Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Abdelhamid al-Malki
الكاتب الليبي محمد عبدالحميد المالكي

Sunday, 13 May, 2007

 

سيمائية "نحو الجملة ونحو الخطاب"..
كتاب "قصيدة الجنود" نموذجا  
(1)

محمد عبدالحميد المالكي

• حدثني صديقي غير الحميم، قال :

إذا كانت مسألة الاقتباس تهمك، ولك تأويل بشأنها، فهذا شأنك وأنت حرَّ، أما أنا فأهتم بشأن آخر، يخص الكيفية التي تمت بها، ربما آلياتها؛ أو القصد التداولي، هدف الكاتب من تأليف هذا الكتاب (قصيدة الجنود)، وقبل أي اقتراح أرى أنه لزاماً عليّ استبعاد ثلاث تأويلات محتملة :
الأول: إذا استبعدنا أن كتاب الجنود لا يستهدف، التعويل على إثارة مشاعر اليقين والعقيدة، من خلال البحث عن بطولات مجانية ( نضالية أيديولوجية)، تلك التي برع وتفنن فيها بعض جماعات الخطاب، بكلامهم الممجوج عن مقولات ومبادىء قلمت أظافرها كثرة استعمالها (فوكو)، مثلما هو الشعار السمج: المحرمات الثلاث (الدين، الجنس، السياسة) وادعاءات جرأة ركوب الموجه/الموضة، كما هي كتب الهذيان والهلوسة، نصر حامد أبو زيد، صادق جلال العظم.
وبدلا من ذلك يمكننا اقتراح؛ أن هذا الكتاب له علاقة بأسلوب الإبهار والإثارة الصحفية، وذلك من خلال تعبيرات وجمل من الكتاب نفسه، والتي هي أقرب لتقنيات الإشهار القديمة (الأبيض والأسود) ما قبل الألوان، بما في ذلك؛ اقتباساته من دراسة (بشبندر)، مثل: الأنوثة، الأمومة، مركزية القضيب.. الخ، لم يتبع البحث الاجتهاد، كما اتبعها هذا الباحث. فمثلا؛ عندما اعتمدت مفهوم الانزياح (Ecart، وهو إحدى المفاهيم الأساسية للمدرسة "الشعرية" الحديثة، لجاكبسون وكوهن خاصة) الخاص بما يحدثه الأسلوب الشخصي، من خلخلة أو تجاوز أو تحريف، في بنية اللغة كمؤسسة اجتماعية.. وبدلاً من الاجتهاد والاستفادة من تلك الدراسة المقتبس منها نراه يقول( ص81): "بل تبدو شعرية علي صدقي عبدالقادر انزياحاً خالصاً؛ انزياح ألام.."، وهي الجملة التي يختتم بها أيضا الفصل الخاص عن هذا الشاعر، كما هي التعبيرات المهجوس بها الكتاب في كل الفصول الأخرى الخاصة بالشعراء الآخرين. وهي تقنية أسلوبية خاصة بـ"الوظيفة الانتباهية"، التي تركز علي الإثارة والإبهار؛ وهي التقنية التي أعطته الجرأة والجسارة في عملية التلصيق (الكولاج)، الخاصة بالفنون التشكيلية؛ التي تستخدم مواد مختلفة ومتنافرة أحياناً (ورق، بلا ستيك، زجاج، أو حتى حديد) لتشكيل رؤية بصرية جديدة ونوعية، فإن السؤال هو: هل تصلح مثل هذه التقنية وطبيعة القراءة والكتابة؟
الثاني: إذا كانت هذه الألفاظ واستخداماتها في كتاب الجنود، ليست لها علاقة بالبحث عن تلك البطولات النضالية المجانية، كما لا علاقة لها بالبحث العلمي والنظريات النقدية من جهة أخرى، إذن كيف تفسر استخدام هذه التقنية (الكولاج) في تلصيق للألفاظ ومفاهيم، ومن حقول نظرية ودلالية مختلفة؟ كما هو مثال (الانزياح) كمفهوم من حقول نظريات علوم النص: البلاغة الأسلوبية، الشعرية..الخ؛ والزج به في حقول الهويات، العقائد الدينية. . كما هي تعبيراته عن انزياح الأم، والأمومة التي بيتها الجنة التي تحت أقدامها..الخ؛ كما ترتب على ذلك، التلصيق والخلط، استبعاد آخر، سبق وأن تحدثنا عنه ولكننا نريد تلخيصه هنا، وهو..
