Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed al-Asfar
الكاتب الليبي محمد الأصفر


محمد الأصفر

Wednesday, 21 February, 2007

فصل من رواية " لوّاي المشماشة "

محمد الأصفر

بعد نهار قائظ بدأت نسمات بحرية تنساب متبعثرة في الجو حاملة معها عبق الياسمين ونوّار العشية .. الناس خرجت من بيوتها واكواخها الواطئة وجلست على المصطبات الحجرية والطينية تشرب الشاي وتثرثر وتتتبّغ وتلعب السيزة والورق .. عرائش العنب أوراقها تهتز بفعل هذا النسيم البحري .. بواكير عناقيدها الخضراء تتراقص متماسكة في أغصانها .

البيوت الطينية الواطئة وأكواخ الصفيح متلاصقة تنشد التماسك .. الزينقو يأنس للخشب والمسامير .. الطين يأنس للجير المُبيّض به .. الأنس يجلب الكثير من الطمأنينة والتماسك والحب .. لا فرق في ذلك بين حي وجماد .. بين جماد وحي .. ربما يكون الجماد حي لا ندركه .. وربما يكون الحي جماد لا يدرك الجماد حياته .. نحن نحطم الجماد والجماد يحطمنا .. والجماد يكتبنا كما نكتبه نحن الآن .. النسيم البحري قتل قيظ النهار في القلوب جاعلا حروفها وألحانها وأغانيها وابتساماتها تنتشي وتنبض .

النسمات تجرف القيظ من شارع البحر وترمي به في جوف وادي الشواعر الجاف .. كلمات امتنان وشكر تسمع من ألسنة حكيمة ومخيلات رصينة .. هذه رحمة ربك .. إن بعد العسر يسر .. أيادي ترتفع بالدعاء متوجهة جنوبا حيث تتموضع مقبرة الصحابة بأضرحة قادتها الثلاثة .. البلوي .. الفارسي .. ابن عبد البر .. ( رضوان الله عليهم ) .

بينما كانت الشمس تغوص في البحر رويدا رويدا وارتفاع أذان المغرب من مآذن المساجد والمنارات القريبة على وشك .. ضجّت في الشارع أصوات شجار وسباب متهتك بذئ .. كل الجالسين على المصطبات وقفوا .. والماشون في الشارع التفتوا إلى مصدر الضجيج .. الكل مستعد للفرجة أو التدخل لفك الاشتباك وردم نار الفتنة بتراب الماء .. الشجار كالعادة في كل عام قادم من بيتين صغيرين متلاصقين يفصلهما سور واطئ لا يتجاوز ارتفاعه مترين .. البيت الأول يخص عائلة الحطّاب بركة .. البيت الثاني خاصة عائلة الفحام بركات .. العائلتان تنحدران من الجنوب الليبي حيث جبال اكاكوس العريقة .. سبب الشجار السنوي هو شجرة مشمش مغروسة في بيت بركة .. مغروسة جنب السور الفاصل بين البيتين .. لكن هذه الشجرة نمت مائلة .. لا أحد يذكر من غرسها .. نبتت فجأة ذات فجر .. استيقظ بركات فجرا ليذهب إلى الغابة لتفقد المفحومة فوجد ساقا رهيفة تحمل وريقات تطل .. ابتسم لها واتضح اخضرارها فور بزوغ أول شعاع شمس .. وجدها مائلة فتركها مائلة على حالها .. خبرته في غرس و تقليم وتفحيم أشجار الغابة علمته تجنب لمس أي ساق بكر وإلا تلوثت وماتت أو نما الساق عقيما غير مثمر .. وإن كان ذكرا فلن ينفع لتلقيح أنثاه من الأشجار .

رعى بركات هذه الشجيرة فكان يقلمها بانتظام ويبعد من حولها الحشائش الطفيلية ويسمّدها بروث خراف وطنية سمينة ويسقيها بماء يجلبه من بئر الصحابة .. وكلما توغل الصيف في شهوره طارقا بوابة الخريف وبدأت أوراق المشماشة تسقط شعر بركات بالحزن .. وكلما هلّ الربيع وبدأت الأوراق الخضراء تعود للمشماشة شعر بركات بالفرح والسعادة والانبساط ..

لا يدري بركات من لقح له مشماشته .. الرياح .. ؟أم أنَّ أحد فُعّال الخير رماها بثمرة لقاح .. ؟ .

في ذاك الصيف لم يتجاوز ارتفاع المشماشة مترا .. لكنها أثمرت فجناها وأكل منها ووزع من ثمرها العسلي العطر على الجيران ووضع من ثمارها طبقا جنب محراب مسجد الصحابة ليفطر عليه الصائمون .

