Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed al-Asfar
الكاتب الليبي محمد الأصفر


محمد الأصفر

الثلاثاء 26 ابريل 2011

لو يعلم شكسبير بكرم مصر!

محمد الأصفر

ليس الطريق إلى مصر محفوفا بالمخاطر كأيام القذافي الله لا تعيدها.
الآن ينعشك منظر علم الاستقلال الجميل بنجمته المتألقة.


شكرا مطروح .. شكرا مصر العظيمة

في لحظات تحولت كلمة "ثورة" التي كانت مقترنة بتاريخ الفاتح من سبتمبر 1969 لتنقذ نفسها من الزيف ومن السجن ومن القالب المؤدلج الذي وضعها القذافي فيه خلال 41 سنة اعتبارا من عام 1969 العام الذي شهد الانقلاب العسكري لملازم المخابرة معمر القذافي صحبة مجموعة من العسكريين أسماهم الضباط الوحدويين الأحرار، وهم من الحرية براءة، براءة الذئب المظلوم من دم يوسف لتنزرع هذه الكلمة في مكانها اللائق أمام يوم 17 فبراير 2011 اليوم الذي تفجرت فيه ثورة الشباب الليبية.

وفي لحظة منيرة تغير وعي الناس وصارت كلمة "ثورة" ما عادت تعني الفاتح من سبتمبر 1969 لا من قريب ولا من بعيد، وإنما تعني 17 فبراير 2011. صار شهر الفاتح هو شهر الانقلاب الدكتاتوري الذي وضع ليبيا في سجن مظلم طيلة 41 سنة، وسبب لها الكثير من المشاكل على الصعيد المحلي والعربي والأفريقي والدولي وورطها في حروب وفي عمليات إرهابية وفي حوادث خطف وذبح وتغييب قسري واغتيالات وإسقاط طائرات مدنية آمنة وتدبير انقلابات في دول أفريقية وغيرها من دول العالم الثالث، وفي كثير من العمليات الاستخباراتية الأخرى القذرة وغير القانونية والتي سيكشف عنها التاريخ كعادته فور غرق النظام إلى شفشوفته نهائيا.

لقد انتزعنا كلمة "ثورة" من الفاتح بفضل شجاعتنا وحبنا للحرية وتضحياتنا وزرعناها في حديقة يوم انتفاضتنا في 17 فبراير/شباط، لتتألق أكثر وتتعالى وتسمو وتجعل حياتها وحياتنا أكثر جمالا وسلاما.

وككل دكتاتور كشف الشعب تفاهته فصار لا يصدق أنه قد فقد جبروته وأن السلطة قد تسربت من يده. وأن قبضته ما كانت تقبض إلا على سراب هش. وما كانت تسيطر إلا على وهم وعلى كومة من رمال وليس على شعب ليبي حر أبي حي لا يرضى أن يضعه كائن من كان تحت تصرف بنانه القذر. فما كان من هذا الدكتاتور إلا أن أطلق نيرانه الحارقة على الشعب الأعزل المطالب بحقه في الحرية كبقية الشعوب الحرّة. أطلق باروده على الشعب، لا يفرق بين شاب أو طفل أو عجوز أو حتى شاة ضأن أو ماعز أو جمل أو قط أليف.

لقد أطلق ناره لتدمر وتحرق وتغتصب هذا الشعب الذي رفضه وأخرجه من رأسه نهائيا وأراد أن يكون حرا. قصف المدن والقرى والمصانع والمساجد والكنائس والمخابز ومحطات الوقود وأبراج الكهرباء والموانئ والمطارات والمزارع والحدائق وحقول النفط. حجب خدمة الهواتف والنت ومحطات التلفزيون. قطع عن الناس في المدن الثائرة الماء والكهرباء، قتل الجرحى على أسرة المستشفيات، ونبش القبور لخطف جثث الشعب الثائر ليستخدمها في أغراضه الدنيئة. فكلما تم قصف هدف عسكري من قوات التحالف المناصرة لقضية الحرية أخرج هذه الجثث وصرح إعلامه الكذاب بأن هناك ضحايا مدنيين. فعل كل ما في وسعه من قمع, وقهر وتدنيس للمقدسات. مارس بكل صفاقة سياسة الأرض المحروقة ليجعل الناس تترك بيوتها وتفر ناجية بما تبقى لها من حياة، خائفة على شرفها العفيف وشرف بناتها من مرتزقته الحشاشين والسكارى والمجرمين ليصل بعض أولئك الفارين من القصف ومن جرائم القذافي وانتهاكاته السخيفة إلى عدة مدن حدودية في تونس ومصر والجزائر, وحتى إلى مالطا وإيطاليا.

