Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Abdelhamid al-Malki
الكاتب الليبي محمد عبدالحميد المالكي

Friday, 25 May, 2007

 

سيمائية "نحو الجملة ونحو الخطاب"..
كتاب "قصيدة الجنود" نموذجا  
(2)

محمد عبدالحميد المالكي

"إن اينشتاين لم يتقدم بنظريته في الجاذبية بوصفها نظرية صادقة، على العكس من هذا، حاجّ بأنها قد لا تكون صادقة، وأنفق ثلاثين عاماً من حياته يحاول تطوير نظريته الخاصة. وعلى الرغم من كل هذا، أعتقد دائماً أنها كانت اقتراباً تقديرياً من الصدق بالنسبه لنظرية نيوتن ومن النظريات الأخرى".. كارل بوبر

• حدثني صديقي غير الحميم قال :
إذا كان مثالنا سؤال النقد، أو هل لدينا نقاد؟ وهو عنوان ورقة أحمد الفيتوري؛ في "ندوة هون"، والتي نشرت فيما بعد في (مجلة الفصول الأربعة، التي تصدر عن رابطة الكتاب) وبالمناسبة فهي مجلة هزيلة القيمة أدبيا وعلميا؛ والتي ربما نعود لها فيما بعد؛ والتي ليس لها من فضل سوى توثيق الكيفية التي ينتج بها خطاب (محترفو الإلقاء) وهي جديرة حقاً بالدراسة والبحث ليس لتحليل نصوص موادها، بل تحليل نجوم الكتابة فيها، بلحمهم ودمهم؛ وتحليل كيفية النشر بها: من احتفاء وتكريس إشهاري لبعض نجومها، وكيفية إهمال البعض الآخر (الهامشيين) إذا ما قبلت عضويتهم و منحوا صك الاعتراف/النشر بها. فإنني لن أتحدث هنا عن تلك الورقة، لأن ليس بها شيء يذكر سوى رأي انطباعي، أو نتيجة وحكم بالنفي (ليس هناك نقد ولا نقاد في ليبيا!)، هكذا بدون كيفيات أو أسباب، وإذا كان معه كل الحق في هذا التساؤل، إذ هو حرّ فيما يعتقده، ولكن هل يمكن إضافة تساؤل انطلاقا من مبدأ الحرية ذاته، والذي منحه حق هذا الحكم بالنفي أيضا: ماذا يحترف هذا الكاتب؟ النقد أم الروائية أم الصحافة أم التاريخ؟ فقد أصدر رواية واحدة من قبل، وهناك روايات أخرى (تحت الطبع)، كما أعلن عن عزمه لإصدار سيرته الذاتية كذلك؟ أما إذا تساءلنا عن كيفية هذا الحكم/النتيجة؟ فان الإجابة؛ ستكون بعدد آخر من الأسئلة المقترحة.
لعل البداية ستكون بسؤال الأهلية والكفاءة بشأن هذا الكاتب؟ أو كيف كانت حيثيات حكمه/النتيجة بالنفي؛؟ أو كيف كانت شرعية (أهليته) بالكلام في هذه الندوة؟ أو حتى في مجلة فصول. ربما استمدها من إصداره لكتابه الوحيد هذا (قصيدة الجنود). نقول الكتاب الوحيد؛ لأن الكتاب الأخر لا يعول عليه؛ إذ هو عبارة عن تجميع مقالات لآخرين، ولا يملك منه سوى مقدمة (أربع صفحات فقط) عن أهمية ريادة القصة القصيرة ليوسف الشريف، صديقه الحميم جدا، كما يصفه بنفسه، فقد كان الأحرى؛ أن يكتب على الغلاف: تقديم وتحرير، أو حتى إعداد وتقديم، وليس تأليف، على الأقل احتراما لتقاليد النشر وحقوق الآخرين، أو ربما لأن للكتاب مريدين وتلاميذ؛ لعل منهم إدريس المسماري، بل ويعتبرون هذا الكتاب؛ نقلة نوعية نقدية ليبية. رغم أن الأخير لا يعتبره بعضهم مريدا للفيتوري، بل هو رائدا لـ"نقد النقد" في ليبيا (منصور بوشناف).