في العام الثاني ارتفعت المشماشة أكثر وتجاوزت السور بشبر .. وفي السنوات التي تلت تجاوزت السور المشترك مع جاره بركة وصارت معظم أغصانها المورقة المثمرة داخل بيت بركة .. تمنح بركة الظل والعبق العطري طوال العام .. وفي بداية الصيف الحر والريح يجعلان ثمار المشماشة تتساقط في بيت بركة والذي يعتبرها حلالا عليه ورزق منحه الله له مكافأة عن نيته النظيفة .

بركة الحطاب رجل عنيف .. علاقته ببركات سيئة .. دائما يشتري منه الفحم من أجل التدفئة ويماطله في الدفع .. يقول له انتظر الشتاء .. انتظر البرد .. انتظر حتى تشتري الناس حطبي كي أدفع لك .

كل عام يتشاجران بسبب ثمار هذه المشماشة المتمردة التي تمنح ثمارها لأرض بذرتها لا تنام فيها .. بركة يجمع الثمار المتساقطة في طبق سعف .. وبركات لا ينال من مشماشته سوى النزر اليسير .. وهو بالطبع بحكم العرف والدين وإجرام بركة لم يستطع أن يتجاوز السور المشترك ليدخل يده في حرمة البيت ويجمع مشماشه .. لقد هدده بركة أمام الحشد الجالس على مصطبة السرواحي قائلا له : إن تجاوزت يدك السور المشترك بيننا عليَّ الطلاق بالثلاثة نقطعها بفأس الحطب هذا وضرب بالفأس جذع زيتونة يابس فقسمه نصفين .. الأمر الآخر الذي جعل بركات لا يتجرأ ويدخل يده وراء السور ويجمع بها ثماره المهدورة هو زوجة بركة الجميلة .. فبركة زوجته خلاسية رشيقة .. بياضها غالب على سوادها .. وشعرها مزيج من الكرادة والنعومة .. وشفتاها .. العليا رقيقة والسفلى ممتلئة .. وأنفها فطسه قائم شامخ .. أما عيناها فسوداوان واسعتان .. أغلب الأحيان تـُرى ذابلتين محمرتين من النعاس والغنج .. هذا المزيج الخلقي جاء من زواج مختلط .. فأمها تنحدر من مدينة غات الجنوبية و أبوها من مدينة القيقب الشمالية .. الكل في الشارع يشيد بجمالها ويقولون أن بركة الحطاب محظوظ .. وربي عطاه على قصاد نيته .. وبركة بدوره يعجبه هذا الكلام لكنه يغار عليها غيرة عمياء .. ذات مرة صفع صديقا له في حانة الرقريقي بشارع الفنار فأغمى عليه .. صفعه لأنه تجرأ وسأله : زوجتك لمن من غير مصغرة ..؟ أي ما اسم قبيلتها ؟ كان هذا الصديق ثملا وأراد فقط أن يجد صلة قرابة ببركة .. فهو أبيض وبركة أسود والقرابة هنا بعيدة وغير متاحة عرقيا فسوّلت له نفسه أن يسأل عن قبيلة زوجة بركة .. هو يعلم أنها جميلة وقال في نفسه ربما لديها أخت أو بنت عم أتزوجها على زوجتي البدوية العنيفة .. وربما تكون الزوجة من قبيلته أو من قبيلة أخواله فيقول لبركة أنت صهري العظيم ويقدّم له (مالقي) بوزة على حسابه .. بركة لم تصله هذه التداعيات .. ما إن تلفظ هذا الرجل بزوجة بركة في الحانة حتى ثارت ثائرة بركة .. بصق في وجهه وصفعه بعنف فأغمى عليه ولم يستعد وعيه إلا بعد يومين .. كان بركات حاضرالموقف .. وهو من أسعف هذا الصديق .. وفشخ على أنفه خمس رؤوس بصل حويل من دون أن ينتعش أو يفيق قليلا .. نقل في عربة إلى المستشفى القريب من البحر وهناك عالجته السوريلا الروميّة الخبيرة بإغماءات السكارى والمشاجرات .. شممته غاز النشادر وألصقت على جبهته كمادات باردة .. غسلت له وجهه ورجليه وتركته ينام على فراش الفحص ساعات .. عندما أفاق قال أنا وين؟.. أنا من يا علم وايش ؟.. أنتم من ؟ وشن طوحني هنا ؟ .. نظر إلى وجهه في المرآة وتساءل كنّا خدي حمر كيف الطماطمة ؟ .. ابتسمت له السوريلا الروميّة وقالت له أنت هنا في مكان آمن وصحتك جيدة .. وناولته كأس نبيذ وكسرة خبز تنور فظنهما القربان المقدس الذي يتناوله النصارى في الكنيسة فقفز من على السرير إلى الأرض وصرخ : معاذ الله .. لا إله إلا الله .. محمد رسول الله .. وغادر المستشفى جريا بأقصى سرعة .. وجد نفسه في الشارع يركض بين الشاحنات والعربات والحمالين يدفع ما يلاقيه من بشر وحمير و جداء و يحطم ما يصادفه من جرار أو أصص .. يركض ويصرخ بالشهادتين .. ظهر للمارة وكأنه ممسوس أو مجنون .. عرفه بعض أقاربه فانقضوا عليه وكتفوه بحبل شيما ورموه في عربة كارو يجرها بغل هرم أوصلته إلى البيت .. كانت قصة الصفعة قد وصلت قبله إلى بيته وانتشرت في أرجاء المدينة كافة .. قالت له زوجته البدوية تستاهلها .. يا ريتا برك عليك وشممك التراب .. مازالت الطريحة اللى تو اتحصلها مني انا ومن خويا امراجع .. والله انعطبها على خشمك يا صايع يا سكار .. ياجباد صبايا الرجالة في الخمارات .. وقالت له أمه .. الله لا تسامحك كان مازلت حطيت الخمج في فمك .