ولقد عايشت أثناء رحلة قصيرة إلى مصر عبر الحدود البرية ما يعانيه هؤلاء الناس النازحين من مدن اجدابيا والبريقة ورأس لانوف ومصراتة والواحات وأطراف بنغازي وغيرها من المدن التي شهدت القصف الوحشي المجنون من كتائب القذافي من شعور بالألم والحزن للذي يحدث في ليبيا بسبب رعونة وجبن وعنجهية القذافي وزمرته المجرمة الذين يصرون على أن يحكموا شعبا لا يحبهم ولا يريدهم ولا يستطيع هضم تخلفهم ودكتاتوريتهم وجهلهم ولو تجرع معهم مصنعا من الكوكاكولا، يصرون على أن يجثموا فوقه ويركبوا فوقه ويسرقوا مقدراته ويستغلوا كامل حياته ويحكموه بقبضة من حديد ونار أو يقتلوه فردا فردا فردا.

مشاهد كثيرة عايشتها صحبة هؤلاء النازحين وحكايات بشعة سمعتها منهم يندى لها الجبين. وفي الوقت نفسه سمعت منهم ثناء وشكرا ودعاء من القلب لأهالي مطروح الكرماء الذين احتضنوا هذه الحالات الإنسانية وأشعروهم أنهم في بيوتهم وبين أسرهم فمنحوهم السكن المجاني والغذاء والرعاية الاجتماعية والصحية والنفسية ووفروا لهم كل الخدمات التي لن توفرها بصورة حميمية أي منظمة إنسانية معروفة كالمنظمات التي نجدها بخيامها منتشرة على الحدود.

الآن السفر من بنغازي إلى مصر صار رحلة ممتعة، يمكنك أن تقوم بالرحلة في أمان، سيارات الأجرة تجدها في المحطة القريبة من الفندق البلدي. وكالات كثيرة تستقبلك بود وتوفر لك السيارة المناسبة التي تقلك إلى طبرق أو مساعد أو مصر بكل مدنها، وبالطبع حسب ظروفك وإمكانياتك الاقتصادية، فبأي سعر يمكنك أن تتحصل على وسيلة مواصلات.

وبعد 17 ثورة فبراير عادت الرحمة والمودة إلى مدينتي، فيمكنك أن تجد سيارة تنقلك مجانا إن كنت محتاجا ولا تملك مالا حاضرا الآن، تجد وكالات كثيرة ، منها وكالة المقعم ووكالة الخشمي التي دائما أتعامل معها في إرسال الكتب واستلامها من أصدقائي الأدباء في مدن ليبيا. تركب السيارة أنت وأسرتك في أمان.

ليس الطريق إلى مصر محفوفا بالمخاطر كأيام القذافي الله لا تعيدها. الآن ينعشك منظر علم الاستقلال الجميل بنجمته المتألقة. البوابات كلها محترمة. لا رشا ولا مضايقات. ولا قف وترجل. لا كلام بذئ أو أنزل من غير نقاش. يحترمون العائلات وكأنها أسرهم هم. الطريق سرعان ما تنطوي. وكلما يقف السائق على استراحة ينزل الركاب ويشاهدون نشرة الأخبار ليطمئنوا على الثوار في كل مدن ليبيا الشامخة. الإجراءات في الحدود الليبية المصرية سريعة. المصريون رائعون. يقدمون لليبيين كل التسهيلات. ليس ضروريا أن يكون معك جواز سفر، فحتى البطاقة الشخصية يتم قبولها. وحتى كتيب العائلة يتم قبوله.

يستقبلك الجيش المصري البطل بحب. وضابط الجوازات يسجل أوراقك على الحاسوب ويختم لك. أنت ليس معك سيارة. إذن ما عليك إلا أن تمشي خطوات قليلة على الطريق المؤدي إلى هضبة السلوم. لن تمر دقائق حتى تتوقف عليك سيارة من سيارات قبائل أولاد علي. وغالبا ما تكون سيارة نصف نقل. يخاطبك السائق بلهجة ليبية بدوية شبيهة بلهجة أبناء طبرق الرائعين محطمين أنصاب "الكتاب الأخضر" في أول أيام الثورة، تفضل انوصلوك تحت (إلى قرية السلوم أسفل الهضبة حيث محطة السيارات والاتوبيسات العامة).


