Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed al-Asfar
الكاتب الليبي محمد الأصفر


محمد الأصفر

الإثنين 29 مارس 2010

ورحل الذي أشرع قلبه للرياح

محمد الأصفر

الإجدابي
www.al-ijdabi.com
الجمعة - 26-3-2010

" مشرق كالشمس وجه الكلمة
فلماذا حاصروها
لتغنى تحت أقدام الخليفة
وبأسماء الخليفة

ولماذا صادروها
حينما غنت لموت القبرة
وعري الشجرة
ولماذا قاوموني حينما أشرعت بابي للرياح "

قامة إبداعية سامقة تركتنا فجأة وغادرت .. إنه الشاعر الليبي الكبير محمد فرحات الشلطامي .. وجع في القلب ألم به فجأة .. وأخذه بعد زمن قصير فجأة آخر إلى العالم الآخر .. كل عشاق هذا الشاعر ومريديه وأصدقائه استبشروا خيرا .. عندما قرر الأطباء في مصحات الأردن أنه لا يحتاج قلبه إلى عملية جراحية .. وبإمكانه الشفاء بواسطة الأدوية والراحة .. ولكن هذا الشاعر له قلب .. وليس عضلة فسيولوجية .. الدم يجعلها تنبض والحرارة المناسبة 37 درجة تجعلها تعيش .. قلب جفلت من أمامه المشارط والسكاكين ورفضت اقتحامه وتلويث دقاته بشفرتها الجارحة .. قلب رفضت الحياة أن تمزقه بفولاذها وتركته مواصلا نبضه في سلام حتى وإن كان هذا النبض بطيئا وينذر بالخطر .. هذا الشاعر له قلب أبدع العديد من القصائد التي صارت أغنية أبدية في قلوبنا ..

لم أجد أي من النقاد أو الأدباء أو قراء الشعر يختلف على أن قصائد هذا الشاعر قصائد كبيرة .. حتى المتحذلقين والذين لا يعجبهم العجب ولا الصيام في رجب لم ينتقدوه .. ولم يبدوا ملاحظات أو تحفظات حول شعره .. قصائده تدخل القلب مباشرة ويغنيها القلب بألسنة دقاته سريعا .. من منا لا يعشق قصيدة مشرق كالشمس وجه الكلمة .. أو بقية قصائده التي تتغنى بالحرية .. وبالرفض .. وبالثورة .. وبالتنديد بالمخبرين ووشاة العار .. قصائده ذات نفس أممي .. صالحة لكل زمان ومكان .. يمكننا ترجمتها إلى كل اللغات دون أن تفقد قيمتها .. في كل قصائده نظر إلى قضية الحرية كقضية عالمية .. وحارب الظلام والجهل والخوف والقمع دون أن يحدد مكانه .. بل تركه ليشمل كل جغرافيا العالم .. هذا الشاعر وطنه هو الحياة والوجود .. وطنه هو الشجر الأخضر الذي لا يموت .. يبكي لموت الطيور .. وتساقط الأجنحة .. يغني لهطول المطر وانبثاق الزهور من الطين المبلل ..

منذ مدة قصيرة التقيت بصديقه الحميم الدكتور محمد المفتي وسألته عنه .. لم يمنحني إجابة مطمئنة .. قال بما معناه أن حالته غير مستقرة .. ألتقي أخاه القاص رجب الشلطامي كثيرا وأسأله فيجيبني إجابة مطمئنة إنه بخير والحمد لله .. في هذا اليوم قرر قلبه أن ينزرع في التراب .. طار إلى أعلى كعصفور .. تم نقله سريعا إلى المستشفى لإسعافه .. لكن فضل هذا القلب أن يتوقف في الطريق .. في الطريق بين البيت والمستشفى .. الطريق الذي يمشي عليه الناس البسطاء .. والذي تسير فيه السيارات .. طريق إسفلتي مبقع بالحفر والأخاديد .. بلاط شعبي عادي وليس بلاط خلفاء أو حكام .. بلاط تحته ملح بنغازي وماء سبختها المالحة الذي يمكنك أن تغرف منه بعد أن تحفر شبرا فقط .. قصيدته غناها للشارع وها هو يموت في الشارع وسط الأحباء .. وسط الناس الغادية والرائحة .. وسط النهار .. وسط الشمس الربيعية الساطعة التي تتميز بها هذه المدينة .. التي بلورات الملح لامعة .. إن مست الجرح فبقدر أن تشفيه تؤلمه وتلذعه .