هذا العام كان الرزق ضنين .. مع الجدب والحرب ونهب الحكومة لموارد الشعب ساءت الحال .. صار المواطن عاجزا عن تحصيل قوت يومه .. الأطفال يصرخون من الجوع والمرض .. ورب البيت يتذمر ويصير عصبيا . . و ربات البيوت يهملن أنفسهن و يقضين كامل اليوم بحثا عن شيء ينفع للأكل .. والحكومة تشتد شراستها وتحكم قبضتها على الشعب الجائع تحاشيا لأية ثورة أو انتفاضة مفاجئة .

وعندما يفتك ناب الجوع بالبلاد .. أول شيء ينتشر ويستشري هو الدعارة وبالطبع الخمر والحشيش .. معظم الناس صارت تشرب الخمر لتنسى واقعها المتردي .. وكثير من النساء والفتيات منحن انفسهن مقابل سد الرمق أو قليل من القمح .. في هذا الصيف كان بركات في أشد حالاته سوء.. الدكان الذي يبيع فيه الفحم صادرته البلدية لتراكم الإيجارات المستحقة الدفع .. اشتغل بركات في حانة في البياصة الحمراء .. لم يبتعد عن مهنته كثيرا .. اليهودي مالك الحانة شغله في غرفة النرجيلات .. يوقد الفحم ويرص كراسي المعسّل .. ويوزع الجمر على نراجيل السكارى والحشاشين .. وبطبيعة الحال صار يتناول جرعات كثيرة من الخمر .. اليهودي كان كريما مع كل الندل والعمال .. يمنح كل يوم نصف لتر من البوخة لكل فرد من العاملين في الحانة .. هو لا يمنح مالا للندل والعمال .. لكن يمنحهم نصف لتر بوخة إضافة إلى نصف البقشيش الذي يتحصلون عليه من الزبائن .. معظم الزبائن من سكان المدينة ومن بعض البدو الميسورين القادمين من أميمة الرزم وعوينة مارة والقبيبة والقويقب ورويس التين والذين يرتادون الحانة خاصة في مواسم الجلامة والحصاد وجني العنب .

سكان المدينة والبدو يعتبرهم اليهودي زبائن عاديين قوتهم الشرائية محدودة .. لكن الزبائن المميزين هم البحارة النصارى الذين ينزلون إلى اليابسة من أجل السكر والنيك .

هؤلاء كان حظ بركات معهم جيدا .. فهو يتكلم لغتهم .. لأن والده كان من المصوعية التابعين للجيش الإيطالي .. أخذ عنه الإيطالية وعندما قامت الحرب العالمية الثانية اشتغل مع الجيوش المتناحرة على الأرض الليبية .. اشتغل مع الحلفاء واشتغل مع المحور .. يقول لمقربيه لا فرق لدي بين نصراني وآخر .. أنا مع الفائز دائما .. اشتغل معهم مترجما .. ساعدهم في شراء المواشي والدواجن والبيض والزيت والخضروات والفواكه .. وكان متميزا جدا في شراء الفحم حتى أنّ والي المدينة الإيطالي منحه جائزة وشهادة تقدير .. لم يسمح للبدو أن يغشوا الفحم الجيد بالمرعوب .. ينبه البدو قبل تعبئة الشاحنة أنه سيلغي الصفقة إن وجد مرعوبة واحدة في الكوم .. إن دمعت عين نصراني فمعناها من مرعوبكم المدخن .. يقول لهم حرام عيون النصارى الجميلة تدمع من الدخان .. الدموع لنا نحن أصحاب العيون الحولاء والعوراء والمطمزة .. دائما يفضل فحم البطوم على فحم الشعرة كثير الطقاش .. في الوقت نفسه كان يجلب للبدو بدل الفحم ثمنا جيدا ومعقولا .. بالإضافة للمال يتحصل لهم على كميات من الأرز والسكر والمكرونة والمعاطف الدافئة ولشيوخهم الضالين فقط بعض صناديق البيرة والويسكي ونبيذ بورتو .