ثائرة ليبية صغيرة

كان في السيارة كرسي واحد أمامي يحمل السائق ونفرين معه، وكنت وزوجتي وابني جبير وابنتي مهجة، نزلا الراكبان اللذان إلى جانب السائق وقفزا في الصندوق الخلفي للسيارة مع البضائع، أخذا مني حقيبتنا وحقيبة الطفلين إلى صندوق السيارة، وركب أربعتنا إلى جنب السائق، كان الوقت ليلا وكان الجو باردا، وصلت بنا السيارة سريعا إلى تحت، هناك رأينا خيمة كبيرة، ما إن نزلنا حتى ركض نحونا بدوي شاب قفز إلى الصندوق وأنزل حقيبتينا قائلا: "تفضلوا ورائي"، تبعناه فأدخلنا إلى غرفة كبيرة مفروشة بالأكاليم تنتشر في أرجائها عدة طاولات أكل منخفضة (تسمى طبلية) وكل طاولة إلى جانبها علبة محارم ورق وقنينة ملطف جو. وفوق الأكاليم تناثرت بنظام طنافس مستطيلة من الإسفنج وإلى جانبها عدة بطاطين دافئة من التي نسميها في ليبيا بطاطين نمر.

غاب البدوي قليلا وعاد داخلا علينا بسفرة عليها علب تن وجبن وزيتون وحلوى طحينية وطماطم أخضر وخيار وفلفل وعصائر ومياه غازية وماء معدني. جلسنا حول السفرة وأكلنا من زاد الكرماء حتى شبعنا، وجلب لنا البدوي براد شاي ساخن ومعه طاسات زجاج صغيرة شربنا منه حتى اعتدل مزاجنا، والصغيران امتصا من العصير حتى ارتويا، أما بقية الطعام فجمعناه في كيس كي نأخذه معنا تقليصا للنفقات. لا ندري من القائم بهذا العمل الخيري النبيل، لكن لمحت على الجدار ورقة دعائية لعمل الخير تابعة لجمعية خيرية مسجل عليها عدة أرقام هواتف وعناوين.

جمعيات خيرية من جمعيات المجتمع المدني تنتشر في كل بقاع الأرض لتقدم خدماتها للملهوفين والمتضررين زمن الحرب والنكبات والكوارث وزمن السلم تقوم بدورها الطبيعي المؤسسة من أجله في نشر الديمقراطية وإصلاح المجتمع وزرع الخير بكل أنواعه في ربوعه، كل دول العالم بها جمعيات خيرية تلبي النداء وقت الشدائد، عربيا قطر والإمارات والكويت ومصر رغم قلة إمكانياتها وعالميا لا يمكننا أن نغفل دور بريطانيا التي هي على الرغم من قلة إمكانياتها مقارنة بباقي دول العالم، أثبتت أنها بالفعل بلد شعبه كريم يدفع ضرائب بسخاء وصدقات من أجل إنفاقها في الأعمال الخيرية، شعب يحب ويمارس النشاط الخيري كوجبة يومية، لا يمكنه أن يستمتع بشاي المساء والبسكويت دون أن يكون قد أرضى ضميره وأسهم في رفع معاناة محتاج أو خائف أو جائع أو أمي في كل بقاع الأرض دون تمييز أو عنصرية، بل جمعياته تمتد لتقديم يد العون لغير الإنسان، أي لكائنات حية أخرى كالحيوانات والنباتات، بعكس دول أخرى تتمتع بمعدلات نمو اقتصادي عالية كالصين والهند لكنها دائما في مجال الأعمال الخيرية نجدها في أسفل القائمة.

مصر رغم ما يعانيه اقتصادها من أزمات إلا أنها من أوائل الدول التي أغاثت الشعب الليبي إبان ثورته الحرّة وكرمها سبق مشاكلها ووصل قلوبنا منعشا سخيا ليبعث فيها الاطمئنان والسكينة.

قلت للبدوي ورفاقه نريد أن نواصل طريقنا إلى مطروح أو الإسكندرية، أحتاج إلى وسيلة مواصلات أكتريها إلى هناك، ألح علينا البدوي أن نبيتوا الليلة في السلوم، فتوجد أغطية وفرش وطعام وحمامات والصباح رباح، لكن أصررنا على مواصلة الطريق فنصحني البدوي آنذاك أن أذهب إلى مطروح وزودني برقم هاتف للجنة إغاثة توفر لليبيين خاصة العائلات سكنا مجانيا، جاءت حافلة صغيرة فركبنا فيها وانطلقت بنا إلى مطروح.


