Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed al-Asfar
الكاتب الليبي محمد الأصفر


محمد الأصفر

Saturday, 23 September, 2006

قصة

ياناس ئِـريدوا غـير نفس ... ئِـروقـوا كيف الناس وبسْ

محمد الأصفر

الشروق الزعفراني الذي يبدأ تاريخي ما عاد يروق لي .. والغروب القرنفلي لا يصلح أن يكون بداية .. والنهاية غارق فيها .. تعودت على تنفسها .. رئتاي سعيدتان بأكسجين المنتهى .. وزفيري بالنسبة للفضاء نسيم نجدة .
أذرع الشوارع بقدمين تعودتا على نـُـغَـص الحُفر والأخاديد .. وبرأس إنس ينظر أمامه وحسب .. أجلس في مقهى لبدة ببنغازي .. مقهى صغير يطل على شارع جمال عبدالناصر مقابل لمصلحة الحرس البلدي .. يرتاده مدمنو قهوة المكياطة وطلبة اللغات والحاسوب وبعض الوافدين من المغرب العربي .. أتابع الأخبارالساخنة والباردة والمكرورة .. أو أي شيء معروض في التلفاز أو مسموع من المذياع .. أرتشف القهوة تلو الأخرى راحلا على براق خيالي أصطاد ما استعصى من كلمات .. أغويها لإرتكاب رذيلة الوسم .. الورق كثير .. الأقلام متوفرة برخص التراب .. الندرة الوحيدة أراها في القُرّاء .. القراء كلمات تعيسة تمشي على الارض .. تنشد النجاة من مأزقها الرهيب .. تبدأ يومها بشروق برئ وتنهيه بغروب وقح .. يسكبها في ليل بهيم يجثم على أنفاسها كحاكم مغلوب على امره عليه أن يبقى كي يعيش .
اجلس متأملا سحب الدخان باحثا فيها عن كليمنتي العزيز .. الشخصية التي أحببتها من خلال شعرها الليبي الجميل .. زوجته سارة أينها الآن .. ابنه موسى أينه الآن .. أنا أينني الآن .. الآن جالس في المسرح الشعبي ببنغازي أشاهد مسرحيتي .. الذى أريده كتبته على الورق ودفعت به الى المخرج وحفظه الممثلون عن ظهر قلب .. الفصل الأول سارعلى ما يرام .. و كما أريد .. بل أفضل مما أريد .. في الفصل الثاني بدأت (المنيكة) و الخروج عن النص .. من مثل فصلا صار بطلا .. الممثلون تمردوا على كلماتى .. ما يلفظونه غير ما كتبت .. بدأت أنتف شعري وانبههم بالإشارة .. لكن دونما جدوى والمخرج خلف الستارة لا أراه .. الممثلون مستغرقون في خروجهم والجمهور استحسن ذلك إلا أنا .. وقفت صارخا لاعنا الممثلين والمخرج وإدارة المسرح وحتى الجمهور وسلكت كل الانظار طريقها إلي .. سعدت بذلك فقد سرقت الأضوء .. الإضاءة الدائرية ركزت عليَّ وانا انتقل بين الكراسي اقفز ناحية الخشبة ثم اتراجع واعود .. ظنونى من ضمن الممثلين الذين يحطمون الحائط الرابع .. انا حطمت صمتى حطمت رضاي المستكين .. صرت أنط واصرخ واقول ليس هذا ما كتبت وبما أننى شخصية عامة و نجم شعبي فى الوسط الفنى والأدبي فقد احتار الجمهور من فعلتي تلك .. لكن استحليت هذا الامر وهبط على مَـلَـكَـتي الهام لذيذ لم يمر على الرقابة والآن لن يمنعنى كائن من كان .. الممثلون صمتوا والمخرج في الغرفة