في تلك الظروف القاحطة العمل في الحانة مقابل نصف لتر بوخة ونصف البقشيش جيد جدا .. بل محظوظ وتحبّه العجوز ( الأم ) من يتحصل عليه .. حتى بدون نصف اللتر هذا فبركات لن يترك هذا العمل المربح واللذيذ .. هذا العمل جعله يختلط بالنصارى الجميلين .. ذات ليلة غمزه ضابط بحار ودعاه إلى قمرته في السفينة الراسية بالميناء .. طلب منه أن يستحم ويتعطر بالكولونيا وأعطاه لباسا خفيفا نظيفا .. وسهرا معا حتى الفجر يحكيان ويتضاحكان ويتلامسان ويتناولان الخمر الفاخر والميزات الشهية .. في نهاية السهرة تناولا وجبة ساخنة خفيفة مسحت الكحول من على جدران المعدة والأمعاء .. كانا في قمة النشوة .. و في قمة الإثارة .. اقترح الضابط على بركات أن يلعبا لعبة والفائز يركب الآخر .. ظهر بعض التردد على وجه بركات فأضاف الضابط سنختصر الموضوع .. سنلغي اللعبة أو نؤجلها مرة أخرى .. ما رأيك أن نجري قرعة سريعة والفائز يركب الآخر .. هز بركات رأسه موافقا وصار يتلمس ذكره خفية عن الضابط .. بينما الضابط يفتح الكوميدينو باحثا عن قطعة نقدية .. كان بركات سكرانا .. وخائفا جدا من خسارة القرعة فيضاجعه الضابط النصراني ويلحقه عارا لا يمحى .. كانت تداعيات كثيرة في خياله .. كلام مختلط في بعضه البعض .. يقول في نفسه الآن وماذا لو فعل في هذا الضابط النصراني .. ليس معنا أحد هنا لينقل الخبر إلى الشارع .. وجد الضابط قطعة النقد وناول بركات كأس فودكا قوي تجرعه على عجل وواصل تداعياته باللغة العربية بصوت قريب من الهمس لكنه مسموع .. سأدخل القرعة نايك أو منيوك .. وماذا لو خسرت .. لن يحصل لي شيء.. هل سأخزن فيها الزيت .. سأله الضابط زيت زيت لم أفهم ما قلت ؟.. فأجابه بركات باللغة الأجنبية : أجرِ القرعة .. الليلة مطنشة .. ياتركبني .. يا اركبك .

رمى الضابط القطعة النقدية في الهواء وسقطت على البساط .. نظرا إليها فكان ظهرها هو وجه الملك .. قبل رمي القطعة النقدية نسيا أن يختارا كلاهما الوجه الذي يرغب .. قال الضابط : أنا الخاسر .. أنا اخترت الوجه السفلي في خيالي .. قال بركات لا أريد أن أكذب عليك .. أنا أيضا اخترت الوجه السفلي في خيالي ومستحيل جدا أن اختار ملكا في يوم من الأيام .. لن اختار وجه ملك بتاتا ..

وما العمل الآن ؟

جملة قالاها معا في نفس الآن ..

قال بركات لن نعيد القرعة .. القرعة المعادة غش وتدليس ..

القرعة في الحياة تجرى مرة واحدة ..

قال الضابط : صدقت .

قال بركات : أنت ضابط الليلة وأنا جندي الليلة .. فأمرني وسأطيع ..

قال الضابط : حسنا أيها الرائع المطيع .. أنا أرغبك .. أشتهيك .. التقطتك من حانة البياصة الحمراء لأنك الألطف والأخف دما .. أنا أحبك وأريدك أن تقذف في أحشائي همومك ومتاعبك وجنونك ولذتك الدافئة .. أشعر أن لديك حقا عندي .. أشعر بالألم العنيف .. أريدك أن تقتص بعنف أو وداعة حسب مزاجك .. في بلادي يشحنون البشر من إفريقيا يقتلونهم في المناجم ويعذبونهم في الأقبية الباردة .. يغتصبون بناتهم ويضاجعون نسائهم ويمتصون الحياة من عروقهم .. ويجتثون جذورهم من الأساس .. نحن الآن في بلادك فاقتص مني .. أريدك أن تضاجعني كي يستريح ضميري قليلا .. لقد شحن أجدادي كثيرا منكم وقهروهم وقتلوهم ودمروا أحلامهم الإنسانية .. أنت يا بركات جميل حلو لذيذ .. خذ ما في المحفظة من أوراق مالية .. انزع الرتب العسكرية من على كتفي معطفي وخذه .. ضاجعني حتى ترتوي واتركني نائما في هذا الحلم الفلسفي البديع .. إن أردت المبيت فبت وإن أردت المغادرة بعد إتمام الفعل فلن يوقفك الحرس وستوصلك عربة عريف الخفر حتى شارعك .

