Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Abdelhamid al-Malki
الكاتب الليبي محمد عبدالحميد المالكي

Friday, 1 June, 2007

مورفولوجيا الاقتباسات العـجيبة..
كتاب "قصيدة الجنود" نموذجا

محمد عبدالحميد المالكي

• حدثني صديقي غير الحميم قال :
*** أعتقد أنه إلزاماً عليّ الآن، التعريف بأحد هذه الكتب، والتي أقتبس منها كاتب "قصيدة الجنود" تلك التي لم يشر لها بالمتن, ذلك لأن الهوامش غير موجودة أصلاً في هذا الكتاب، ذلك حتى تقترب أكثر من: كيف كانت "استراتيجية القراءة"؟ وبالتالي الكيفية التي تمت بها تلك الاقتباسات... وليكن كتاب (نظرية الأدب المعاصر وقراءة الشعر، ديفيد بشبندر، ترجمه عبدالمقصود عبدالكريم، الهيئة المصرية للكتاب 1996). ورغم جدية المتابعة واختيار إصدار حديث (صدر 1991) للمترجم واجتهاداته، إلا أن ذلك لا يمنع من بعض الملاحظات لعل منها عدم تبرير بعض اقتراحاته في ترجمة بعض المصطلحات والمفاهيم وبعض المدارس والإعلام؛ والخلفيات التاريخية لها، وما حدث فيها من تغيرات وتراكم معرفي في بعض التيمات التي تهيمن في زمن ما؟ ولا يضير المترجم، كما لا تقلل من مدى أهمية شغله، و قيمته المعرفية؛ في ترجمة مثل هذه الكتب، عدم اطلاعه الكافي لاجتهادات وإنجازات "المدرسة المغاربية"؛ في هذا الخصوص، وفي الجزائر خاصة. ذلك لأنها تعتبر إحدى الإشكاليات المعرفية في اللسان العربي، والدراسات النقدية عموماً، أعني عدم الإطلاع المتبادل، للمترجمين والدارسين العرب، لإشغال بعضهم البعض، ومن جهة أخرى طغيان الهلوسة والهذيان، نتيجة هيمنة هوس النشر لمحترفي الإلقاء، الذي يلبي احتياجات ألآت النشر العربية المحمومة.
هذا الكتاب يعرض أهم النظريات النقدية المعاصرة، وكيفيات ممارساتها التطبيقية للنصوص الأدبية عامة، والشعر خاصة. كما يخصص فصلاً لكل مدرسة، يستعرض فيه إبراز تطوراتها الزمنية. أما الفصل الخاص بـ (نظرية الأدب الأنثوية، FEMINIST LITERARY THEORY)، تحت عنوان (الشعر والنوع)، يقول مؤلف الكتاب؛ انه رأى أن زميلته "بربارة ميليتش"، كانت هي الأجدر في تأليف هذا الفصل، ففضلاً عن تشجيعها ونصائحها له في إنجاز الكتاب، فإن اطلاعاتها تفوقه بكثير. وهو ما تؤكده فعلاً مراجعها، تجاوزت المئة بقليل، التي ذكرها في نهاية الكتاب، بتصنيف دقيق ومحكم. كما استفاد من تحليلاتها القيمة، وتفكيكها للخطاب النسوي، بخلفية تبدأ (1300-1600). كما عرض هذا الخطاب النسوي؛ والمحطات الرئيسية فيه، مركزا على ما بعد الحرب العالمية الثانية، حتى يصل إلى تعليق لإذاعة واشنطن على مؤتمر رابطة اللغة الحديثة (1989)، وكما جاء فيه: "أن السيادة كانت للجلسات المخصصة (للنوع GENDER) في هذا المؤتمر"، ولكنه يستدرك قائلا: "أن هذا الأمر ليس مؤشراً حتمياً للنجاح، لأن تنظير "الأدب الأنثوي"؛ ليس فقط؛ مجرد شعرية (بويطيقا poetics) بل هو مشروع سياسي أيضاً، أو هو شعرية ذات سياسات واضحة بدل أن تكون ضمنية، أنه يسعى إلى فهم التراكب وتداخل النوع والنصية (TEXTUALITY) والقوة الاجتماعية لغير البنيات والعمليات التي تضر بالنساء".. لان هذا المشروع السياسي؛ لا يعني، كما هو شائع بسطحية، أنه المؤسسات السياسية فقط (الحكومية أو المدنية أو حتى المعارضة)، بل كل ما من شأنه أن يكون مصدراً من مصادر قوة سلطة الخطاب أو"إرادة القوة"، حسب مفهوم فوكو تحديدا، الذي يتبنى الباحث؛ تعريفه "للخطاب" في بداية هذا الفصل، كما أشتغل بذكاء على شروطه الأربعة (التي تشكل أنظمة الخطاب المفهومية) التي يدعوها "فوكو" بـ"الاستراتيجيات"، أي الاطرادات، التصورات، المفاهيم، التيمات المشتركة..