شاطئ بمطروح الجميلة

كانت عيوننا تدمع عندما استقبلنا البدوي فور وصولنا إلى السلوم واحتفى بنا وضيفنا ووقف قرب الباب ليكون رهن إشارتنا كي يخدمنا. وزادت دموعنا أكثر عندما وصلنا إلى مطروح واستقبلتنا اللجنة بحفاوة وود وكرم قائلا أحدهم ونحن ندخل العمارة الأنيقة القريبة من البحر في منطقة علم الروم التي بها الشقة التي خصصت لنا: "ولا يهمكم بكل.. نحن خوت..". أي شيء ينقصك مااديرش غيبة (لا تجعل بيننا أي كلفة أو خجل أي اطلب كل ما تحتاجه). "نحن هلك.. نحن شعب حر واحد".

شكرت أعضاء اللجنة ودخلنا الشقة. غرف نظيفة. صالة واسعة. تلفاز مع منظومة بث. فرن كهربائي. ثلاجة. حمام صحي به مياه ساخنة. أغطية نظيفة. شرفة واسعة تطل على البحر. بعد قليل أحضروا لنا بعض السلع التموينية والماء والخبز والطماطم الأخضر والبصل والحليب والمربى والجبن وعلب الفول المدمس وقطع شوكلاتة للأطفال وكيس بالونات. كنا منهكين قليلا من السفر. نمنا ليلتنا. وفي الصباح استيقظت وذهبت إلى دكان قريب اشتريت منه كبريت وبعض الأشياء الناقصة. وعندما خرجت من جديد كي أذهب لوسط المدينة القريب من أجل الجرائد والنت وبعض المستلزمات للمدام والعيال وجدت عضو لجنة الإغاثة أسفل العمارة سألته أين يمكنني أن أصرف خمسين دينارا ليبيا، قال لي: "خلي افلوسك في جيبك". وأخرج من جيبه ربطة مال عد لي عدة أوراق حوالي 100 جنيه مصري. قال: "خذها وعندما تحتاج إلى نقود كلمني". اعتذرت عن قبولها، لكن ألح كثيرا فقبلتها بود وشكرته كثيرا، ثم ذهبت إلى المدينة في سيارة أجرة بيضاء ذات رفارف زرقاء، في الطريق تجاذبت مع سائق الأجرة أطراف الحديث عن أحوال الحياة وخاصة الوضع في ليبيا. وكان من المناصرين لثورة شباب ليبيا، أوصلني إلى الشارع الرئيسي في مطروح واسمه شارع "الإسكندرية"، ورفض أن يتقاضى الأجرة. بل عرض علي أن يوصلني لأي مشوار مجانا ومدني برقم هاتفه.

مطروح كلها مع الثورة الليبية، على الرغم من التحفظ الحالي بخصوص الاعتراف بالمجلس الوطني الانتقالي الليبي رسميا من قبل الدولة. علم الاستقلال الليبي تجده مرفرفا أمام الكثير من الدكاكين أو ملصوقا على زجاج وأبواب السيارات المصرية. تراه يرفرف من الشرفات. تراه وكل ملحقاته التذكارية من قبعات وميداليات وتي شرتات مرسوم عليها علم ليبيا وأعلام صغيرة وأوسمة (بروشات) معروضا للبيع والإهداء في الميادين، الكل يشتري من علم الاستقلال الليبي وملحقاته، الكل يقتنيه بحب ولا يفاصل البائع في الثمن فالسلعة هي الحرية، هي علم الاستقلال الليبي وزيناته وبهاراته الثورية. فالسلعة هي علم الثورة المصري في 25 يناير. هي علم الثورة التونسية. علم الثورة اليمنية، الثورة السورية، الجزائرية، الموريتانية، ثورات كل شباب الوطن العربي. تجد أيضا الكثير من الأعلام والتذكارات المزدوجة. وجه لعلم الاستقلال الليبي ووجه لعلم الثورة المصرية.

مطروح كلها مع ثوار ليبيا. لا ترى في الشوارع إلا أعلام الاستقلال الليبية. كما قلت في واجهات الدكاكين. في المطاعم. في المقاهي. في شرفات شقق العمارات. في سوق الخضراوات. ودائما ما تجد سيارات مصرية ملصق عليها صورة لعلم الاستقلال الليبي وصورة لعمر المختار. وفي أغلب المحلات والشوارع تجد ملصقا جميلا مكتوب عليه بخط أنيق: "اللهم سلم ليبيا وأهلها". تجد أيضا في بعض المطاعم والدكاكين والأسواق ملصقات أخرى تدعو إلى التبرع من أجل إغاثة إخواننا الليبيين. وللتاريخ هناك تجاوب كبير من قبل أهل الخير. فالتبرعات لا تتوقف. وليس بالضرورة مال. أحيانا خضروات. أحيانا دجاج. أحيانا ملابس. أحذية. أي شيء يصل إلى اللجنة يتم تقسيمه على المحتاجين له. الليبيون أيضا لا يقبلون إلا ما يحتاجون إليه فعلا بصورة ملحة.