مع شروق الشمس ظهر بركات في أول شارع البحر متدهشرا يرتدي معطفا كاكيا خفيفا وفي جيبه بعض المال .. دخل بيته وأخرج المال من تحت طاقيته وضعه في حجر زوجته .. نظرت في عينيه وسألته هل سرقت أحدا أم بعت نصيبك في البستان لأعمامك .. لم أبع الأرض بعد ولن أبيعها .. أريد أن أنام الآن .. كانت ليلة ولا ألف ليلة وليلة .. خلعت من على ظهره المعطف وعلقته في مقبض باب النافذة ثم عادت إليه واندست بجانبه في الفراش .. طوقته بذراعيها وبدأت تقبّل وتلعق رقبته وصدره لكن لا رغبة لديه .. ليس مثل بقية الأيام السابقة التي يعود فيها منتشيا من بوخة الحانة راغبا في مضاجعة قبل أن ينام .. سألته ما بك ؟ هل رائحتي كريهة أم زينتي ليست ولابد ..؟ ضمها إلى صدره وقال لها : لا.. أنت غزالة مصوّرة .. أنت في أجمل حالة .. أنت أجمل امرأة في خيالي .. لكن أشعر ببعض التعب فقط .. قالت له .. أحب تعبك هذا .. والتصقت به أكثر وسألته هامسة أصدقني القول .. من أين جلبت هذا المال الوفير .. ماذا بعت .. صار بركات يدمع ثم يبكي ثم دفعها برفق جانبا و أعطاها بظهره فصرخت فيه وحق سيدي حمد تحكيلي وتخبرني عن الفلوس وكنك ما تبيش ترويني كيف العادة ؟ .

جلس في الفراش وطلب منها كأسا من البوخة فأحضرت كأسين لها وله وطبقا به حبيبات زيتون وشرائح ليمون ومع تواصل الكؤوس حكى لها قصته مع الضابط من طق طق إلى السلام عليكم فقالت له : ليس على المضطر حرج والآن هيا إلى الفراش واعتبرني ضابطا نصرانيا عريانا يا مشماشتي المعوجة ..

وتعالت الضحكات .

سرعان ما نفد المال وسفينة الضابط أبحرت .. ولترات البوخة التي يجمعها من الحانة نصف لتر كل ليلة باعها وصرف ثمنها .. كان النهار قائظا جدا .. الإنسان يقلق فيه من نفسه .. لا يحتمل ذبابة تناوش أنفه .. الأعصاب متوترة نتيجة الحر والإفلاس .. كان بركات حزينا لحالة البؤس التي يعيشها .. زوجته مريضة وأطفاله يصرخون من الجوع .. ورياح القبلي الصاهدة تهز المشماشة وتطوح بثمارها في بيت بركة .. لا شيء في البيت الآن سوى لتر بوخة .. بدأ بركات يشرب وزوجته تشاركه الشراب عسى الشراب ينسيها الألم الفظيع الذي يمزق أحشاءها .. مع منتصف الزجاجة اشتعلت نيران الشكوى وتعالى مؤشر الحزن .. ضاجعها فلم تتغير الحالة .. ضاجعته أزدادت حالة الفراغ اتساعا .. واصلا الشراب والثرثرة في مواضيع شتى تتعلق بأسباب فقرهما وحظهما السيئان .. حتى مشماشتنا لا تثمر لنا .. مضى الأصيل المفعم بنسيم البحر على ما يرام .. شعرا بالارتخاء والرغبة في النوم .. لكنه الجوع .. والأطفال المحتاجون لشيء يسدون به رمقهم .. وقف بركات يذرع الفناء على غير هدى وينظر إلى السماء العائشة الآن ظلمة المغيب الأرجوانية وفجأة سمع خشخشة في أوراق المشماشة المثمرة .. ليس قطا أو طيرا أو خفاشا أبصر فجأة فضلَّ الطريق .. إنه بركة يجمع ثمار المشماش في طبق ويغني بصوت منخفض ما إن شعر ببركات حاضرا خلف السور حتى رفع وتيرة غنائه لأغنيته الاستفزازية الدائمة :

خوذيلك حطّابي خير .. انت يا فحمة عين الطير

لم تكن زوجة بركات خلاسية جميلة .. كانت سوداء كظهر خنفوسة .. أمها من مرزق وأبوها من القطرون .. صرخت زوجة بركات السكرانة هل سمعت ابن القحبة ماذا يغني .. صرخ بركات السكران سمعت التيس جيدا .. لكن اتعارك التيوس اتيْسك .