في علوم النص؛ هناك رأي نظري يقول: إن العنوان؛ إضافة إلى المتن والهوامش والحواشي والمراجع والإهداء والتنسيق واللوحات الداخلية والغلاف..الخ، إن لم يكن أحد مكونات/عناصر أي نص، سواء كان كتابا أو مقالة أو قصيدة أو قصة؛ أو حتى لوحه تشكيلية أو فلم سينمائي، يمكن اعتباره نصاً متكاملاً، له كافة الشروط والآليات البنيوية لإنتاج معنى. بل هناك من يعتبره، أي العنوان، هو الأساس التي يتم به البناء النصي؛ خاصة في الإشهار الدعائي لأي منتج صناعي تجاري. وإذا اعتبرنا أن العنوان نصا؛ فأن العنوان الفرعي سيكون موضوعة / تيمه هذا النص، أو هو التيمة/المستوى التي اشتغل عليها الكاتب. فإن التيمة التي اشتغل عليها كاتبنا هذا، العنوان الفرعي له (في المسألة الشعرية الليبية)، هو نفس تيمة سؤال (هل لدينا شعراء؟)؛ أو نقاد أو مسرح.. الخ. أو هو (خطاب الهوية)، وأنا هنا لا أحاجج خطاب الهوية؛ من حيث هو حق شرعي للكاتب، أو حتى من يتفق معه في هذا الخطاب. إذ من حق اى مجموعة بشرية، أن ترى نفسها متميزة ومختلفة عن غيرها من الجماعات الأخرى: قومية وطنية، أو حتى جمعية أهلية لجمع الطوابع أو أصدقاء البيئة..الخ. ولكن يجب أن تأخذ بعين الاعتبار أيضا، أن هناك آخرين، أفرادا وجماعات، لهم كل الحق في أن يروا في أنفسهم ما شأوا، من تميز واختلاف، بما في ذلك رؤيتهم المختلفة، والتي قد تكون سلبية تجاه هذه الجماعة تحديدا. إذ أن حقول الهوية، أو منظومة مفاهيمها، هي: اليقين؛ والحقائق ألنهائيه والجوهر و الأصل..الخ. ولكن العلم ليس ملكا لاى جماعه بشريه دون غيرها، فالعلم لا وطن ولا قوميه ولا هوية له، إذ أن حقول البحث العلمي والاجتهاد؛ تنتمي إلى مفاهيم: الشك والاحتمال والنفي والدحض والتطور و الإنجاز..الخ، أوكما قال بوبر ولخصها في مثاله الرائع عن اينشتاين؛ و التي صدرت به هذا الكلام. كما أن انجارات العلم ليست متاحة فقط، بل هي من حق الجميع أيضا، ولكن شرط الجهد والجدية، لكل من يجتهد بإخلاص و أمانه (وهل هناك معنى أخر للامانه والإخلاص؟). وبهذا الشرط فقط؛ يصبح العلم و إنجازاته ملكية خاصة؛ لكل ضمائر ألملكيه المتصلة والمنفصلة؛ وبكل لغات العالم كذلك. وبالرغم من ذلك فهو ليس بابا مفتوحا؛ لكل من هب ودب من فهلويين وحذاق.
وإذا كانت لا تعنينا حقول مفاهيم الهوية، أو ما يعتقده الآخرين، بأنه يقين و حقيقة؛ أو هو من المسلمات والبديهيات. فأن هذا الكتاب، فيما سيأتي سنقول "كتاب الجنود" للاختصار، فيه خليط عجيب من العشوائية والفوضى؛ بسبب مفاهيم وحقول الهوية.