الخ. كما فعل الشيء ذات مع بقية التنظيرات المتأخرة، مثل "ايلين شوالتر" خاصة في كتابيها (نحو شعرية أنثوية "، "الأدبية التي هي لهم"، 1985)، التي تركز على ثلاثة من هذا الشروط: التصور ألبطريركي (الأبوي)، أنظمة الجنس، مركزية القضيب.. كما يقوم على تصنيف وتقسيم أهم التنظيرات الأنثوية، وهو نفس التصنيف الذي أتبعه في المراجع، النظرية الاجتماعية التاريخية الاميريكية، الماركسية الاجتماعية الأنثوية البريطانية، النظرية الأدبية المعاصرة، إضافة إلى الدوريات الأنثوية أو النسوية المتخصصة. وكما هو واضح اشتغاله على مجمل إنجازات، المدرسة الفرنسية أو "خطاب الاختلاف"، كذلك مدرسة باريس للسيميائيات. كما قد خصص الربع الأخير من هذه الدراسة/ الفصل؛ للكيفية الإجرائية للتطبيق تحت عنوان "النظرية الأنثوية في التطبيق" واختار نموذجاً لها، قصيدة "أميلي ديكنسون"، وهي شاعرة رومانسية متصوفة (1775). ويرد عدة أسباب لهذا الاختيار، لعل أبرزها: "أنها تضيف بؤرة ثالثة جديدة، تخص الأسئلة المباشرة عن النشاط الجنسي والنوع. إذا كان الخطاب، أما أن يكون موجهه إلى الرجل وعنه؛ وأما أن يكون إلى المرأة وعنها، لكن البؤرة الجديدة تتمثل في التوجيه إلى شخص ما/ آخر، شيء لا يمكن تحديد جنسه، كما هو في هذه القصيدة المختارة. بأستثمار دلالات ضمير المخاطب (أنت YOU) في اللغة الإنجليزية الذي يتوجه إلى المذكر والمؤنث والشيء على حد سواء، رغم أنها كتبت قصائد أيضاً، مثل الآخرين، عن تلك البؤرتين الشائعتين، فإن تلك البؤرة الجديدة؛ هي من الخطورة؛ بحيث تبرز كيفية آليات المنظومة المفهومية للخطاب السائد آنذاك. كما تكشف إحدى تلك الاستراتيجيات/التميات، لطبيعة القراءة والكتابة، والتعبيرات البلاغية والأسلوبية السائدة والمؤسسة (اللغة) كسلطة مفاهيم خطابية مهيمنة في زمن ما... وربما تكون تلك أحد أهم أسباب انعزالها وتصوفها الفردي، الاختياري و الاضراري معاً؛ فهي هكذا عاشت ولم تنشر سوى تسع قصائد في حياتها. ولكن في هذه القصيدة التي تتجلى فيها كيفيات الإزاحة الفردية البلاغية والأسلوبية؛ و بتقينات الشعر النوعية من جهة أخرى، بمالها من تكثيف علاماتي (سيميائي)، أو ما يعرف بمبدأ الاقتصاد في اللغة."
ولكن لنترك الآن، مؤقتاً على الأقل، تلك الدراسة العميقة والقيمة، لأنني أراك مهتماً أكثر بكيفية اقتباس، كاتب الجنود، من هذه الدراسة؟ وإذا انتقلنا؛ مباشرة إلى صفحة(166): "أن قصيدة (ديكسنون) من حيث "البؤرة الثالثة"، في التوجه إلى آخر/ شخص ما / شيء/ أنت، كما أنها، كما هي مشترك في كل قصائدها، تقدم قصة من أربعة أجزاء: حرمان شبقي غير محدد، آلم مربك، يأس كالموت، والتكيف الذي يتحقق باختيار المعاناة بدل اللامبالاة، وعزاء الطبيعة، توكيد الوحدة بالاختيار الذاتي (الفردي) وتمجيد الرغبة التي تستمر، رغم الفقد، وخاصة في كتابة الشعر.. فإنها هنا وفي هذا البيت (معك لا أستطيع الحياة) يشكل جزءاً من القصة، إن الفرصة الغائبة هنا: فقد شبقي تأكد في البيت الأول (أنت الحياة) أن هذا البيت في القصيدة، ليس مجرد احتجاج ضد الفقد، لكنه تأكيد للاختيار (لا أستطيع؛ لن أعيش معك).. أن تحليل البنية الغيبية للقصيدة، يوضح التمييز بين التبئير السردي، ليس ضمير المتكلم؛ أو الغائب؛ منتج الكلام، بل بؤرة المتلقي المخاطب، فهو ليس مذكراً أو مونثاً، بل أنت/ آخر ما، باستثمار دلالي للمقولات الدينية المسيحية: "(أنت) لي نور وشمس تشبه المسيح، نعمة سابقة على المسيح (وطن) أفضل من الجنة" أن هذا التجديف، كالاختيار الاضراري في مطلع القصيدة، قهري وإرادي في وقت واحد (لأنك أشبعت البصر، أنا لم أستطع اختيار السماء كما اخترت).."
ولأنك من الباحثين عن الفهم والتفهيم والشرح، ولن أفعل هنا، فمالي أنا وهذه الأشياء؟ بل أطالبك فقط، على الأقل، بالتركيز والانتباه بعناية (لما تحته خط)، فيما سبق ولما سيأتي فيما بعد، ذلك لأنها ستشكف إحدى آليات الاقتباس في كتاب الجنود هذا، الذي جاء فيه (ص 155):
"الأنوثة نزوة تلتهم حية خنثية تدعى الأمومة، والبيت هو الجنة التي تحت أقدام هذه الأمومة، وهذه النزوة هي قلق النوع، القلق المدمر، المرأة التي تخص الجسد المحكوم بالمكان الأزلي: البيت الذي ليس مجرد احتجاج ضد الفقد، لكنه تأكيد للاختيار الاضراري، قهري وإرادي في نفس الوقت، قهري من حيث أن الأنوثة عابرة في لغة مركزية القضيب وإرادي لأنه الإمكانية المتاحة للوجود، فالتحقق كامن في الانصياع في الضرورة."
هذه الجملة/الفقرة؛ هي أيضاً في بداية الفصل الخاص بالشعر النسائي في ليبيا، بعنوان "عصر النزوة"، ونشرت في مجلة نزوي العمانية؛ بالمتابعات وليس في باب الدراسات، ولم يشر الكتاب إلى ذلك أيضا. ولكن ما يعنينا هنا هو(ما تحته خط)، فيما بين الكتابين، وكما نلاحظ طريقة التلصيق (الكولاج) الغريبة والعجيبة. إذ كيف يتم الاقتباس لأنصاف جمل؛ ومن صفحتين مختلفتين (165، 166) من نفس الكتاب، إلى كتاب آخر (قصيدة الجنود) إلي جملة/ فقرة واحدة؟ ولكن الأكثر غرابة وعجائبية، أن تتحول لفظة "بيت القصيدة" في كتاب، إلى لفظة "بيت الأمومة"، عندما يتم اقتباسها في كتاب آخر. أما الذي يستعصي على التوصيف، لا غرابة ولا مفارقة عجيبة، أن الباحث (الأجنبي) يتحدث عن التجديف الديني، و كأنه الاختيار الضروري؛ قهري وإرادي في وقت واحد. أو عندما تحدث، عبر صفحة كاملة مكثفة وبدقة تحليلية كبيرة، عن بيت القصيدة (أنت الحياة)، فأنها تتحول لدى ناقدنا هذا؛ إلى بيت الأمومة، والنزوة والإمكانية المتاحة للوجود، فالتحقق كامن في الانصياع في الضرورة.. فأن البحث عن معنى لهذا الكلام؛ هو مجهود عبثي؛ ولا طائل من وراءه. إذ أن البحث سيكون في مستوى آخر، أي البحث عن الهدف التداولي (الذي من أجله كتب هذا الكتاب؟) وهو ما سنقترح احتمال ممكن للإجابة عليه؟...

• كما تحدث صديقي غير الحميم عن مسائل أخرى في هذا الكتاب، وكتب أخرى سأنقلها لكم الأسابيع القادمة.

(يتبع)

محمد عـبدالحميد المالكي
مشرف مختبر بنغازي للسيميائيات وتحليل الخطاب
moh_malky@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home