سمع بركة الكلام لكنه لم يعر له أي اهتمام لأن جوّه رائق من طعم المشمش ومن جمال زوجته المستحمة المتعطرة .. يسمع توبيخات بركات ولا يعير أي اهتمام له .. ولماذا يرد عليه وهو سعيد جدا و يجمع المشماش الطازج لزوجته التي تنتظره شبه عارية على الفراش .. يقول في داخله لن استبدل نيكة غروب شمس بعركة مع فحّام .. واصل جني المشمش المائل إليه .. ورفع من وتيرة غنائه أكثر حتى صار يسمع في الشارع وبعض الأشقياء الفتـّانين الجالسين على مصطبة السرواحي جعلوا من انفسهم مجموعة صوتية له .. ما إن يكمل اللازمة :

خوذيلك حطّابي خير .. انت يا خزرة عين الطير

حتى يردون عليه بنفس اللازمة ويعقبونها بتصفيق قوي ورقص وصراخ ..

الشارع أثار بركات أكثر مما أثارته زوجته .. خمرة البوخا شجعته لبدء مشاجرة وإيقاف هذا البركة أفطس الأنف عند حدّه .. دخل الكنيف وملأ جردلا من الغائط واقترب من السور بحذر ثم اعتلى طست الغسيل الألمنيوم ليتبين له موقع بركة بالضبط .. فشاهده بركة المستحم والمتعطر يطل برأسه فأعطاه بظهره علامة الازدراء والاحتقار .. وانحنى يلتقط الثمار الناضجة التي أسقطها الحر.. يلتقط ثمرة من التراب ينفخها ويضعها في الطبق .. يجمع الثمار ويغني في سعادة وحينما همّ بالوقوف والالتفات ناحية السور دلق عليه بركات جردل الخراء وتأخر إلى الوراء سريعا مقهقها متجنبا المنجل الذي أطلقه فيه بركة كردة فعل فجائية .. صرخ بركة وهاج وماج كثور الحلبة وتسلق السور .. ما إن نتق برأسه حتى عالجه بركات بضربة بالجردل على جبهته أعادته داخل سوره ساقطا على التراب .. زوجته صرخت وأوقفته تحثه على قتل بركات الذي أفسد عليها ضجعتها المرتقبة .. زوجة بركات السكرانة صرخت هي ايضا مشجعة وحثت زوجها على قتل بركة الملطخ بالبراز .. الناس في الشارع يستمعون لمقدمات المعركة الوشيكة ويصرخون .. منهم من يقول بصوت عال المعارك في الشارع تدخل التاريخ .. خرج بركة إلى الشارع أولا وتلاه بركات .. وقفا متقابلين متحفزين للاشتباك وأسورة الناس تحيطهم .. كلاهما يمسك بهراوة .. بدأت الحرب الكلامية ..

قال بركة : الفحّام صار رجلا يعارك .

قال بركات : أدافع عن مشماشتي ليس إلا ..

قال بركة : أنا أجمع لك المشماش الساقط في أرضي وأضعه لك في طبق أمام البيت حسب الإتفاق مع الشيخ .

قال بركات : لا تجمعه حسب الاتفاق .. أنت وزوجتك تلتهمان وتخبيئان الثمار الكبيرة الطازجة وتضعان لي في الطبق العفط والثمار النيئة والحامضة و الصغيرة ..

قال بركة : طبعا أنا حطّاب طازج وأنت فحّام محروق .