وليم شكسبير (الشيخ زبير حسب القذافي)

أهل مطروح أراهم بفعلهم هذا وقد تحولوا إلى متبرعين كبار، قد تحولوا إلى أغنياء، "فما نقص مال من صدقة"، كما جاء في أدبيات الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، الآن أهل مطروح أراهم وكأنهم الرجل النبيل الأميركي وارين بوفيت، أغنى رجل في العالم، والمشهور بكرمه وحبه الشديد للنشاط الخيري، ذاك الرجل الذي بدأ حياته كادحا مثابرا في طفولته لم يستسلم للكسل والخمول، خرج إلى الشارع وبدأ في بيع المستيكة والكوكاكولا والطوابع والمجلات وغيرها من الخردوات، ليبارك له الرب في تجارته الشريفة ويرتقي إلى فوق حيث الثراء الذي لم يقتل قلبه أو يجعله ناسيا للمحتاجين والفقراء والمنكوبين، فمثلما أعطته الحياة ها هو يعطيها ولا يبخل عليها ويقدم المساعدات والعطايا دون توقف ليحي كل مريض أو فقير أو متألم أو منكوب. وبفعله هذا يحضرني القول الذي يقول "ومن أحيا نفسا فكأنه أحيا الناس جميعها"، فالكرم قيمة أممية، قيمة إنسانية، تمنح القائم بها سعادة لا توصف وتجعل الحب كبيرا جدا ومضيئا بين البشر جميعهم. كما لا ننسى المهندس بيل جيتس وكرمه هذا الرجل المعروف الذي جمع ثروته بكفاحه ونبوغه وجهده المتواصل في مجال الكومبيوتر والبرمجيات وهناك الكثير من الشخصيات الكريمة في هذه الحياة، لكن ذهني هذه اللحظة قدم لي إثنين فلن أطالبه بالمزيد.

الكرم قيمة إنسانية عالمية لا ينبغي أن ترتبط بالمال والغنى فحتى الفقير يمكنه أن يكون كريما، فالابتسامة فقط تعتبر كرما، ما أجمل أن يبتسم في وجهك إنسان ويعانقك لتشعر أنك ملكت الدنيا. كثير من الكرماء الكبار الذين اشتهروا على مر التاريخ مثل حاتم الطائي العربي المسلم الذي ذبح فرسه لضيفه حاجب قيصر الروم النصراني عندما لم يجد قرب خيمته شاة أو ماعزا أو جملا، والطريف أن الحاجب قد أرسله القيصر إلى حاتم الطائي من أجل طلب هذه الفرس التي ذاعت شهرتها حيث أن حاتم شهامة وكرما منه سيهبها للطالب فورا دون ثمن، أدباء كثيرون تحدثوا عن الكرم وأسبغوه بنكهة فكرية فلسفية منهم:

جبران خليل جبران الذي قال: "الكرم الحقيقي هو أن تعطي أكثر من قدرتك على العطاء مع أخذ أقل ما يمكن من عزة النفس".

ومنهم وليم شكسبير الذي قال عنه ذات يوم الدكتاتور والفاهم في كل شيء معمر القذافي أن أصله عربي، واسمه الشيخ الزبير حيث قال شكسبير عن قيمة الكرم:

"حتى الهدايا الثمينة والغالية تفقد قيمتها إذا كان العاطي قليل الرحمة قليل الشفقة".

وهناك الكثير من المقولات حول الكرم لكن دعونا نعود إلى الواقع، إلى حيث أنا الآن، إلى مطروح البهيّة الأبية الناصرة للحرية، الناصرة للثورة الليبية، لنواصل الحكاية.

الكل في مطروح يتابع التلفاز خاصة نشرات الأخبار وعندما تهل المتابعة الخاصة بليبيا الجميع في المقهى يصمت ويستمع لآخر الأخبار، ويمكنك أن تلاحظ علامات الارتياح والفرح والحبور إن كانت الأخبار تصب في مصلحة الثوار، وإن كان الثوار قد تراجعوا بسبب القصف فتلحظ بوضوح علامات الحزن وترتفع الأيادي فورا بالأدعية النابعة من القلب لنصرة ثورة الشباب المجيدة. التلفزيون لا تتغير قنواته عن الجزيرة والعربية والقنوات المصرية الإخبارية إلا إن كانت هناك مباراة كرة قدم مهمة في الدوري المصري أو العالمي، لكن بعد انتهاء المباراة يعود التلفاز لقناة الجزيرة لمتابعة آخر تطورات الثورة الليبية وبقية الثورات المجيدة في بلاد العرب.