يعبث مع الممثلة الماجنة التى سيأتى دورها في آخر الفصل الثالث ومدير المسرح في مكتبه يحسب نقود الشباك ويختلس على راحته .. الجمهور الآن في حوزتى وقد سوّلت لي نفسي أن اقوده .. أن اخرج نصي بنفسي .. اشرت للممثلين بالركوع والصمت .. أنا البطل الوحيد .. اتحاور مع الجمهور .. أقلب بصري في وجوههم على مهل .. وجدت فتاة جميلة نص ونص .. وشوشت لها في أذنها أحبك فصفقت رهافة الجمهور وابتسمت الفتاة .. بل أوقفها هدير التصفيق المتواصل فقبّلت جبهتي واظلم فنى الإضاءة الصالة تواطئا معي فقبلتها قبلة ظلامية طويلة وعندما انتشينا .. أضاء الركح من جديد .. آنذاك كنت مبتعدا أهدهد طفلا صغيرا تناولته من ربَّة بيت رشاها زوجها بدعوة حضور المسرحية لتريحه من كلمة تأخرت وأين كنت .. الطفل يبكى وانا ارقـّـصه وكانت في جيبي صافرة صغيرة صفرت بها مريرات فسكت .. اعطيتها له ومثلت دور طبيب فقلت لأمه الطفل عنده حرارة اكيد تتركونه طيلة الليل دون غطاء وأنتما تتغطيان جيدا ببطاطين النمر لكن الطفل تغطونه ببطانية ارنب ليكبر على الخوف ولا يرى في النور .. اللى خاف اسْـلمْ وانتما شجاعان تتغطيان ببطانية نمر وضحك الزوج وصفق لي واعطانى كرت عنوانه قائلا :" انكنت اتريد خدمة من شركة الاسمنت فأنا الأسمنت بروحه .. بالعربي انا مدير المبيعات .. بوها وكيّالها " .. حاول الممثلون الوقوف فشخطت فيهم بصرخة " كما كنت " .. وأردفت بخفوت لن انساكم يا اعزائي .. من بيته يقطر سددت له ثقوب السقف ومن يريد بناء بيت فالإسمنت موجود ومن يريد تجهيز قبر فالإسمنت موجود ومدير المبيعات صديقي لقد وعدني وها هو كرته وهاهي زوجته شاهدة وها هو طفله الصغير كان يبكي فأسكته بالصافرة .. فقط ابقوا راكعين أيها الممثلين الاعزاء العرض قد يطول ففي رأسي الهام طويل سأجرى الى مؤخرة المسرح حيث لا عائلات .. شباب طوال يدخنون وجريت القهقري ووجدت في آخر كرسي شاب طويل طلبت منه سيجارة فقال لي التبغ مهلكة ونحن نريدك فبيت أمى مثقوب واحتاج الى حفنة اسمنت اغلق بها ثقوبه قبل حلول الشتاء لذلك لابد ان أحافظ على صحتك فانت امر حيوي بالنسبة لي .. وجدت بعده بعدة كراسي شيخ كبير طلبت منه سيجارة فاعطانى مقبص نفة وضعتها في انفي وصرت اعطس اعطس بتواصل والاضاءة تضيء وتنطفيء مع عطساتي وعندما انهيت نوبة عطسي طلبت من العجوز ان أساعده فقال لي انا وحيد .. عجوزتي توفيت وابنائي تنكروا لي و تركونى الى شؤونهم واحتاج الى من يؤنسنى والحقيقة أنّ أم بطلة المسرحية المرتدية رداء ليبي مزركش اعجبتنى .. تخيلتها وهى تعد لي الشاي بعد الغداء وتقول لي تفضل ياسي الحاج وضحك الجمهور وربتُّ على كتفه أعِـده بتدبّر أمره وأين ستجد انسانا طيبا مثلك اقصى أمانيه طاسة شاي بعد الغداء .. لكن يا حاج تريد شاي كيس ام شاي براد ؟ قال لي الذي تجيده .. فقط أريده بدون تمثيل .