إذا كانت "المسألة الشعرية"؛ هي من الظواهر اللغوية، بالمعنى الفيزيائي التطبيقي، التي تنتمي لحقول البحث العلمي: من اقتراح وإنجاز ونفى..الخ، وكما سيأتي معنا فيما بعد، يجعل العنوان الفرعي لهذا الكتاب (في المسألة الشعرية الليبية) ليست غير علمية فحسب، بل لا تنتج معنى في حقل العلم (النقد الأدبي)؛ أوفي حقل الهوية(الليبية) معا. بسبب هذا الخلط العشوائي والفوضى، بين حقول الهوية، وحقول والعلم والبحث والاجتهاد (الشعرية) من جهة أخرى، باعتبار أن الأولى عقيدة قابله للإثبات؛ والثانية قابلة للنفي ... فهل يمكن اعتبار موضوعة الكتاب، تستهدف طمأنينة عواطفه الشخصية، قبل ابتزاز عواطف الآخرين؛ أصحاب وأنصار العقيدة الواحدة (الهوية الليبية)؟
وهذا الجهل بالفرو قات بين الحقول الدلالية المختلفة، قد سببت للكاتب هذه الفوضى/الكارثة في المفاهيم والمصطلحات. إذ من المعروف، حتى للهواة والمبتدئين، أن (الشعرية poetics) هي أحدى فروع علم ألبلاغة، وموضوعها البحث في الخطاب الأدبي عموما، وليس الشعري فقط. وهناك من يترجمها (ألإنشائية) والقدماء عربوها (البوطيقيا). وحديثا يعتبرونها الوظيفة التي لا تكاد تخلو منها أي رسالة إخبارية/ تقريرية، أو هي الوظيفة التي تحدد درجة الاختلاف بين النصوص، لأنها الأسلوب الفردي والشخصي لكل كاتب، بل والكلام عموما لكل متلفظ لحديث ما. وبها تقع الكيفية ألتنظيمية لتسلسل الكلام وترتيبه، من اختيار ألفاظ وكنايات واستعارات دون غيرها، والتي تعتمد على إسقاط محور الاستبدال على محور التوزيع، وهى التي تحدد ترتيب أولويات الوظائف الست للكلام، ويعنينا منها هنا الإخبارية و الشعرية (كناية، استعارة). فكلما كان التركيز في الكلام على محور التوزيع كان كناية، ويكون استعارة إذا كان على محور الاستبدال. وهناك الكثير من المسائل/الإنجازات العلمية الأخرى التي تجاوزت اكثر من ست عقود، وليس كما جاء في اختزالنا المخل أو تبسيطنا السطحي هنا. على يد الكثير من العلماء؛ لعل أبرزهم "رومان جاكبسون"؛ خاصة في كتابيه (دراسات في الألسنية العامة؛ مسائل أو قضايا الشعرية)، حتى قال بعض دارسيه؛ انه ليس رائداً للسانيات البنيوية (منذ 1941م)، بل هو رائداً لمدرسة باريس السيميائية أيضا. رغم مفارقة أنه لم يقيم في باريس؛ أو درس بجامعاتها. و إذا كانت دراسة "الشعرية"، وهى إحدى نظريات "علوم النص"، في أي خطاب/ كلام؛ لا علاقة لها بالمادة البحثية (الواقعة اللغوية) أو تعدد وتنوع الألسن. من حيث هي بحث علمي نظري. لأن هناك فرقاً بين الظاهرة/ مادة البحث، من حيث هي واقعة فيزيائية, وبين كيفيات مقاربتها نظريا. فإذا كانت مقاربة وبحث في مادة اللسان العربي، أو شعر اللسان العربي في مكان وزمان محددين (المغرب, الشام, ليبيا مثلاً ) مسألة مختلفة، ليست تماما على اى حال، عن كيفيات البحث والاقتراحات النظرية لـ "علوم النص" الحديثة، أو حتى علوم البلاغة القديمة، النحو والصرف، البديع، المعاني، العروض، الإيقاع..الفن فتلك علوم كونية؛ لا علاقة لها بالهوية. إذ ليست هناك علوم هندسة هندية أو علوم طبية صينية، وأخرى أمريكية أو آسيوية أوربية؛ فذلك لا معنى له؛ بل هو هذيان وهلوسة الجهلة المشعوذين الحواة .