Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Abdelhamid al-Malki
الكاتب الليبي محمد عبدالحميد المالكي

الأربعاء 25 مارس 2009

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

ليس رداً على أحمد إبراهيم والآخرين... ولكن!! (1)

خطاب العلم بين الحجاج والقول المتهافت


محمد عبدالحميد المالكي
مشرف مختبر بنغازي للسيميائيات وتحليل الخطاب
moh_malky@yahoo.com


الجزء الأول

" من لا إعلام له لا معرفة له ولاحق معه، ومن كانت له عصبيته الويل لمن يخالفه! لكن الظفر بقواطع الحجج أقوى من الظهور بالعصبية لأن العصبية يطويها الزمان وقول الحق لا يطويه زمان ولا سلطان" "طه عبدالرحمان"

"لا أستطيع أن أتحمل هذه الكائنات المتعبة الواهنة، التي تتلفح رداء الحكمة وتتصنع النظرة "الموضوعية" أنا لا أطيق هؤلاء المحرضين المتنكرين بلباس الأبطال، يعتمرون خوذة المثال السحرية على رؤوس لا تصلح إلا فزاعات للعصافير لا أطيق هؤلاء الممثلين الهزليين الطموحين، يمثلون دور الزهاد والكهنة، وهم ليسوا سوى دمى بائسة كما أنني لا أطيق أيضا أولئك المتاجرين الجدد بالمثالية.. بوسعنا أن نعتبر أصل اللغة نفسه فعل من أفعال السلطة، صادر عن أولئك الذين لهم الغلبة والهيمنة". "ف. نيتشه"