دخل مشاهدون جدد ووجدوا القاعة مظلمة فقدتهم الى مقاعدهم بعد أن أخذت منهم هوياتهم قلت لهم في نهاية العرض تأتون الى مكتب الأمن المسرحي فأسألكم بعض الاسئلة ومن ثم أعيد لكم أوراقكم وضحك الجمهور كثيرا .. أحد الجمهور كان في الصف الامامي لم يضحك فتوجهت إليه وطلبت منه هويته وسألته لماذا لم تضحك ألا تعلم أننى هنا فى هذا المسرح الكل في الكل .. أنا هو مؤلف النص .. والمخرج الجبان لايجرؤ على الخروج من الغرفة ليعارضنى هو يعرفنى جيدا وأنا أعرف تاريخه فى السلب والقرصنة على المسرحيات العالمية ومسرحيات الكتّاب الصغار وربما لو خرج الآن لفضحته أمام الجمهور فالجمهور الآن في قبضتى وإذا لم تعط بطاقتك لهذا الرجل ـ واشرت إلى شاب مفتول العضلات ـ فسوف أولـّـب عليك هؤلاء الرعاع فينـتـزعونها عنوة .. ساقول لهم إنه بصاص مزروع بينكم والافضل أن تعطينى بطاقتك ولم انتظر .. اشرت الى المفتول فقفز عليه ونتش هويته من جيبه ونتيجة القفزة المفاجئة سقط أرضا من على الكرسي وتدحرج على البلاط جسم معدنى اختفى تحت الكراسي عرفت اين اختفى فزحفت ناحيته .. حيه على امه .. إنه مسدس رفعته الى أعلى وقفزت الى الركح أشهره ناحيته طلبت منه بحزم صعود الركح فصعد مرتجفا رافعا يديه وخلفه الشاب الذي يساعدنى قلت له اركع مع الراكعين وبعد ذلك عدلت عن أمرى له بالركوع فقلت له انبطح وطلبت من الراكعين حراسته وهم في وضع القرفصاء .. توجهت للجمهور قائلا آه ما رأيكم فصفقوا جميعا والطفل الصغير توقف عن البكاء وصار يصفر بالصافرة نزلت الى اسفل اتجوّل بين الكراسي طلبت جرعة ماء فأعطانى شاب من الصفوف الخلفية زجاجة رشفت منها إنه خمر محلي " قرابا " لا بأس حتى يرتفع معدل الالهام والآن أنا الملك وفي يدى مسدس والجمهور حتى بدون مسدس يستلطفنى ومهيأ لأن يفعل أي شيء من أجلي قلت لهم أريد أن اتزوج .. من تقبلني زوجا لها .. لا أريد السكن في شقة .. سأفرغ سطر كراسي لأجعله سرير نوم والليل قادم والنهار في يدي والزغاريد في حناجركم والتصفيقات في أيديكم والخمر ها هو والشيخ الذي سيقرأ الفاتحة ها هو شيخ النفة والجود من الموجود .. وقفت فتاة من الصف الثانى كانت صامتة خجولة فبادرتها بكلمة موافق وكان خطيبها في جنبها حاول أنْ يعترض إلا أنها صرخت فيه لقد انتظرتك كثيرا .. خمس سنوات وكل خميس انقولوا الآخر .. كل يوم تقول لي غدا وهذا البطل أعجبنى .. سلب لبي .. أعرف أنه سيتزوجنى الآن ولا يقول لي غدا .. أخاف الغد .. ربما لا تشرق الشمس .. ربما أموت وياكل الدود بكارتي .. أريد طفلا أناغيه .. كذلك الطفل الذي يصفر .. أريد أن أعيش حياتى صحبة انسان أنام جنبه .. يأخذنى الى المسرح والبحر والغابة والسوق .. اطبخ له الغداء وأعد له القهوة والشاي والكوبنتشينوا أيضا .. اخذت الفتاة من يدها وضعتها في كرسي آمن بعيدا عن الاوباش ورجعت لخطيبها همست فى أذنه لا تزعل يا صديقي .. الحكاية كلها تمثيل في تمثيل .. ستعود اليك فتاتك .. ستعود إليك بعقلية جديدة .. ستعود اليك امراة لن تعيدها بعد العرض إلى الشارع الذي خلف بيت ابيها لأنه لن يقبلها .. ستلبس الليلة أيها الغبي ! .. من قال لك أدخل مدينتى .. كلكم ملك يمينى .. حتى الرجال سأتزوج منكم بعقود عرفية .. لأن بينهم من يستحق التبعبيص وفرّغت عيارا ناريا فى السقف فصمت وتسمر فى كرسيه ماسكا تكّة سرواله بكل قوته .. ذهبت للفتاة قلت لها لقد تخلى عنك .. أرهبته طلقة مسدس بينما انا لا ترعبني طلقة ضرطة اربجي شفشوية .. استرحتى منه .. هذا ليس رجلا .. لو كان رجلا ما ماطلك خمس سنوات .. خليك معاي بس .. ستنبسطين .. من تتزوج البطل تكون بطلة .. ودقي يا مزيكا .. لم تدق الموسيقي فاشرت الى فنى الصوت أن يشغل الموسيقى على هواه على مسئوليتى قال لي ليست مدروجة موسيقى الآن عبر هذا الحوار ولا يوجد لديه اشرطة مسجلة وما الحل ؟ طلبت إلى الجمهور أن يغني :
"" الليلة الليلة الليلة .. سهرتنا حلوة الليلة ""
كل الجمهور يغنى وانا ارقص مع الفتاة بين الجمهور وخطيبها متسمر وعندما رأيت دموعه تتساقط بغزارة تيقنت أنه يحبها فعلا فتوجهنا ناحيته واوقفته مطمئنا إياه وطلبت منه أنْ يرقص معها وانا اتفرج عليه .. رقص المسكين وصارا يضحكان والجمهور يصفق وسعيد ومبسوط وفي النهاية عادا الى مكانهما متشابكي الأيدي .. قلت له بإمكانك أن تغادر إن لم يعجبك العرض لكنه فضل البقاء قائلا لي أريد أن اعرف المصائر وخاصة مصير صاحب المسدس .