الثالث: أما إذا استبعدنا عدم معرفته ليس لمفهوم (الانزياح) فقط أو نظريات (الشعرية) أو البويطيقا، بالمعنى القديم، منذ ارسطو في كتابه فن الشعر، بل أيضاً بالمعنى النظري الحديث, من حيث بحثها في كل النصوص والياتها, ليست الأدبية فقط: و ليست القولية, بل كل ما يتم به الاتصال بين البشر من علامات بصرية وسمعية: فنون تشكيلية, سينوغرافيا المسرح أو حتى دلالات الديكورات الخاصة بالمكاتب الإدارية والتجارية والأماكن السياحية.. بما في ذلك نصوص الإشهار، أو حتى تسميات الشوارع والفكاهة والنكتة..الخ ويترتب على ذلك أيضاً:
وظيفة ضبط الإحالات للمراجع والمصادر (أو ما يسمى الأمانة العلمية) بما لها من فوائد عملية في تسهيل مهمة الباحثين وأرشادهم لمزيد من الاطلاع والبحث بل هناك من يضيف (تشومسكى), أنها (المنهجية) التي لا تعني المذهبية الفكرية للشعارات الأيديولوجية ( يسار, يمين, ديني, وطني, قومي..الخ) بل تعني بذل أقصى درجات الاجتهاد والجهد والبحث, في أي مشكلة تعترض الإنسان السوي وإيجاد الحلول لها, مع الانفتاح على احتمالات أخرى ممكنة للحل. فضلا عن أنها مسألة لها علاقة بالشرف الفكري، حسب وصف جان بياجيه، إذ علي الباحث أن يوضح لنا الطريقة التي قام بها في البحث وارشادنا عن الكيفية أيضاً.. أما مسألة الأمانة في النقل والاقتباس؛ كمفهوم قيمي (أخلاقي)، فهي مسألة غير محترمة كثيراً؛ وليس لها معنى يذكر في حقول البحث العلمي، رغم وجاهة بعض التحفظات الخاصة بالاعتداء على حقوق الآخرين (الناشر والمؤلف)، إلا أنها مسألة غير ذات أهمية بالنسبة للتطور المعرفي لدى البشر منذ آلاف السنين، لان هذا المفهوم القيمي (الأمانة العلمية) لم يظهر إلا مع اختراع المطبعة فقط، أما حقوق المؤلف فهو مسألة اكثر حداثة، منذ قرنين فقط؛ مع الثورة الفرنسية تحديدا. ومع ذلك فأن من يبحث عن المعنى القيمي المعياري (الأخلاقي) لهذا المفهوم أو غيره، أوحتى عن المنهجية المذهبية (في الأيديولوجيا والشعارات) فهذا شأنه وهو حر، أما هنا فأننا سنستبعد هذا المفهوم القيمي الأخلاقي؛ من مسألة عدم ذكر المصادر والمراجع في هذا الكتاب (قصيدة الجنود) كما نقترح أن المؤلف نفسه ربما لم ترد في ذهنه أصلاً، لأنها غير ذات بال أو أهمية، ليست بسبب أي من تلك المفاهيم والحقول السابقة فقط، بل ربما لأنها إحدى النتائج التي ترتبت على قصدية وأهداف مؤلف الكتاب، التي لها علاقة بإحدى تقنيات شروط إنتاج الخطاب، واستراتيجيات محترفي الإلقاء، وهو ما سنقترحه؛ كنتيجة أخرى محتملة وممكنة ..إذن ماذا كان يستهدف هذا الكتاب (تداولياً)؟ أوالقصد والغرض الذي من أجله كان فعل الكتابة؛ وأنتاج هذا المؤلف..

