الأخلاق المعيارية) لم تكن تبدو في باديء الأمر سوى مسألة معزولة، أوعلامة استفهام وحيدة وعلى حده، لكن من يتوقف هنا مرة واحدة، من يتعلم طرح الأسئلة، لابد أن يصيبه ما أصابني. إذ تنفتح أمامه آفاق جديدة وهائلة، وتستحوذ عليه رؤية الاحتمالات الممكنة وكأنها الدوار، ثم جميع أصناف الريبة والشك والخشية، وينهار الإيمان بالأخلاق قاطبة. ولا يلبث أن يرتفع أخيراً صوت تطلب جديد: إننا بحاجة إلى نقد تلك "القيم المعيارية" للأخلاق، ومن أجل ذلك من الضروري معرفة الشروط والأوساط التي ولدتها، والتي كانت بمثابة الرحم الذي نمت فيه هذه القيم وتشوهت: بوصفها نتيجة، عارضاً، قناعاً، حافزاً وعائقاً، سبباً وعلاجاً..." فردريك نيتشه

عندما صرخت في وجه صديقي غير الحميم "كيف؟"، على اقتراحه/ الكارثة: أن عبدالرحمن بدوى لم يكن لديه وقت للقراءة، بل للكتابة فقط؟ رد بابتسامة وأضاف:
مهلاً.. قلت لك يجب؛ أولاً الاتفاق تعاقدياً على بعض المبادىء فيما بيننا، ذلك لأنني أعرف حجم الصدمة بالنسبة (لكم) للكائنات الرخوية/ ضحايا كهنة "محترفو الإلقاء، الذين لا يروجون لقيمة القراءة والاطلاع،. كما قلت لك، اذ لا نسمع غالباً؛ الا كلاما عن معاناة الابداع والفن، والمزاج الخاص بالكتابة واوقاتها الفريدة..الخ. أو الكلام حول شخصية الكاتب وتجاربه الشخصية والعائلية وكيف ومتى يكتب؟ أما القراءة فلا وجود لها إلا في الصور، أو كخلفية للديكور الأنيق والجميل وفقط ، في تلك المكتبة الفخمة؛ ذات المجلدات الضخمة والأنيقة. تلك الخلفية الهامشية لمشهدية الكاتب المؤلف. اذ ان الكلام عن معاناة القراءة والاطلاع والبحث والشغل والاشتغال والاجتهاد والجهد؛ فهي ألفاظ تكاد تكون جديدة؛ أو نقلت طازجة من مدرسة باريس الستينيات إلى ثمانينيات القرن الماضي تحديدا، أو من قبل المدرسة المغاربية فقط.
اما سبب اختياري للدكتور عبدالرحمن بدوي، اذ لا أعتقد أن أحداً لم يسمع بهذه الصفات: أن بدوي فليسوف وقامة فكرية تنويرية يفخر بها العرب جميعا، وهو علم من اعلام البحوث التاريخية والفلسفية للعصور الإسلامية والأوروبية قديماً وحديثاً، وهو ومحقق استثنائي لأهم المخطوطات القديمة والوسطى، وهو الذي رد الاعتبار لحضارتنا وتراثنا، بعد أن تعرض للتشويه والمؤامرة على يد المستشرقين الاستعماريين. باختصار هو: باحث ومترجم ومحقق ومتخصص في كل المذاهب الفكرية والفلسفية منذ أرسطو إلى القرن العشرين... بهذه اللغة الركيكة التقريرية، كما اقتبستها هنا حرفيا؛ من احدى المجلات الردئية، كما كتبت الكثير من المقالات والدراسات عن الدكتور بدوي، ولم نسمع تذمراً أو مللاً من اى نوع، ومع ذلك سأتوقف خشية الملل، اذ تكفي نظرة سريعة إلى الصفحات الأخيرة لإحدى كتبه، الخاصة بقائمة المؤلفات، لنكتشف هذا الثراء والتنوع في مجالات تخصصاته المتعددة الكثيرة. إلى الحد أنك لو سألت أحدهم، ليس فقط المعجبين أو المتشيعين له، بل من هؤلاء (الكتبنجية)، ماذا قرأت من مؤلفات بدوي؟ لن يجيبك إلا بالصمت. وقد فعلت ذلك ذات مرة مع احدهم، كان طالبا في اللغة إنجليزية، وبعد تخرجه بربع قرن؛ خطر له الكتابة عن الأسماك؛ فالقصة فالدراسة التاريخية عن اليهود ومؤمراتهم (ومن غيرهم أولى بالشتم والمهانة والصمت).. وبعد الصمت، سرعان ما استدرك، قائلاً: أنت لا يعجبك أحد، وغير مقتنع بشىء، أنت عبثى وعدمي و ... فما كان مني الا أن قاطعته بضحكة عالية قائلا: عليك أن تثبت (هذا الشىء وذاك الأحد) أولاً، بالبحث والاطلاع والقراءة؛ وهي المسائل التي ليست من اولوياتك بالتأكيد، ثم من بعد نتفاهم على العبث والعدمية .. ومع ذلك اقول، لك وله ايضا، لاريحكم واستريح : انني عدمي وعبثي، بل وناقداً هداماً أيضاً.. أليست الأساطير المعاصرة جديرة بالهدم والتحطيم؟ وبدون استعلائكم على بقية البشر، هل يمكننا اعتبار اعلام ومشاهير الكتّاب؟ هم نجوم محفل الكتابة، بمعيار الشهرة والنجومية على الأقل، مثلهم مثل نجوم المحافل الأخرى: الرياضية، الفنية، الغنائية، والتشكيلية، والسياسة.. إلخ. وبما لهم، أي هؤلاء النجوم، من سلطة (قوة Power) مؤثرة، ليس على المعجبين والمشجعين والمتشعيين فقط، بل على كل من يخضع لهذه التقنيات الترويجية كذلك، وهي مسألة تخصهم وحدهم على أي حال، وهي حريتهم في الاختيار، وما يعتقدون وفيما يرونه بالنسبة لهم أو لنجومهم، حتى لو كانت اعلائهم إلى مرتبة القديسين والأولياء.. ولكن بنفس شرعية الحقوق أيضاً، فإن للآخرين حرياتهم واختياراتهم، وفيما يرونه ايضا، حتى لو كان العكس. أو على نحو أدق حق الاختلاف، في اعتبار أن هؤلاء النجوم هم بشر عاديون، بدون قداسة أوصفات أوألقاب أو أي خصائص تميزهم عن بقية البشر الآخرين، يخطئون كما يصيبون، هذا أولاً؛ وليس هناك ثانٍ أو ثالثٍ أو حتى رابع... وإلى هنا فأنا استمد من هذه الشرعية، حق الاختلاف، اقتراح المقاربة الحسابية الاحصائية للمتوسط الحسابي التقريبي، كمعطيات نستطيع تأسيس مجموعة من النتائج التقريبية عليها، من حيث هي إمكانيات محتملة :
1. إذا كان العمر الكتابي لعبد الرحمن بدوي , أي بدون سنوات الطفولة والدراسة، منذ تخرجه من الجامعة، إضافة إلى سنوات الشيخوخة، فإن نتيجة متوسط سنوات الكتابة ستكون أقل من ستين عاماً تقريباً، واقترح خمسين سنة (50).
2. وإذا كان اليوم أربعة وعشرين ساعة، وطرحنا منها ثماني ساعات نوم، إضافة إلى خمس ساعات عمله المهني، كمدرس جامعي : من محاضرات ومراجعات للطلبة وتصحيح للامتحانات ولحظات انتظار وذهاب وعودة .. إلخ , كما نطرح منها ثلاث ساعات لقضاء حاجاته اليومية: من أكل وشرب وعناية شخصية وسفر وبعض الإجراءات الإدارية ...إلخ , فإن النتيجة ستكون هي ثماني ساعات تقريباً، وهي في المتوسط، كل ما تبقى له من اليوم الواحد؛ لممارسة عمليتي القراءة والكتابة.
ـ بلغة الارقام: 24 ساعة - (8 ساعات نوم + 5 عمله المهني + 3 عناية خاصة) = 8 ساعات تقريباً للقراءة والكتابة .
3. اذن وبناء علي المعطيات/ الارقام الواردة في(1) و(2): فان عدد الساعات التي انفقها بدوي خلال عمره الكتابي ستكون على هذا النحو تقريبا: 365 يوماً في السنة في8 ساعات لليوم الواحد في 50 سنة، ستكون مئة وستة وأربعين ألف ساعة (146.000 ساعة) تقريباً.
ـ أو 365 × 8 × 50 = 146000 ساعة تقريبا
4. وإذا كانت مؤلفات بدوي، المتعددة الاختصاصات، هي أكثر بكثير من مئة كتاب.
5. إذا كان المتوسط الحسابي لعدد أوراق كل كتاب، هي (350 ورقة) تقريباً.
ـ فإن مجموع عدد الأوراق التي كتبها بدوي في حياته تنقص، اوتتجاوز قليلا، خمسة وثلاثين ألف ورقة تقريبا.
ـ بالارقام : 100 كتاب × 350 ورقة = 35.000 ورقة تقريباً .