في منتصف الصالة جذبتنى من ساعدي فتاة ترتدى جلبابا اسود .. همست في أذنى انا لست مخطوبة ربما انديروا أفـّاري .. مقالبة .. ( نتفق ) .. قلت لها أوكي .. لكن تمثيل في تمثيل .. أنا لا أتحدث جديّـا أبدا .. قالت حتى تمثيل راضية .. نجّيلي تمثيل هالغزيّل .. قلت لها أخاف ان يتحول التمثيل الى حقيقة مثلما كتابتى لهذه المسرحية التي تحولت الى حقيقة وأنا من يقوم ببطولتها .. دعينا من هذه المواضيع .. فالجمهور ملّ من حكايات الرومانسية .. يريد واقعية قذرة تمس حياته مباشرة .. إن اردتِ أنْ تمثلي معي فقفي ربما أجد لك دورا مناسبا .. دعينا الآن نتجول بين الكراسي .. نفتش عن شيء ما .. عن إحساس ضائع او مختفٍ .. نبحث عن ذواتنا القلقة .. نهديها نفحة وجدانية او ابتسامة عذبة أو نور قمر أمتصه فأشبع .. ها آنذا عدت للرومانسية .. انت فتاة غاوية اوقعتينى في شركك .. لكن لا بأس .. لن يخسر اى رجل في علاقته مع فتاة .. فالمراة دائما عناق فداء .. لكن لن افوز عليك .. لو فعلتها سافقد جمهوري المحبوب هذا .. سافقد هؤلاء الطيبين الذين اداروا ابصارهم عن عرض المسرح المصطنع ووجهوا مداركهم نحوى .. انا البطل الحقيقي خالق هذه المناغاة .. مبدع هذه الأرواح .. مبدع هذه العلاقة التى تقوم الآن بيننا .. ما اسمك أيتها الفاتنة الفتّانة .. لا يهم اسمك من أنت .. انت حمامة نست جناحيها فى البيت.. جئتِ الى هذه القاعة بمعية أخيك .. أخوك الآن غير موجود .. تركك فى المسرح وذهب يبحث عن أشيائه الخاصة .. سيعود عند نهاية العرض .. ستجدين سيارته أمام المسرح .. تركبين معه ليعيدك الى البيت .. وهناك ستنتظرين متى آتى لخطبتك .. ويطول الانتظار وانساك وتنسينى ويدخل على الخط أناس جدد " و انساهم اللى نسيوك واشقى بكبر نيران غيرهم " .