في المواسم المشماشية السابقة تقدّم بركات بشكوى إلى شيخ الجامع من أجل جني مشماش مشماشته المائلة .. هذا الشيخ أفتى بحرمة دخول بركات إلى فناء بيت بركة إلا بإذن من صاحب البيت بركة .. ولأن بركة غيور جدا على زوجته الجميلة ومن أجل أن يستحوذ على نصيب كبير من المشمش رفض منح الإذن .. ترك بركات شيخ الجامع ولجأ إلى شيخ الشارع المشهور بالحكمة والرصانة .. بعد تفكير عميق وصل إلى حل رضي به الطرفان وهو قيام بركة بجمع المشمش المتساقط من المشماشة ووضعه في طبق يضعه أمام البيت فيأتي بركات ويأخذ الطبق يفرغه في مطبخه ويرمي بالطبق مجددا إلى بركة من وراء السور .. يجمعه كل موسم مقابل العشر .. أي كل عشر مشماشات يخصم منها مشماشة لنفسه .. استمرت الحرب الكلامية بينهم عدّة دقائق وكانت ستستمر أكثر لأن كليهما صار يعيّر الآخر بأشياء قذرة حدثت في الطفولة لهما وتماديا فجبدا دلوا من أخبار الزوجتين السرية أو الخصوصية وأيضا تطرقوا للجوانب السلبية في تاريخ الأسرتين .. شارك في المعركة الكلامية بعض الحضور كمؤيدين ومفندين .. وكانت ستستمر أكثر وستتميّع المعركة لولا أن بدويا من الحضور أطلق تعليقا ساخرا سمعه بركات وبركة وأيده معظم الحضور بالصفير والصراخ والقهقهات .. هذا البدوي قال لهما : هل هذه معركة مشمش ام قعمول ( خرشوف ).. إن لم تشتبكا حالا سأغادر وأقول فيكم مجرودة يرقصن عليها حجالات النجوع .

اشتبكا فور انتهاء كلام البدوي .. انقض بركات على بركة وضربه بالهراوة على رجله فسقطت هراوته بعيدا عنه ووقع أرضا وبرك عليه بركات يصفعه على شدقيه ويبصق عليه .. لكن بركة المتألم من رجله استجمع عزمه وقواه ورفع رجله غير المصابة ودفع بها بقوة بطن بركات الذي ارتفع عنه وسقط إلى الوراء على ظهره .. أندفع نحوه بركة سريعا وبرك عليه يصفعه على شدقيه هو الآخر من دون هوادة ويبصق على وجهه ويهرس له انفه الأفطس بقبضته المقفلة ثم يشدّه بقوة من شعره المضفور .. المشاهدون يصرخون أقض ِ عليه يا بركة الجبار .. يخنقه بركة ليقضي عليه فعلا ويبدأ بركات يرتخي وتجحظ عيناه وتبرز عروقه ويخبط بيده الأرض رغبة في الرحمة والاستسلام .. أحد الحضور أصحاب القلوب الطيبة صرخ لا تقتله من أجل مشماشة .. يا قاتل الروح وين اتروح .. طيب أخر صرخ بصوت أعلى لا تقتل بركات من أجل مشماشة .. وتعالا صراخ التعاطف وطلب الرحمة وامتزج بصراخ التشجيع الدموي المجنون .. وزغردت الخلاسية زوجة بركة فرحة بالنصر .. لكن زوجة بركات السكرانة اقتحمت الحلقة صارخة .. بركات رجل .. بركات لا يستسلم .. لن يركبني جبان أبدا .. ربما يكون الذي سمع صرخات زوجة بركات شيء قوي في داخله .. شيء لا يعرف اليأس .. لا أحد شاهد بالضبط كيف حدث ذلك .. فمن أقصى حالات الهزيمة وأقصى درجات الضعف انبعثت قوة استثنائية .. فمن شبه الموت والسكون الذي كان يعيش فيه بركات تحت خصمه انتفض جسده انتفاضة عظيمة .. انتفاضة سريعة أسرع من لمح البصر .. كل القوة تركزت في قدمه التي ركل ببوزها خصيتي بركة المتدليتين فأبعده عنه .. وقف سريعا مستنشقا الهواء وصافعا زوجته على وجهها آمرها بالعودة إلى البيت .. واشتبكا مجددا يتراكلان ويتلاكمان .. لا أحد يمكنه أن يتدخل بين ثورين هائجين .. فتحا ثغرات عدة في حلقة الناس التي تحيطهم .. رميا بعضهما بأي شيء وجداه في طريقهما .. صناديق طماطم .. أطباق خوخ .. حزم فجل بصل جزر .. رؤوس يقطين .. دلاع .. بطيخ .. كلاهما يتفادى ما يقذفه فيه الخصم قدر الإمكان .. الذي يصاب منهم يزأر ويرد برمية أقوى .. النــاس سعيدة جدا .. تتفرج على هذه المواجهة الحرّة الطافحة بالفكاهة والتراجيديا .. لكن سعادة الناس الطيبين تحولت إلى قلق عندما وصل الصراع بينهما إلى دكان الجزار .. بركة خطف دوّارة من المعلاق ورمى بها بركات فتلوث مثله بالغائط .. بركات خطف رأس تيس ماعز ورمى به بركة .. صاحب دكان الجزار خرج من الدكان مبتعدا .. بركة استل سكينا حادة كانت مرشوقة في فخذ عجل وبالمقابل امتشق بركات ساطورا ضخما كان متروكا فوق القرمة .