الناس في مطروح يتابعون الأخبار بعاطفة قوية يتأثرون من الهزيمة ويفرحون بالنصر.. تشعر أن الثورة الليبية ثورتهم ربما أكثر من الليبيين. أحيانا يعانقك مطروحي عناقا حارا ويطلب لك قهوة أو عصير لأن الثوار دمروا بعض الآليات في الزنتان أو مصراتة أو البريقة. كل أهل مطروح تشعر أنهم يقاتلون معنا ببنادق القلب وصواريخ الروح ومدافع الإيمان الراسخ في وجدانهم. تشعر أن القضية قضيتهم. وأن القذافي وزمرته أعداؤهم. وبالمناسبة لم أر في مطروح أي علم أخضر خاص بالقذافي حتى الآن. علم الاستقلال بألوانه الثلاثة أحمر أسود أخضر وبنجمته وهلاله الأبيض واكل الجو. يلاقيك في معظم الشوارع والميادين. يلاقيك ليحييك. ويرفرف لك مواسيا واعدك بنصر مبين قريب. فغيابه أكثر من 41 سنة ليس مشكلة. كان يثق في ليبيا وشبابها الذين دفعوا دماءهم رخيصة كي يعود مرفرفا في كل العالم.

ترى أناس مطروح منصتين مركزين، وكأنهم يتابعون مباراة لكرة القدم شبابا وشيبا. وفي كل الحالات يمكنك أن تلاحظ تفاؤلهم بالنصر الوشيك على المجرم القذافي باديا على الوجوه الملتحية وعلى الجباه المشرقة. والحقيقة أن أهل مطروح وكل أهل مصر موقفهم مشرف من ثورة الشباب في 17 فبراير، فمنذ تفجرها ظهر انحيازهم للثورة معتبرين الثورة الليبية مكملة للثورة المصرية في 25 يناير، فلم يقفلوا الحدود، وأرسلوا إلى ليبيا الأطباء والأدوية والمواد الغذائية والخضروات والفواكه، وكونوا لجان إغاثة للشعب الليبي الثائر في معظم مدن مصر، رأيت أحدها في الإسكندرية، بجانب مسجد القائد إبراهيم قرب محطة الرمل. سرادق به مكتب ولجنة موجودة وأمامه ملصقات تعرض الجرائم التي ارتكبها القذافي في حق الشعب الليبي وحق شعوب العالم. صور لأشلاء ممزقة ومتفحمة. صور لبقايا من طائرة بان أميركا التي فجرتها مخابراته فوق بلدة لوكربي. صور للشرطية الإنجليزية (إيفون فلتشر) التي قتلتها رصاصات بندقية غادرة منطلقة من السفارة الليبية بلندن من قبل أحد الإرهابيين، صور لقتلى شباب في عمر الزهور، صور ضحايا من كل أنحاء العالم. صور أسر هذه الضحايا وهم يحتجون ويبكون ويطلبون من الله ومن العالم القصاص من سفاح البشرية القذافي. وبالمناسبة الثورة الليبية محظوظة جدا جغرافيا. حيث سبقتها ثورة تونس، ثم ثورة مصر. والمعروف تاريخيا أن الثوار ينحازون للثوار. ولو بدأ الليبيون ثورتهم قبل تونس ومصر ما حققت كل هذه النجاحات. فبكل تأكيد سيضغط نظام الدكتاتور زين العابدين ونظام الدكتاتور حسني مبارك على ثوار ليبيا ويسهمون في وأد ثورتهم بقفلهم الحدود وتقديمهم للإمدادات. فالآن ثغرة النظام الفاشي الدكتاتوري في ليبيا من جهة الجزائر. وهذه الثغرة سيقفلها ثوار الجزائر قريبا أو تقتنع السلطات في الجزائر من جراء الضغوط الدولية أنه لا جدوى من الوقوف مع الإرهابيين والطغاة القذافي وزمرته، وأن الوقوف مع الشعب الليبي الثائر أشرف لبلد المليون شهيد الذي شاركته أناس ليبيا إبان ثورته في الستينيات من القرن العشرين كفاحه ومدته بكل ما تملك من عتاد وسلاح ومال على الرغم مما تعانيه من فقر. فتحرير بلد ونيل حريته هو الواجب المقدس لكل الشعوب الحية.