6. إذا كان متوسط كتابه أي ورقة، حتى تكون جاهزة للنشر، هي أربع ساعات تقريباً: من كتابه وتبييض المسودات وتصحيحها، مراجعة "بروفات" الطباعة..إلخ: مابين 3 الي 4 ساعات؛ لكل ورقة.
7. وبناء علي (6) و(7)، فإن متوسط عدد الساعات التي يحتاجها بدوي لكتابة ما كتب خلال حياته هي : 35.000 ورقة × 4 ساعات لكل ورقة، فأن النتيجة ستكون : 140.000 ساعة تقريباً.
إن اقتراحات المتوسط الحسابي، لكل من المعطيات، السابقة هي تقريبية واحتمالية ايضا. اذ أخذت في اعتبارها مجموعة ملاحظات (سلبية إن شئت) لعل منها : الحد الأدنى لعدد الساعات المتبقية لليوم الواحد؛ للقراءة والكتابة. ذلك لأن بدوي، كما هو معروف، متفرغ للكتابة تقريبا. كما لايعول زوجة وأطفال (ومتطلباتها اليومية)، وليس لديه هوايات أخرى، أو حتى أصدقاء مقربين. كما تعاملت، خشية المبالغة، مع أرقام الحد الأدنى. فمثلاً قد تكون خمس ساعات غير كافية لعمله المهنى، أو قد تتجاوز أمور العناية والمتطلبات الشخصية الثلاث ساعات. كما أهملنا الزمن الضائع الذي يمكن حسابه التقريبي: في حدود قدرات عمل الدماغ (Brain)، اوحدود قدرة جهاز الإبصار البشري (تعب وإرهاق العين) في التركيز الذهني التجريدي، أو حتى كم ساعة يستطيع الجسم البشري (قدرة الجهاز العصبي والعضلي) أن يتحمل الجلوس بدون حركة، إلا حركة الكتابة، بشكل مستمر ويومياً؟. كذلك اهملنا ملاحظات مهمة أخرى مثل: أربع ساعات، قد تكون غير كافية لتجهيز الورقة الواحدة للطباعة، مع تقنيات الطباعة القديمة منذ اربعينيات إلى سبعينيات القرن الماضي.
كما حاولت تغيير هذه الاقتراحات/ الأرقام، وبأكثر من طريقة لهذ المعطيات مثل: حاولت جعل عدد الساعات للكتابة عشر ساعات، وأربع ساعات لعمله المهني، أو حتى ساعتين فقط لمسائل العناية الشخصية. ولكن جميعها قد باءت بالفشل. اذ جاءت النتائج نفسها تقريباً، أو كان الفارق ضيئل جداً، إلى درجة يمكننا إهماله، كما هو معروف في علوم الاحصاء واجراءات الرياضية لمتوسط الحسابي. فضلاً عن الصعوبات التي واجهتني في هذه الاقتراحات، خاصة أن عدد الكتب يتجاوز المئة كتاب بكثير، وكما موثق ومعروف، بل هومصدر فخر للأوساط الاشهارية الإعلامية، اذ تتنطع دور النشر، التي تعيد طباعة كتبه، أوالذين كتبوا عنه: بأنه كتب الكثير والكثير من الكتب (الطبعة الاخيرة، لترجمة بدوي "عذراء اورليان" الصادرة عن عالم المعرفة الكويتية).
وبعد كل هذه المعطيات السابقة، خاصة مقارنة نتائج المعطيات (3 +5)، فإن النتيجة الكارثة/ الفاجعة/ الصدمة للوجدان والعقل هي :
أن عبد الرحمن بدوي لم يكن لديه متسع من الوقت للقراءة، ذلك لان الـوقت المتبقي له لممارسة عمليتي القراءة والكتابة هو: 146000 ساعة (أو 365 يوم × 50 سنة × 8 ساعة تقريبا)، هو نفسه الوقت الذي يحتاجة بدوي لكتابة ما كتب، لكل هذه الكتب: 140.000 ساعة تقريبا، اما الفرق (6000 ساعة) يمكن اهمالها، كما هو متعارف عليه في اجراءات المتوسط الحسابي الاحصائي. وحتى لوقمنا بعملية حسابية بسيطة أخرى :
اذا كان عمره الكتابي خمسين سنة، مقسمة على مئة وعشرين كتاباً في الحد الأدنى، فأن النتيجة ستكون: 50 سنة ÷ 120 كتاباً = 2.4 كتاباً في السنة تقريباً، أي بمعدل كتاب واحد لكل أربعة أشهر، وبشكل متواصل؛ خلال الخمسين سنة، و بدون انقطاع أيضاً. وهي النتيجة الخطيرة ايضا، ربما بفضل احدى العيوب الاجرائية للمتوسط الحسابي. وحتى يبسط لي صديقي غير الحميم، تلك المسألة وخطورتها، بعد ان سألته (كيف؟)، قال :