الغضب والهيجان وصلا في هذه اللحظة إلى أخر معدل لهما .. من السهل أن يقتل أحدهما الآخر بسرعة .. الظروف المحيطة من تشجيع الجمهور تساعد على ذلك .. الخمر الذي في عروق بركات .. الغائط البشري الذي يلوث جسد بركة .. حالة الفقر والفاقة التي يعيشها الجميع الذين منهم من يفضل الموت على حياة كهذه .. حجل بركات إلى الوراء حجلتين ثم تقدّم حذرا .. نظر إلى أعلى موهما بركة بوجود شيء مهم سيسقط ومشتتا انتباهه .. في اللحظة نفسها التي رفع فيها بركة رأسه ليتبيّن ما في الأعلى ضرب بركات بساطوره سكين بركة فطارت السكين بعيدا عن يد بركات .. وهم بركات بأن يضربه بالساطور على رأسه ليقضي عليه .. ضرب الضربة الأولى فتفاداها وأراد أن يلتقط سكينه فعاجله بركات بركلة على بطنه أبعدته عن السكين وأسقطته أرضا .. همّ بركات العائش الآن حالة حماسية بضربه بالساطور على عنقه .. رفع ساطوره وصرخ لينزل به على الرقبة الزنجية الغليظة لكن صراخه أوقفه صراخ آخر قادم من حنجرة نسائية رخيمة معروفة ومألوفة للجميع .. انطلقت بكلمات واثقة حازمة .

ارمِ الساطور يا وليدي بركات وألعن الشيطان

رمى بركات الساطور وزفر متنهدا ثم لعن الشيطان

وأنت يا وليدي بركة قف والعن الشيطان مثل أخيك .

وقف بركة ولعن الشيطان ..

وأنتم أيها الحاضرون المستمتعون بالدم إلا من رحم ربي .. تفرقوا .. عودوا إلى مصاطبكم .. أو كل واحد ينطمر في قطرته ..

قالت الحاجة أمينة لبركة وبركات : تقتلان بعضكما من أجل مشماشة .. لو أدري أنكما ستتقاتلان هكذا ما قطعت سرتيكما وما ختنتكما .

أنت أيها الحطاب الذي يأتيك الثمر في بيتك والشجرة خارجه ألم تسأل نفسك لماذا لم تنبت شجرة المشماش في بيتك ..

و أنت أيها الفحام ألم تسأل نفسك لماذا نبتت شجرة المشماش في بيتك ..

لكن ثمرها خارجه ..

من قبل شيخ الشارع أوجد لكما حلا .. بركة يجمع المشماش في طبق ويضعه أمام بيته وأنت تأتي تأخذه .. يفعل بركة ذلك مقابل العشر .. لكن هذا الحل لم ينجح .. ها أنتما اليوم كدتما أن تقتلا بعضكما وترملا زوجتيكما وتيتما أولادكما وبناتكما .

لابد أن نجد حلا لهذه المشماشة .. التي كادت تودي بحياة إنسان غالية .. لن نجتثها لأن ذلك مخالفة لتعاليم الله والرسول والصحابة ..

في هذه الأثناء ارتفع أذان صلاة العشاء من مصلى ملحق بضريح سيدي حمد .. بعد انتهاء الأذان قالت لهما ما رأيكما لو وكّلنا عليها سيدي حمد .. هزّا رأسيهما المنكسين أمارة الموافقة .. واستغرقت الحاجة أمينة تتلو الدعوات ثم تقول : يا سيدي حمد .. يا ولي الله الصالح .. يا صاحب الكرامات .. لا نريد أن يطلع علينا صبح الغد حتى تكون مشكلة هذه المشماشة قد حُلت .. آمين .. الفاتحة ..

والآن عودا إلى بيتيكما .. استحما واستعيذا من الشيطان والصباح رباح .

في صباح اليوم الثاني استيقظ بركة وبركات وأهل الشارع ووجدوا أن شجرة المشماش قد التوى جذعها إلى الداخل وصارت كل أغصانها وأوراقها وثمارها داخل بيت بركات الفحّام حيث جذرها ومرقد بذرتها .

منذ ذلك الصباح أطلق على الولي الصالح سيدي حمد .. والذي لم تكن له من قبل أي كنية أو لقب .. سيدي حمد لوّايْ المشماشة .

محمد الأصفر
mohmadalasfar@yahoo.com
درنة ـ ليبيا
14-2-2007


ـ إقرأ المزيد من أعمال الكاتب محمد الأصفر في مدونته على الرابط التالي :
http://alasfar-mohammad.maktoobblog.com/


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home