الكثير من الكتاب كتبوا عن هذا الشاعر الفذ .. ولا يمكننا أن نتحدث عن الشعر الليبي دون أن نتطرق إلى اسمه وقصائده .. لم يكن شاعرا وحسب .. كان إنسانا خلوقا هادئا مؤدبا كريما بشوشا .. كلما التقيه أصافحه ولكن لم أتحدث معه كثيرا بالفم .. لكن بالقلب لم أشعر أن قلبه غريب عن قلبي .. يقول لي الكاتب محمد العريشية إنه يريد أن يصور معه حلقة عن الشعر ليعرضها في التلفاز الليبي وكيف يمكنني الوصول إلى الشاعر الشلطامي فأقول له الأمر صعب قليلا .. فهو لا يحب الحوارات والتصوير كثيرا .. لكن بإمكانك أن تتحدث مع الناقد أحمد الفيتوري وهو صديق للشاعر والفيتوري سوف يتحدث مع الدكتور المفتي في الأمر .. وإن توسط لك المفتي مع الشلطامي الله يرحمه فالشاعر الكبير سيوافق فورا .

كل دواوينه التي نشرتها الدار الجماهيرية اشتريتها منذ زمن وقرأتها أكثر من مرة وعلى الرغم من أن موضوعه التحرري والنضالي لا يتقاطع مع كتاباتي كثيرا ولا يهمني كثيرا إلا أنني وجدت في قصائده لمسات إنسانية وجمل رائعة توطنت في ذاكرتي وصارت جزءا منها .. لقد رحل هذا العملاق الشعري ليلحق ببقية أدباء ليبيا الرائعين من نيهوم إلى فاخري إلى تليسي إلى محمود كريم إلى خديجة الجهمي إلى كل الأقلام التي أبدعت وإلى الأصوات التي غنت وإلى كل الأرواح التي جعلت الإبداع حياتها الأبدية .

علينا أن نقبل بهذا القدر .. وهذه سنة الحياة .. والبقاء لله فقط .. والحياة التي نحب أن نمجدها هي حياة الكاتب الأخرى .. حياة إبداعه الذي غرسه وترجه ينمو في طين الأجيال الجديدة .. التي ستسقيه بدموعها الصادقة كي لا يذبل أو يموت في ذاكرة الدنيا .

سيظل الشلطامي في القلب دائما

وستظل الكلمة ساطعة مشرقة .. والكلمة في ظني ليست القصيدة فقط إنما يقصد بها الشلطامي كل أوجه الإبداع .. أما ظهر الإبداع فالشلطامي وكل شاعر عظيم لا يعرفه .. فالقصائد المتقهقرة وذات الذيول .. ليس مكانها في مدونة الشعر الحقيقي .. إنما مكانها كما يقولون في القمامة .. هذا إن وجدت قمامة غافلة تقبلها .. فحتى القمامة في هذا الزمن صارت ذكية .. لا تحب أن تتسخ أكثر .

وفي النهاية أشكر جريدة أويا التي كرمته منذ مدة وكذلك المؤسسات الثقافية الليبية التي اهتمت بهذا الشاعر وبدواوينه وخصته بالزيارات ومنحته الجوائز التي يستحقها بجدارة .. بل أن الجائزة الكبرى التي منحت للدكتور جابر عصفور لن يكون هناك أي فرق أو تميز لو أنها منحت للشاعر الراحل محمد الشلطامي وأشكر أيضا كل من أحب هذا الشاعر الشفاف لأنه فعلا يستحق الحب وكل من منحه دقة قلب فلن يشعر بأنه قد فقدها وسيشعر أنه قد زرعها في تراب الجنة حيث لا تموت هناك الخضرة أبدا .

محمد الأصفر


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home