عندما نقول خمسين سنة من التأليف المستمر؛ بمعدل كتابين ونصف في السنة تقريبا، أو كتاب لكل اربعة اشهر. اما اذا حدثت اى ظروف طارئة من شأنها ارباك اعمال البحث والتاليف، كما هو السفر؛ أوحتى تغيير مكان والاقامة والاستقرار في بلد اخر (وهو ماحدث له فعلا، اذا درس بدوي في جامعات ليبيا والكويت، كما كان كثير السفر للمكتبات بالعلم من اجل تحقيق المخطوطات وغيرها). وهي العملية التي ستستغرق ايام؛ بل وشهور في حالات تغييرالاقامة وللاستقرار، فان الوقت، وهو ما يهمنا هنا، الوقت الضائع سيؤثر في عملية المتوسط الحسابي بالضرورة، ربما تكون علي النحو التالي :
ـ اذا اعتبرنا ان هذه الظروف الطارئة؛ ليست كذلك ايضا، لانها مسألة طبيعية؛ أوهي متطلبات الاستعداد البيولوجي للبشر، ولعله يكون السبب وراء منح الاجازات الاسبوعية والسنوية؛ بل والتشديد عليها من قبل ارباب العمل انفسهم، من اجل تجديد النشاط والحيوية التي يتطلبها انجاز اى عمل ( راجع رأس المال، ماركس وتحرير انغلز).
ـ واذا اعتبرنا ان الوقت الضائع، وهو ليس كذلك بسبب المعطى السابق، ربما يكون شهرين أو ثلاثة، فسيكون علينا حساب هذه المدة المفقودة من المتوسط الحسابي للمدة التي تتطلبها كتابة "2.4 كتاب" في السنة، وبالتالي خلال الخمسين سنة ايضا.... اى ان :
ـ اذا لم يستطع بدوي لاى سبب من الاسباب، سفر أومرض أواجازة أو غيرها من الاسباب، ان يكتب كتابا خلال الاربعة اشهر، فسيكون علينا، اخذ هذه المدة في الاعتبار، ربما تكون: 2.4 كتب ÷ 9 اشهر للسنة الواحدة.... فأن الوقت الذي يتطلبه كتابة كتابا واحدا، ربما يصل الي شهرين؛ أو ثلاثة في افضل الاحوال...فأن النتيجة المترتبة علي هذا :
هل يمكن تأليف كتاب في اى مجال؛ يتطلب الاطلاع والقراءة والتدقيق..الخ، خلال ثلاثة اشهر!؟
هل كان لدى "بدوي"؛ الوقت الكافي، الذي يتطلبه البحث والاطلاع والمقارنات ومراجعة للمصادر..الخ؟ وخاصة أنه حقق كثيراً من النصوص/ المخطوطات القديمة، التي تتطلب تحرى الدقة في الترجمة وضبط المقابل التقريبي للسان الحديث، وتلك مسألة أخرى، أو هي احدى الكوارث المعرفية في اللسان العربي. وهذا كله لم نتحدث، من قريب أو من بعيد، عن تعدد التأويل/ الترجمة، وإنجازات "مدرسة الاختلاف الفرنسية" في هذا الخصوص، او حتى قبلها (نظريات التأويل والنقل: فالتر، غاديمر، مارلوبونتي؛ وغيرهم)، وإنما ما يعنينا هو الوقت، عدد الساعات التي أنفقها بدوي في الكتابة، وإذا ما كان لديه وقت لممارسة القراءة والاطلاع، وبالتالي تكبر علامة الاستفهام، بشأن كيفية الترجمة؟ أوكيفية القراءة؟ أو كيفيه استراتيجية التلقي لديه؟ أو كيف هو حال تلك النصوص المترجمة؟ أوكيفية التسرع، أوهوس النشر، كما وصفهم أحد الباحثين المغاربة، في صدد حديثه، عن الذين تعرضوا "لابن باجه"، ومنهم عبد الرحمن بدوي.
ولكل ذلك؛ واذا كان هذا حال احد اعلام الفلسفة والتنوير والنهضة العربية..الخ، فهل ننتظر من اتباعهم الكلام عن ممارسة القراءة والاطلاع و.... ومقاطعاً، قبل اتمام الجملة، قلت له : ولكن ما علاقة ذلك؛ بمجلس تنمية الإبداع الثقافي، والأستاذ خليفة التليسي؟ فكانت إجابته أيضاً التي لم استطع تأكيدها أو نفيها؟ وهو ما سأنقله لكم الأسبوع القادم...


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home