والآن نريد أن نـُكْبٍر النار فى هذه القاعة .. أمامك هؤلاء الجمهور الذي يحبنا .. سيشهد الجميع على زواجنا .. سيسعدوننا .. سيبنون معنا سعادتنا طوبة طوبة .. لكن لن أتزوّجك حتى تحلمين معي .. تعالي الآن .. وأطفأ فني الإضاءة النور .. وتعانقنا بمحبة إنسانية .. وحلمنا معا بأن تكون بعوضة .. وكانت فعلا .. وقررت أن أكون مثلها .. وبدأت تترآى لي وهي جالسة في المحراب ترفع كل أطرافها إلي الله ، تطلب أن يحوّل أحدنا إلي جنس الآخر وجدتها خائفة مترددة في العودة إلي أنثى إنسان لا أدري لماذا ؟ هل تخاف من الختان المستمر ؟ أم من الوأد فور اكتشاف الأنوثة ؟ وفرت عليها المجهود وقلت لها إطمئني لقد أزحت عنك قلقك الثقيل ، فضحيت أنا ( بآدميتي ) وأجريت العملية المؤلمة ، أحسست بأنني أصغر وأصغر وأصغر حتى وجدت نفسي واقفاً قرب حبّة رمان طازجة ، تلمست جسمي ، شعرت بالغربة ، أين سروالي وسترتي وملابسي الداخلية وساعتي وخاتمي وسلسلتي ؟ وبعد أن زال المخدر ، وأستعدت وعيي تذكرت تغيّري إلي جنس البعوض بمحض إرادتي ولكن كنت حزيناً من البشر لأنهم سينشونني .. وأنت سيضربون بضعف جناحيك الأمثال ، قبل حقني بالمخدر كانوا قد أخذوا مني كل مقتنياتي .. البطاقة الشخصية ، جواز السفر ، رخصة القيادة ، كتيب العائلة ، تذكرة الحافلة .. قالوا لي هذه ليست من حقك يا بعوض .. وودعوني ببسمة فائحة بالزيف فهمت منها أنهم ينعتونني بفاقد للرجولة ..
لم أعبأ .. طرت في سعادة ، ما أجمل الطيران ، أول مرة أشعر أن للطيران لذة ، متعة الطيران لا يشعر بها الإنسان أبداً ، هناك فرق كبير بين أقدام تدوس وأجنحة تحلق ! حتى وإن طار الإنسان فلا يطير إنما يطيّر بواسطة ويكون طيرانه محفوفاً بالأخطار .. آه بعوضتي تحليقي في السماء جميل ، لم أربط الأحزمة ولم أخف ، أصبحت واحداً منكن أيتها المخلوقات الطائرة ، كنت منساباً في فاصل من الرقص تدغدغني نسائم الهواء ، آه مستحيل وفوق المستحيل أن أعود إلي أصلي الخاطي على التراب … عندما شبعت تحليقاً اقتربت منك ، عانقتك ، قبلتك ، رقصنا معاً ، شاركتنا الفراشات الرقيقة ، كنا متهافتين ومستعجلين ومشبوقين أيضاً على إتمام مراسم الزواج ..
زوّجنا ( عقد قراننا ) صرصور طائر ، وشهدت على الزواج إناث العناكب ! وفرقة الرقص من نحل البراري ، وامتطينا خفاشاً مصطولا تجول بنا كثيراً عبر الحدائق والبساتين ، ولم ينس أن يمر بنا على صيدلية المعرّي لشراء حبوب منع الحمل ، بعدها أنزلنا بهدوء على سريرنا الآمن قرب نافذة مفتوحة تجنباً لأي مبيد شفشي ضار ..
في الصباح وبعد ليلة الدخلة القارصة والماصة والهارشة والخابشة ، ليلة العزاء السعيد ! وبعد أن استنفدت فيها كل ما لديك من دماء مدخرة وبعد أن سكبت فيك كل ما امتصصت من صدمات وهموم ، إذ بك تفاجئينني وتنكدين علىّ فرحتي وتحولي ومسخي ، اتهمتني بتهمة قد تقوض وتزعزع أسس الثقة التى بيننا ، صرخت في وجهي بعد شبعك طبعاً .. أنني لا بكارة لدي ، قلت لك أنني فقدتها منذ زمن ، وإن كان هذا الأمر يؤثر على علاقة زواجنا (فما زلنا قريب) ولنحضر الصرصور بعد أن ينعنش وإناث العناكب ونُصفّي الموضوع ودياً وكل منا يعود ادراجه الهابطة فى الشقاء ..