ثوار ليبيون

في مطروح تلمح في بعض الميادين مدرعات وعربات للجيش المصري. الجيش العظيم الذي كسب ثقة شعبه واحترام العالم. الجيش الشبيه بالجيش التونسي المنحاز لثورة الشعب والمتخلي عن الدكتاتور الذي أمره بذبح الشعب المسالم الأعزل، تحي الضباط والجنود الواقفين يحيونك بابتسامة ويعرضون خدماتهم عليك. لا مشاكل في مطروح من قبل النازحين الليبيين. حوادث طفيفة جدا غير مؤثرة. يتم التعامل معها من قبل لجنة الإغاثة بحكمة معللين سببها بسبب الظروف التي يعيشها النازح الليبي والتي أجبرته على مغادرة بيته. أهل مطروح يحترمون ويقدرون الليبيين. ولا يمكن أن يجد الإحسان غير الإحسان مهما كانت نفس الإنسان سيئة. حوادث طفيفة جدا تنتهي في وقتها ويتم احتواؤها من قبل حكماء مطروح وليبيا من أساتذة وأدباء ورجال دين أفاضل حفاظا على مشهد التلاحم الجميل بين الشعب الواحد في مصر وليبيا وقت الشدة، الحقيقة أننا في مطروح لم نشعر إطلاقا أننا نازحون، شعرنا أننا ضيوف أعزاء مكرمين مرحب بهم جدا جدا جدا.

لم تقتصر مساعدات أهالي مطروح ومحافظتها النبيلة للنازحين من ليبيا على عملية الإيواء والتغذية والعلاج، إنما تجاوزتها لتشمل جوانب إنسانية أخرى. عند الأصيل تطرق فتاة شابة الشقة ومعها طفلان صغيران. تزور العائلة وتسجل احتياجاتها في ورقة. في اليوم الثاني تعود ومعها بعض الملابس للأطفال وبعض الألعاب، وقطن نسائي. وملابس داخلية نسائية. وحذاء. تسأل عن الزوج ماذا يحتاج. تقول لدينا بدل عربية جلابيب فتعتذر الزوجة وتشكرها، فزوجها يلبس الجنز والملابس الأفرنجية. فتتفضل الفتاة بإحضار ملابس داخلية للزوج وجوارب ومنشف ومعجون أسنان ومعجون حلاقة وشامبو. تقول نحن أهلكم ولا يمكنكم أن تشعروا بيننا بأي احتياج. نقطع لحمنا ونمنحكم. تصرفات كريمة تحدثها اللجنة النسائية المحتشمة، وهي تزور شقق الليبيين عارضة ما تيسر من خدمات.

في يوم آخر يحضرون حافلة ويأخذون كل أطفال الليبيين وأمهاتهم إلى منتزه به ألعاب أطفال، وبعد قضاء وقت ممتع يعيدونهم إلى الشقق. أحيانا يرنون جرس الشقة ويقدمون لك كيس بطاطس أكثر من 5 كيلو. الشقة امتلأت بقناني الزيت وبرطمانات الطماطم المعجون وعلب الجبن المالح والمربى وأكياس الأرز والمكرونة والسكر وعلب الحلوة المعجونة حتى يمكن للنازح أن يبيع من هذه المواد الغذائية الفائضة للدكاكين من أجل توفير سيولة يشتري بها بعض الكماليات التي يخجل أن يطلبها من أهالي مطروح الذين سيلبون طلبه ويحضرونها على الفور.

تريد أن تملأ رصيد هاتفك؟ صاحب محل الهاتف يمتنع عن تقاضي ثمن الرصيد. كي تدفع عليك أن لا تتكلم. عليك أن لا تفصح على أنك ليبي. صديقي مرض ابنه فجاءته سيارة وحملته إلى مستشفى مطروح العام، عولج مجانا، ثم منح الأب قائمة الدواء الذي عليه أن يشتريه له من الصيدلية، عضو اللجنة الذي حمله للمستشفى أخذ منه الروشيتا واشترى له الدواء وأعاده إلى الشقة بكل حب ورحابة صدر. وعندما أخذت زوجتي للعلاج في عيادة خاصة دفعنا 40 دينارا ثمن الكشف، لكن بعد أن عالجها الطبيب وكتب لها قسيمة الدواء وخرجنا من غرفته نادت الممرضة المختمرة زوجتي وأعادت لها الأربعين دينار.