السلطة ليست موضوعاً سياسياً، وإيديولوجياً فقط!
إن أهمية الإنجازات العلمية الباهرة، لعلوم "تحليل الخطابات" /الكلام تكمن في فضحها لتقنيات كيفية ترويج وصناعة الأوهام وكشف الاستراتيجيات الخطابية لأصحاب مصانع إنتاج القيم، أي كيفية تحول مهم إلى معيار للصواب والخطأ الحقيقي من الزائف، باختصار فإنها تسعى إلى مساءلة الآليات التي يستطيع بها أولئك "محترفو الإلقاء "الكلامنجية" بواسطتها "إنتاج الحقيقة"...ونحن هنا سنتعرض لمساءلة مفهومي" السلطة" ، "الضحية والجلاد" تلك التي لها علاقة بحروب الشعارات التي تنشر أوبئة البطولات المجانية، لذلك " المثقف الشمولي" الناطق الرسمي باسم الإنسانية والحقيقة والمستقبل، حامل راية بشارة الغد المشرق، الآتي من سحنة تاريخية، شمولي المعرفة عادل ، العقل والقانون، مواجهاً استبداد السلطة وقمعها وتجاوزاتها، وكذلك غطرسة وعنجهية الثروة البرجوازية "فوكو، بتصرف"
يفرض الموضوع والسياق هنا الاستئناس، دون الدخول في تفاصيل فنية متخصصة، وبتبسيط مخل وتعسفي أيضاً ، بنظرية "الحجاج في اللغة"، والتقنيات الحجاجية التي تختص بأن كل قول "خطاب " هو حجاج، وكذلك نظرية المقاصد في اللغة، أو التداولية، التي تعتبر أن كل قول هو منتج "سلعة" يستهدف التأثير واستمالة الغير، المستهلكين المستهدفين...وبالتالي فإن الكلام عن أن هناك أقوال بريئة ونزيهة وصادقة لوجه الله تعالى "كما هي العبارة السمجة: الله من وراء القصد، أوالحقيقة والتاريخ والوطن والشعب...إلخ، يعتبر همهمة لا تنتج معنى، أو شعوذة تستهدف ترويج الأوهام للسذج البلهاء أو هي ضحك على الذقون لا أكثر ولا أقل..
إن فعل السلطة قائم في كل خطاب /قول، مهما كان شكل تمظراته، بصري، شفوي، إيماءه...في كل أشكال التبادل الاجتماعي: المحافل الرياضية، الفنية ، الأدبية، الوطنية، العشائرية، القانونية التشريعية، والإشهارية الدعائية كما هي الحملات الانتخابية السياسية...إلخ، فكلها تعتمد شروط الإقناع والاستمالة "الحجاج" وتقنيات الترويج والإغراء، بل قد لا تختلف كثيراً عن تلك الطقوس البدائية للسحرة والكهنة.
أما إذا شئنا الحديث عن السياسة المباشرة، وهو ما يحاول خطاب العلم الابتعاد عنه ليس خوفاً ولكن خشية من التورط في المحظورات التي ذكرنا سلفاً، فإننا سنأتي على بعض مما جاء في رد "كلينتون" بشأن اتهامه بالتحرش بمتدربة البيت الأبيض "مونيكا لوينسكي" مستغلاً نفوذه "القوة الرمزية رئيس دولة" ومما جاء في ذلك التحقيق "حوالي 22 مجلد" والتي نستطيع أن نعتبرها من أخطر ما قيل في تاريخ البشرية "بصفته الاعتبارية": أن المشكلة أكبر وأخطر من موضوع تحرش واستغلال نفوذ في علاقة رجل بامرأة، إذ تكمن المشكلة في عقولنا، وكيف نفكر؟ إذ يجب أن ينتهي الأمر إلى غير رجعة.. كما لا يجب أن ننظر إلى الرئيس أو أي مسؤول آخر، إلا باعتباره موظف عام لا أكثر ولا أقل، له نفس الحقوق والنفوذ التي هي لنا جميعاً أيضا... ويجب ألا نشعر بأي دونية تجاه أي بشر، مسؤول أو غير مسؤول، إذ أنه لا يملك ما يميزه علينا، بل أكثر من ذلك فهو حر في سلوكياته الخاصة والشخصية، التي لا تعنينا أيضاً".
كما تحدث عن مسائل أخرى خطيرة، لها علاقة بتلك الطقوس البدائية، من تكريس نجومية الكاهن والساحر" المكان العالي والملابس المزركشة المتميزة عن الآخرين في تلك الاحتفالات" ، والتي قد لا تختلف عن تلك البروتوكولات والتقاليد، من استقبال نجوم الأوسكار والمسابقات الرياضية، تكريم الأبطال وجوائز النجوم، كذلك الحال أيضاً بالنسبة للزعماء السياسيين، فكلهم يشتركون في هذا الأمر وتلك البروتوكولات، والبساط الأحمر، الحرس الرسمي، السلام الوطني، الاهتمام المبالغ فيه بحياتهم اليومية والشخصية..إلخ باعتبارهم متميزين ومختلفين عن بقية عباد الله.
وإذا كان هذا الحال أكبر مركز حضري دولياً، وبالرغم من كل تلك الحريات الاجتماعية "أرض الأحلام، على الأقل بالنسبة للمهاجرين، الرئيس أوباما ابن مهاجر!؟"، يتحدثون عن مشكلات: كيف نفكر!؟ وكيف هي السلطة بالنسبة لنفوذ الأقوى على الضحايا العاديين الضعفاء؟ فكيف هو حالنا!؟ وماذا يمكن أن نصفها؟ ليس في ليبيا فحسب، بل في المنطقة العربية عموماً، وهل يمكن أن نتساءل: كم من مسؤول تم توجيه له تهمة التحرش الجنسي، لا نقول زعيم أو وزير، بل مدير إدارة، أو حتى رئيس قسم؟ هل مازلنا نستمع لهؤلاء المشعوذين مروجي الأوهام: أننا شعب طيب متسامح وبسيط، وحلو وابن ناس، هذا الكلام لا يروج في ليبيا فقط، بل يكاد يكون من الثيمات الخطابية السائدة في كل الفضائيات والصحف العربية عامة. مفهوم السلطة بين القول المتهافت وخطاب العلم:
لأن "السلطة"، كما أوضحنا سلفاً ليست هي السياسة فقط، بل بالمعنى الواسع للكلمة، هي أي نفوذ يمارسه الأقوياء باتجاه الضعفاء الواهنين، مهما كان مصدر هذه القوة والنفوذ، وفي أي مجالات الحياة الاجتماعي...وإن شئنا الدقة العلمية؟ فهي شبكة علاقات "إرادة القوة" التي تنتج خطاب "الحقيقة" اليقين، الصواب ،الشعب الناس، الحرية ، الرحمة، التسامح...إلخ، تلك المعايير الأخلاقية التي تواضع عليه الأقوياء السياسيين والإعلاميين، الفنانين، الكتاب، الراقصين...باختصار وبكلمة واحدة جارحة، فهي في كيفية تنظيم القطعان البشرية، وليست هناك وسيلة لتأكيد هذه الغاية، غير التعليم الجامعي "التجهيل الإجباري" وحقوق التصويت مثل القطيع "نيتشه".
وبالتالي فأن السؤال "العلمي طبعاً" لا يكون ما هي السلطة؟ أو كيفية مظاهرها؟ بل كيف تمارس؟ الأمر الذي يتطلب وصفاً تحليلاً، للكشف عن كيفية عمل آليات هذه الممارسات الخطابية للسلطة، أو لاستراتيجيات جماعات الكلام "الكلامنجية أرباب مصانع إنتاج القيم" ، من آليات الهيمنة والإكراه التي تجعل أي شيء يعدو مألوفاً وطبيعياً normalization، عبر إجراءات قانونية وتشريعية، وتقنيات معرفية من جهة أخرى، حيث يشكلان معاً "سلطة انضباطية" تعمل كشبكة من التعليمات المنظمة، بكافة أشكال الإقصاء والعزل لأي خطاب مختلف أو جديد بحيث يصبح الجميع ملزمون ومرغمون على الاعتراف بالحقيقة، بل وعليهم البحث عنها، إن نجاح أي سلطة في عدم توقفها عن المساءلة من أجل البحث عن الحقيقة وتجعله احترافياً، بل وتمنحه مكافأة أيضاً " فوكو".
وبالتالي فأن الحديث عن شعارات وعبارات مثل: الرأي والرأي الآخر، صوت الناس، صوت من لاصوت لهم، باسم الشعب /الأمة/ الوطن الإنسانية... هو كلاماً من قبيل الترويج الاشهاري الدعائي لهؤلاء بأشخاصهم "بلحمهم ودمهم" فقط. وإذا كانت أفعال السلطة هي النجاح في كيفية حشد أكبر عدد كمي من الأنصار والمؤيدين، سواء أكانت سلطة الدولة أو سلطة المعارضة باعتبار أن السلطة هي النفوذ، بالمعنى السابق الذي ذكرنا، أو كما يقول ج.د. سنتي "في كتابه الأنثربولوجيا السياسية": "من يصرح : "لا" لسلطة الدولة ، هو ذاته يهمس "نعم" لحزبه أو شلته أو أي جماعة أخرى ينتمي لها، ففعل السلطة قائم في وراء هذه الـ "لا"، أو في "نعم" للدولة، أو كما قال " هـ. لوفيفر": أن الدهاء الأقصى للسلطة هو في اعتراضها على ذاتها طقسياً، لكي تتوطد فعلاً بصورة أفضل".
وبعد كل ذلك (وصف كلينتون و "فوكو" خاصة)، فإن الكلام عن مجتمع إنساني متحضر (هل العالم اليوم كذلك فعلا!) الحرية للجميع، حرية وإرادة الشعب، يعتبر كلاماً سابقاً لأوانه بالتأكيد، وإلى ذلك الحين الذي يستطيع فيه الخطاب "أن يكون فعلاً نتاج بعدد الأفراد البشر الموجودين في نفس مكان وزمان أي مشكلة تعنيهم، عندها فقط يمكن الوصف الاستدلالي "العلمي" لمثل تلك القيم، الحرية، الشعب، الصواب، والحقيقة،..إلخ بل أكثر من ذلك يعتبر الكلام عن "سلطة الشعب" هو كلاماً سابقاً لأوانه أيضاً، أو أن هناك من تحمل شرف الدفاع عن الجماهير ولمصلحتها، كلاماً لترويج شخصه الطبيعي أيضاً.. كل ذلك، رغم الخطاب التدشيني الذي تم الإعلان عنه في ليبيا منذ أكثر من ثلاثة عقود، والذي تعرض إلى ظلم شديد لاعتبارات سياسية، أو كما وصفها الشاعر سعيد عقل بأنها أخطر مبادرة فكرية لمستقبل البشرية، في نفس الوقت الذي يرفض فيه ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية اللبنانية، ليس لقرفه من السياسة والسلطة فقط، بل لأنه وحريته أكبر من منصب رئيس الدولة أيضاً...
ولكن بالرغم من ذلك، وربما بفضل ذلك أيضاً!
فقد انتهى زمن الشعارات والإيديولوجيات، عصر الأوهام والأحلام الكبرى، بما فيها من مزايدات وإدعاءات "البطولات المجانية" التي أصبحت عملة غير قابلة للتداول، وبضاعة غير قابلة للبيع في سوق الكلام/ الخطاب في عصر العلم والمعرفة و ثورة الاتصالات.
...ولكن باعتبارنا كائنات كلامية، محتكري "إرادة القوة"، منتجي "الحقيقة" ، فكلنا سلطويون وإن ادعينا العكس... ..عند هذا الحد المسموح به في مساحة صحيفة يومية، يمكننا التوقف، بعد أن فصلنا مفهوم "لسلطة" ، بتبسيط مخل وتعسفي بالتأكيد، كمقدمة ، وتمهيد لبعض الملابسات، التي سنتحدث عنها في الجزء الثاني، لما عرف بقضية "الأسبوع الثقافي" ، أو مداهمة مدرسة شهداء يناير لبعض الكتاب والأدباء الشبان "في 1978 " وارتباطنا الشخصي بهذه القضية، حيث حكم علينا بالسجن المؤبد وخرجنا "1988 " في المبادرة التاريخية للأخ القائد لتحطيم السجون وتحرير السجناء "عرفت باسم أصبح الصبح".
وقد تأذيت من جراء ذلك أذى بالغ الشدة، ولازلت أعاني من مرارته حتى اليوم، ولكن ليس بمعنى الأذى الذي يستوجب الشفقة والتعاطف، أو بمعنى الضحية الواهن الضعيف بل بقوة "الحق الشخصي" فقط، وهو ما يجرنا إلى مسألة مفهوم "الضحية والجلاد" ، ليس بالمعنى المريض المتعاطف والمدافع عن الإنسان، ولا بالمعنى الاستعلائي لتمجيد الجلاد أو القرف من الضحية...." هكذا يا صحبتي نستطيع أن ندافع عن أنفسنا، لفترة على الأقل، ضد هذين المرضين الساريين الرهيبين اللذين يتهددانا بشكل خاص: ضد القرف العميق من الإنسان! وضد العطف العميق على الإنسان..."نيتشه".
...يتبع


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home