الحقيقة يا بعوضتي كنتِ بنت أصل ، فهمت الموضوع واحتويت مشاعري هامسة في أذني : أنا لا أقصد ياحبيبي.. ثم غمرتني بقبلة بعوضية.. مزيج من الإمتصاص والقرص والعض، كنت أعرف أن هذه القبلة تستخدمها الإناث في أوقات الطوارئ ، فنسيت المشكلة ، ورميت من عقلي كل العقد والسلاسل والأقفال ، رميت بها بعيداً في قمامة لا يرتادها البعوض شعرت بالراحة فما عادت في عقلي الآن أي رواسب جاهلية ، والخوف فضت بكارته أنوار التفاهم .. طرنا مع بعض ، أيدينا متشابكة ، قلوبنا متعانقة ، كأننا طفلان نتراقص في غفلة من زمان الوجود .. تذكرت أطفال (فيروز) الذين دارت بهم الدار ، طرنا عبر العلو وبدأنا رحلة الوخز والقرص والامتصاص ، كنت سعيداً جداً و(آخر فل وتمام) لأنني أقرص الناس وأنا بعوض ولم أقرصهم وأنا إنسان .. كنت أختار الضحية ، أنظر إليه من جميع الجوانب ، أبحث عن أكثر عضو فيه غروراً لأقرصه ، كنت أقرص داخل الأنف وأمتص نقطة دم طازجة ! كنت أنتزع بعناية نقط الدم دون أن يلوثها المخاط ، وعندما أقرص دائماً أهرب في الوقت المناسب لأجعل أصابعه تذهب في (الفشوش) بعدها أضحك ملء أوداجي ، تمتعت كثيراً وإستلذذت أكثر بلعناتهم واتهاماتهم لحماية البيئة بعدم رش الشوارع بالمبيدات ، كنت أسمعهم يتحدثون عن الملاريا والكوليرا والسل وانفلونزا الطيور ويحمّلون الحشرات المسئولية ، وأصرخ فيهم بمزيد من القرص أننا معاشر الحشرات بدأنا نخاف أن نصاب بسبب دمائكم القوّادة الملوثة بالسيدا والحسد والضغينة والشيء الجديد المستفحل الآن ، لا أستطيع أن أصفه لكم يا أصلي السابق ، إنه مثل تمسح القطط على العتبات ولكن تمسح القطط ناعم ودافئ وشريف بينما تمسحكم خشن وبليد وقذر إلي حد الوقاحة ، حتى نحن سنكوّن جهاز حماية بيئة من أجل رشكم بسماد الصدق ، هل تصدقون أنني أصبحت أبحث في تاريخ الضحية التى سأقرصها حتى لا أصاب .. !! حياتي البعوضية جميلة ورائعة وراض عنها تمام الرضى لدرجة تمنيت أن يحشرني الله بعوضة ، سأتحمل إثم كل القرصات ، ولكن هناك وسوسات تأتيني بين الحين والآخر ، عندما كان النحل يرقص في زفافنا قلت لنفسي : لماذا لا أتزوج نحلة حتى تكون حياتي كلها عسل في عسل ؟ ولكنني تذكرت حيوان البغل المهجّن من الحصان والحمار ، خفت من هذا اللقب فتراجعت .. آسف بعوضتي أعرف أنك غيور ولكنني أخذت منك الآمان ضمنيا في بداية سردي لهذه الملسوعات ..
بدأت حياتي الجديدة أقرص بشراسة ، والذي يكثر رغاؤه أختار له الأوقات الحميمية جداً لأقرصه في موضع لا يتوقعه ولا تصل إليه أصابعه أبداً . أحدهم كان يحمل في يده قنينة مبيد ، والأخرى (نشاشة) سعف ، وكان بيته مقفلاً من جميع الجهات ويضع على نوافذه القماش الشفاف ، فكرت أن أدخل إلي حصنه وهو الذي يتحدى كل البعوض ، قلت لا بد من قرصه ولو ضحيت بحياتي البعوضية هذه ، اختبأت له في مكان آمن لا يفتحه أبداً أبداً ، أين اختفيت خمنوا ؟ لقد تقرفصت له في محفظة نقوده التى لا باب لها ولا نافذة أيضاً ، وبعد أن نام وبدأ شخيره يضج كصرير باب صدئ ، تسللت من المحفظة على رؤوس أصابعي وقرصته بكل قوتي الآدمية ، قفز عالياً كالممسوس و هرع إلي قنينة المبيد ضخ رشة قصيرة ثم نشها بالنشاشة لتتوزع في أرجاء الغرفة ، بينما كنت في تلك الأثناء أعود في إسترخاء إلي المحفظة السجن ، خرجت في الصباح .. عندما كان في المخبز يهم بإخراج ربع الدينار بيد مرتعشة لسداد ثمن أرغفة الخبز ، في المخبز كان الجو حاراً ، فطرت عالياً لتقذفني المروحة الطاردة إلي الهواء الطلق .