و جاكبسون نفسه أوضح دليل على ذلك. ففضلاً عن أن كتبه وتدريسه كان بالعديد من اللغات؛ وتغير أماكن إقامته: روسي (ولد في موسكو 1896) وبين (20-1941) تنقل بين بلغاريا وتشيكوسلوفاكيا والدانمارك، إلى نزوحه الأخير أمريكا، فأن مشاركته في تأسيس عدة حلقات؛ ساهمت في نشر الدرس اللساني البنيوي دولياً (موسكو، براغ، كوبنهاغن)، إلا أن ذلك لم يكن عائقاً، أو ليغير من أساس مشروعه العلمي، أدواته وأجهزته الإجرائية، أي دراسة ما يمنح نصا ما؛ دون غيره؛ صفة الأدبية..
وهل بعد كل ذلك لازلنا نستمع لهؤلاء، عما لدينا؟ وشعريتنا وعلومنا وهويتنا، أو التبسات الهوية، الشعرية الالتباسية، وتصوراتنا المكتسبة عن الشعر المتغيرة والمتحولة بالقابلية الشعرية التي تنزاح كلما انزاحت ألام، (كتاب الجنود ص 20). أو الحديث عن شعرية ليبية أو موريتانية أو مصرية؛ أو حتى شعرية الأقاليم والعالم القروي: صعيدية، قاهرية، بنغازية، طرابلسية، جبل لبنان..الخ.
أما إذا عرفنا أن كتاب جاكبسون (المسألة الشعرية)، وأهمية الريادية؛ غير المجانية طبعاً؛ وخطورة تأثيراتة، فيما بعد، على علوم النص، قد ذكره (كتاب الجنود) هذا؛ فهل لنا أن نتساءل: كيف كانت استراتيجية القراءة لهذا الكتاب أو غيره من الكتب؟ أي كيف كانت الاستراتيجية التأويلية (التلقي)؟ هذا على افتراض حدوث فعل القراءة أصلا؟ وبالمعنى الذي حدده الكتاب بالمتن: "من أن القاريءالمتفحص, والذي ليس على عجل من أمره يجد أن مشهد الحداثة الشعرية العربية (؟) لم تتم بعد دراسته, وأن القراءة التطبيقية لم تتم بعد.. وأن ما تم ترجمته و اصطلاحه من النقد الأوروبي الحديث, لم يتم فحصه ولا ممارسته من خلال إعمال (يقصد اشتغال) نقدي تفصيصي و تفصيلي"(ص 86).. هل يمكن التساؤل أيضا، عن الهدف الذي من اجله تم انتاج مثل هذه الكتب؟ أي ما هو الهدف التداولي (المقصدية)؟ ولكن مع ذلك أعتقد أن هذه الأسئلة أيضاً سابقة لأوانها الآن؟ إذ هناك أسئلة أخرى, بشأن قراءة الكاتب نفسه, المتأنية التفصيصية التي طالب بها الآخرين، لعل منها: هل كانت في طريقته للاقتباسات الكثيرة، وتلصيقها على طريقة (الكولاج)؟ أحياناً يتم دمج جملتين، تتجاوز الأربع أسطر أحياناً، من فصول مختلفة؛ في جملة واحدة (في كتاب الجنود )، وبدون ذكر لمصادر هذه الجمل بطبيعة الحال لماذا؟ كيف؟...
وعندما قلت له؛ هل نستطيع اقتراح إجابة على السؤال الأخير، ولماذا؟ قال: يلا ، أما لماذا؟ فلا نستطيع لأنه سيؤدي بنا إلى متاهات النوايا و اللاشعور، للخير والشر.. إلخ الكلام الذي برع فيه رواد "مرابيع الثقافة"، كما حدثني صديقي عن أسئلة أخرى, كما قدم لي جدول إحصائي بتلك المصادر، و مقابلها في كتاب ألفيتوري (قصيدة الجنود).. و سأقترح عليكم الأسبوع القادم, أمثلة من هذا الجدول, لضيق المساحة الفنية لمقالنا هذا...
(يتبع)

محمد عـبدالحميد المالكي
مشرف بنغازي للسيميائيات وتحليل الخطاب
moh_malky@yahoo.com


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home