• ولم أنتبه لصديقي، الذي كان يبدو وكأنه يتحدث إلى نفسه، إلا عند ما صمت فجأة، ثم والتفت نحوي متفرساً ومتسائلاً :

ولكن قبل أن أعلق, وذاك، أريد أن أسألك: ماذا تفهم؟ أو ما معنى، أو ما هي دلالة، أو ما شئت، من هذه الكلمات: تدوير الدائرة الواضحة بالغموض/ تثبيت الثوابت غير المؤكدة/عبثية العبث الممكن والمستحيل في آن/ في ضرورة الوجود الموجود..(ولأنني لم أعلق , بل ابتسمت فقط أضاف) ما بالك تضحك (!؟) أليست هذه التعبيرات، والتي أصبحت محل تندر أنصاف المتعلمين والجهلاء من الإعلاميين وفي الفضائيات خاصة.. ولكن دعنا نأخذ أمثلة من كتاب الجنود نفسه, لنستوضح أكثر أسلوب الكاتب، على محوري التوزيع والاستبدال، والذي اختاره دون سواه ليعبر عن أهدافه في تأليف الكتاب، إذ تكفي نظرة سريعة على أية جملة، في أية صفحة، لنكتشف هذا الأمر دون عناء، مثل :-
التحقق كان في الانصياع للضرورة.. الشاعر مشغول بالنص عن النص.. خروج الفطرة للفطرة.. أن النصوص تشير إلى شعرية عفوية، تتخبل وتنزاح حتى يمكن أن تراكمه من ذاتها لذاتها.. عصى الجيلاني وهو يقف بعيداً عن الشعر بالشعر، فهو ينتمي لنصه وهو ناقض للنصوص النصية في نصه.. عطر النزوة الذي جمع اختلافهن الخلافي..
المفردة في النص تبدو كأنها، مجاز متطرف واستعارة عارية من الدلالة.. القصيدة تفلسف القصيدة.. التواصل اللفظي هو محمول الدال/النص في مثل هذه الحالة، قط على صفيح ساخن.. وهكذا لا يمكن ثمة انقطاع عند الاستعارة.. وهذه العفوية هي شعرية الفقدان وانعدام اليقين وعبث العبث نفسه.. علي أن أتوقف عند هذا الحد فقط؛ لان الكتاب كله تقريبا؛ يسير على هذا المنوال في تركيبه للجمل.
أما إذا ركزنا أكثر في كيفية بناء الجمل السابقة، على المستوى التركيبي (النحوي)؛ من خلال مثال واحد فقط: عبثية العبث، أو استعارة الاستعارة نجد أنها ليست شبه جملة، كما الجار والمجرور، بل هي مفردة واحدة فقط. لأن التعريف بالإضافة هو (آلف لام التعريف فقط) عبثية العبث واستعارة الاستعارة، لا تعني سوى العبث أو الاستعارة لا أكثر ولا أقل، رغم الزيادة الكمية الفيزيائية للصوت (عدد المورفيمات) ولكن لا يجب أن يغفل عن بالنا إن هذه الزيادة لها ضرورة عملية، في لغتنا اليومية بما لها من فوائد اتصالية، ومن حيث هي (أي التعريف بالإضافة) أجابة لتوضيح الكلام وتحديده، على أسئلة مفترضة مثل: أي باب تقصد؟ وأي تفاحة تعني؟ أقصد باب البيت/ تفاحة الولد أعني وهكذا. ولكن الأمر سيختلف كثيرا، إضافة الصفات والتعريف بالإضافة، اختيارياً واستبدالياً، بالنسبة للأسماء المجردة (Abstract Noun) مثل: الخير, الشر, السلام الحب..الخ، أو كما هو مقالنا من كتاب الجنود: العبث أو الاستعارة، على المستويين الدلالي والصوتي، والذي حاولنا مقاربته فيما سبق , وهو السبب وراء ضحكاتك؛ عندما سألتك عن معنى الأمثلة السابقة. مثلما كان يسخر قدامى البلاغيين في مقالهم الشهير (كما فسر الماء بعد الجهد بالماء). ذلك لأن نحو الجملة (المستويات الثلاثة: التركيبي، الصوتي، الدلالي)؛ ينتج معنى على مستوى الجملة فقط؛ ولكنه لا ينتج معنى على مستويات: النص/الخطاب، أي "نحو النص"، "نحو الخطاب". ونحن نقترح هنا؛ المستوى التداولي؛ لأنه قد يكون المستوى الملائم والحاسم، في تحليل عملية إنتاج المعنى في مثل هذه النصوص/الخطاب)، وهو المعنى والهدف المحدد بالنسبة للكاتب (منتج النص)، وهو المعنى التأويلي أيضاً بالنسبة للملتقي. وبالتالي فأن تأويلنا الذي نحاول مقاربته ونسعى الاشتغال عليه هنا ..
• إلى هذا الحد سأتوقف معكم هذا الأسبوع، ذلك لأن صديقي انتقل إلى علاقة تقنية كتاب الجنود؛ بتقنيات "جماعات الخطاب" واعتماداً على اقتراحات " فوكو خاصة " في تحليله "لنحو الخطاب" أي شروط انتاج الخطاب، قبل تجليه النصي، المادة الخام للحكي. بما فيها من تقنيات السحرة والكهنة، أو لغة التعاويذ غير المفهومة للبشر العاديين , لغة ( الجلاجلا AL eRacadaleRa ) أي لغة الابهار وإستخدام الألفاظ الفخمة ودلالة ( شهبروش، شمخروش ). وماذا تسهتدف من تأثير في المتلقى المستمع. (يتبع)

محمد عـبدالحميد المالكي
مشرف بنغازي للسيميائيات وتحليل الخطاب
moh_malky@yahoo.com


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home