لم أضرب بأجنحتي كثيراً سرعان ما وجدتك تعظين الذباب بعدم الوقوف على وجوه الأطفال وتوبخين نحلة شارحة لها عدم جدوى امتصاص أزهار صفراء لم تنضج بعد . خفت أن يطول شرحك ووعظك ونحن في شهر العسل وحويصلاتي ممتلئة إلي"الجمام" ، فأخذتك من يدك وعانقتك وقبلتك أمام الذباب والنحل والناس ، كان عقلي يفكر بوساوس ما بعد الشبع ، كنت أفكر كيف أتخلص منك ؟ وكيف إن تخلصت منك سأفقد بعوضيتي فأنا لا أستطيع العيش دون قرص، ولا أحتمل أن أعود إنساناً مرة أخرى، لا أريد أقداماً أشتري لها جوارب وأحذية ولا جسداً أستره بالكتان ، أريد أن أكون هكذا ، يكسوني ربي بأعضاء دقيقة لا أخجل منها وجناحين يرفعاني إلي السماء .. آه أحبك يا بعوضتي .. آسف لهذه الوساوس ، جسدي بعوضي ولكن نفسي مازال فيها شيء من آدم .
فكرت أيضاً أن أقرص النساء والفتيات ولكن تراجعت .. أعرف أن العفيفات منهن دمهن لذيد وطاهر ولكن قلت قرصات الحياة لهن تجعل قرصاتي غير ذات معنى .. حلم طويل .. (أطول من ليلة بلا عشاء ) سأكمل لك الباقي عندما نصل إلي المستنقع الآسن ، الذي سنقضي فيه شهر العسل ، سنركب على ورقة توت يابسة تطفو بنا وبجانبنا الطحالب الخضراء ، ستحملنا الرياح الهادئة نحو العمق .. حيث السكينة والهدوء والحب الذي ننشده جميعنا ويؤرّقنا .
والآن مرة أخرى نريد أن نـُكْبٍر نار الغلاء فى هذه القاعة بصورة واقعية .. أمامك هؤلاء الجمهور الذي يحبنا .. سيشهد الجميع على زواجنا .. سيسعدوننا .. سيبنون معنا سعادتنا طوبة طوبة .. سيتبرعون لنا بالمال والحلي .. وهل اطفال الحجارة افضل منا فى الرجم .. ارجموا صاحب المسدس بكنادركم وامتلأ الركح بالأحذية اللامعة والمتسخة والممزقة .. نسائية رجالية شبابية .. وكان ذلك التعيس صاحب المسدس قد شَجّت رأسه فردة كندرة طويلة العنق يابسة البوز جاءته من حيث لا يدرى .. وضع أحد الراكعين قبعته على الجرح الى حين استدعاء الاسعاف . . الجمهور الان صار حفيانا .. لن يغادر المسرح بتاتا .. طلبت من الراكعين ان يجمعوا كل الآحذية ويخلطونها في برميل صادف وجوده ضمن الديكور.. برميل نفط مكتوب عليه السعر بالدولار الأمريكي .. وعدت الى ذات الجلباب الاسود قلت لها اخلعي هذا الجلباب واطفأ فنى الإضاءة النور وخلعت جلبابها وعندما اضاءه كانت ترتدي فستانا موردا وعندما قلت لها أمام النساء الحاضرات هل انت مصابة بقشرة الرأس يا بعوضتي خلعت وشاحها سريعا ورمته وسقط شعرها مسترسلا جميلا على حواشي رقبتها وكتفيها والآن لابد أن ارقص معك كما في الحلم الماضي .. لا أحب زوجة لا تجيد الرقص .. لكنها المسكينة احمرّ وجهها وتألقت الوشمة الصغيرة التى بين حاجبيها ففهمت ما تريد .. هى لا تريد الرقص في هذا الواقع المسرحي .. تريد أن تحجّل وقلت للجمهور الذي معظمه من البدو المتمدينين هيا حوسوا فيها كشك وعوّا أحد الرجال كذئب وزغردت إحدى العجائز زغرودة نغيمة بينما الفتاة شرعت تحجّل وشتاوة صاح بها متحمّس أمسك بطرف عمامته يلويها في الهواء :
" يا ياس انريدوا غير نفس .. نروقوا كيف الناس وبس "..