أشياء جميلة ونبيلة حدثت في مطروح. امرأة ليبية جاءها المخاض فتم حملها إلى المستشفى لتولد بعملية قيصرية، وبعد العملية لقت الرعاية الشاملة من نسوة مطروح العفيفات، لم ينقصها شيء، قماميط وقطن وبودرة وبخور وحليب وماء غريب وألحفة للطفل، شوربة ساخنة باللحم الضاني، نقيع حلبة تمر عسل، زيت زيتون، فواكه، خضروات، مكسرات، حلويات، كعك غريبة مقروظ، لقد شعرت هذه المرأة وكأن أمها معها أو أختها أو كل أسرتها، لم تشعر بالغربة أو الحزن فالخدمات كانت تقدم لها من القلب ونسوة مطروح تتسابقن على خدمتها وقد يحدث شجار بينهن بسبب رغبتهم الجامحة في فعل الخير.

فتاتاة ليبيتان بيتهما تحطم من قصف كتائب القذافي وأسرتهما استشهدتا، حضرتا مع عائلة إلى مدينة مطروح، لم تمض أيام حتى تم خطبتهما وتزوجتا من شابين من مطروح، وأقيم لهما عرس بهيج زاخر بالزغاريد، عرس الكل أسهم فيه بالطعام والكساء والمأوى والفرح. أشياء جميلة وأفاعيل نبيلة تحدث كل يوم في مطروح، بل كل ساعة، بصراحة هناك كرم غير عادي وأخوة رائعة تجاوزت المتعارف عليه.

في يوم جمعة تمت دعوة العائلات الليبية إلى حضور حفل ترحيب نظمته لجان الإغاثة في مسجد الفتح والوقت بعد صلاة المغرب، جاءتنا حافلة نقلتنا إلى مكان الاحتفال المنظم تحت شعار "من أجل شد أواصر المحبة والود مع أشقائنا الليبيين". كان هناك في المسجد مكان مخصص للنساء والأطفال ومكان للرجال. وبعد صلاة المغرب بدأ الحفل وألقيت الكلمات المناصرة لثورة الشباب في ليبيا من قبل شيخ جليل اسمه "فرج العبد" حيث دعا إلى نصرة إخواننا الليبيين ومتحدثا عن الظروف التي يعاني منها طيلة 42 سنة بسبب حكم القذافي القمعي وما يرتكبه من جرائم يومية في حق الشعب الليبي والدين. بعدها التقى الحضور بالشيخ الشاعر البدوي الكبير عبدالكريم بوجديدة الذي ألقى عدة قصائد شعبية باللهجة البدوية وهي لهجة ليبية مفهومة تتحدث عن كفاح الشعب الليبي ومدينة نظام القذافي ومنادية بشد أواصر الأخوة والصداقة بين الأشقاء في ليبيا ومصر، وقد اكتست قصائده الجميلة بنفحة من السخرية البليغة التي جعلت الجمهور في المسجد يبتسم بين الحين والآخر. وحان موعد صلاة العشاء. وصلى الجميع صلاة العشاء ودعوا جميعا إلى نصرة الشعب الليبي في ثورته. أدعو لإخوانكم في ليبيا. ويرتفع الدعاء صافيا شفافا مضيئا للروح باعثا فيها الاطمئنان والسكينة.

وبعد صلاة العشاء تواصلت القصائد وتواصل الحفل ووزعت المرطبات والحلويات، ولقد كان المسجد المتكون من عدة طوابق مكتظا بالمناصرين وبالليبيين وبالمصلين، وفي نهاية الحفل عادت الحافلات بالعائلات الليبية إلى شققها معززة مكرمة، وقد ارتفعت معنوياتها عاليا، وشعرت أنها لم تغادر وطنها المناضل من أجل الحرية. فأهل مطروح، ما خلوا ليبيا مجروحا.

والآن عندما نقول إن مصر هي امتداد لليبيا لا نخطئ. وعندما نقول إن مصر وليبيا شعب واحد لا نخطئ. ونتوقع بعد هزيمة القذافي وقيام دولة الثورة الجديدة أن تكون هناك وحدة حقيقية بين الشعبين الليبي والمصري. وحدة قلب قبل أن تكون وحدة سياسة. وحدة لا تجارة ولا أغراض سياسية فيها. وحدة ثوار. وحدة بين ميدان التحرير في كل مدن مصر وميدان التحرير في كل مدن ليبيا.

شكرا مطروح .. شكرا مصر العظيمة.

محمد الأصفر ـ روائي ليبي
mohmadalasfar@yahoo.com
_________________________

مدوّنتي : http://moyellow1.blogspot.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home