وفجأة صمت الجميع .. لا أدرى ما حدث .. لكن وكأن التيار الكهربائي انقطع .. الجمهور يحملق في نقطة ما على الركح .. بالضبط في القماشة التي تغطى جدار الركح المقابل .. ركزت معهم .. ثمة شبه ماسورة طويلة ترفع القماشة ومن ثم ترتد الى الوراء .. قفزت الى الركح وفورما أمطتُ الستار مجددا جذبتها .. إنها عصاة مكنسة يعبث بها المخرج ليشرح للممثلة كيفية طعن الممثل المتقمص دور الرجل الشافط للمجاري عندما يحاول مغازلتها بسماجة .. جذبت المخرج الى داخل الركح وكان مستغربا لتصرفي وصار يلف حول برميل النفط ويخرج منه الاحذية ويعددها ويتعجب ويسأل ما الأمر في صمت فاشير اليه أن يسأل الجمهور وعندما صار مشدوها غمزت إلى اثنين من الممثلين مشيرا إلى حذائه فاوقعوه أرضا ونزعوا حذاءه وأيضا جوربه ورموهما في البرميل وطلبت منه أن ينزل مع الحفاة أو يركع مع الراكعين فاختار ان يهبط مع الحفاة وهو في قمة الاستغراب وعندما هبط سرعان ما تردد وصعد مجددا منبطحا على أرضية الركح وأعزت للفتاة أن تُحجّل من جديد و أحد الاشخاص اطلق شتاوة جديدة :
" بخت العـين رقد من جدّه .. دار فراش ودار مخدّة " ..
وبعد شوط طويل من التصفيق الملهب للأكف شتّيت لها :
" صبي يا سمح التهـميتا .. يكفينى فيك الـتـبهـيـتا .."
فتوقفت وخرجت من الحلقة .
وصفق الجميع وعادت الفتاة الى كرسيها ارتدت جلبابها .. بدت خفيفة وكأنها ازالت كل أحزان الدهر من فوق كاهلها .. توزع ابتساماتها للحضور واقترب منها شابان تركتها وشأنها معهما .. كانت سعيدة جدا وكنت سعيدا وانا ابتسم لمرح هذا الصنف من النساء .. ابتعدت فرحا فقد رأيت فى الصفوف الآمامية طفلة صغيرة تشير لي بالحضور .. كانت في حضن أمها فاقتربت منها وتناولتها بين ذراعي وضعتها على مقدمة الركح فجرت الى ناحية البرميل تتلاحق فوهته لا ادرى ماذا تريد لحقتها و وضعتها داخل البرميل ثم رفعتها وفي يدها حذاء صغير هو حذاؤها انتعلته وجرت على الركح تلف حول الراكعين والمنبطحين .. اخذت قبعة صاحب المسدس ورمتها إلى داخل البرميل ثم اعادت حذاءها إلى البرميل وقفزت الى اسفل الركح تجرى ناحية والديها وهي تقهقه لا ادرى ما حكاية هذه الطفلة ولا الهدف من وراء فعلتها لكن كان الجمهور يستحسن فعلتها ويصفق .. اذن الطفلة على حق .. شعرت أننى دائخ جدا .. ترنحت وكدت اسقط .. سألت هل من طبيب بين الحضور ؟ لا أحد أجاب .. الحاج العجوز الذى اخذت منه النفة قال لى انعزّمْلك فأنا فقيه متقاعد .. فرفضت .. ازداد دوخانى .. جريت ناحية الفتاة اتأمل عينيها لتظل صورتها تؤنسنى فى غيبوبتى .. وأنا اكاد اسقط نزلت الطفلة من حضن أمها .. خلعت لى حذائي .. صعدت به الركح وعندما رمته فى البرميل بدأ وعيي ينتعش وحالتى تستقر وتركيزى يعود وأصرخ لحفاي المزمن .
غمرنى احساس غريب لم أجربه من قبل قط .. حتى في رحلتي البعوضية .. لم أشعر الآن وسط هذا الحشد أننى مؤلف .. اشعر أننى شيء عادى لا أساوى جناح بعوضة ويا ليتني أساويه فهو يطير على الأقل ..


محمد الأصفر
mohmadalasfar@yahoo.com
ليبيا


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home