Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed al-Asfar
الكاتب الليبي محمد الأصفر


محمد الأصفر

Sunday, 21 January, 2007

فصل من " شـكـشـوكـة " الأصفر

داقا بي .. داقا بي .. حبيبي سافر خلاني

محمد الأصفر


الرواية لدى ( مؤسسة الإنتشار العربي ) ـ بيروت
ومشاركة في ( معرض القاهرة للكتاب ) ـ السعر : 10 دولار

الجوكرة تحب الحكاية التي أوجدها اغنيوة فيها بغض النظر عن التأويل والمرجعيات والخلفيات ووحم التيوس .. لقد استراحت من الرطم على طاولات التسلية والقمار الزجاجية .. استراحت من وضعها على الزبوب لشك العميرة ( العادة السرية الإستمناء ) وكلمة عميرة عربية فصحى يقول الشاعر القديم الذي لا أذكر اسمه وقد يذكره أساطين اللغة العربية بدقة .. الأسطون خشيم .. الأسطون التليسي .. الأسطون وريث .. والأسطون الجديد مليطان :

إذا حللت بوادٍ لا أنيس به .. فاجلد عُميرة لا داء ولا حرج ..

استراحت من سماع السماجات والبقاء في الأدراج و الاختناق بالتبغ والحشيش .. مع اغنيوة وجدت الهواء النقي .. الحرية .. المناجاة .. الأحلام العظيمة .. وجدت نفسها جوهرة .. أميرة .. ملكة .. شخصية محترمة ممتعة متصالحة مع ذاتها .. انـتـشلها اغنيوة من قمامة الحياة وصانها في قمامة الروح .. مع اغنيوة شعرت أنها حيّة نابضة .. شعرت أن أحلامها موجودة حقيقة ومتحقـقة .. الجوكرة شخصية عذبة نسجها اغنيوة في مناجاته اليومية لها ونسجت هي اغنيوة في إلهامها الممنوح .. هي طائرة واغنيوة مطار .. هي حبر واغنيوة قلم وأوراق .. دائما يضعها اغنيوة أمام وجهه كمرآة ويرى في داخلها الإبداع والحلم والخلاص فيحكي لها عن هذا العالم غير النقي الملوث بالشك والمغطى بمشمع الريبة القذرة التي لا تقود إلى أي اختراع سوى القمع .. اغنيوة يحكي لها ولنا وله .. يعلنها صراحة .. أنها ليست ورقة .. ليست جمادا .. ليست جوكرة .. إنها كما أسرَّ له اغنيوة منذ أزل هذا النص الشيطاني الشيشوي شخصية مقدسة إبداعيا .. نحلة ملح نقيّة .. جوهرة شعبية ترتاح على جبين البسطاء .. شجرة ماء ماطرة .. شخصية من الميثالوجيا الذاتية التي تخلقها أنفسنا كل لحظة .. شخصية مهمة وملهمة جدا .. مؤثرة جدا .. عفيفة جدا .. غير تافهة .. اسمها فيها .. جوكرة على حق وحقيق .. الجوكرة .. الجوهرة .. من هي ؟ .. إنها بلقيس .. بلقيس الساحرة الهادئة السريعة الشفافة العابدة .. نحلة ملح الروح وشغافها .. نحلة ملح تائهة .. مسمسرون بها .. تمتص قدرها من الشارع .. عبر نافذة صغيرة .. يدخلها الضوء والموت معا .. عندما دخل عليها اغنيوة بكى وتألم وصرعته الدهشة والوحشية .. تأملها واصابعه العشرة على وجهه .. يباعد بينهما قليلا فيرى هول المشهد .. كانت جثة مهشمة الجمجمة مبقورة البطن .. تظهر من المعدة بقايا حبيبات أرز مبرقشة بالزبيب ودشيش اللوز والصنوبر .. قطع لحم ممضوغة برفق وقرن فلفل مصيّر ومضغات من عصبانة ليبية .. كان اغنيوة طفلا بدويا من وادي القطارة .. يرعى الغنم ويجني العنب والزيتون والتين .. يساعد قبيلته في حرث الأرض وحصادها وتنظيفها من أشواك الخرشوف والعوسج .. وفي أوقات فراغه يصيب بعض العلم لدى شيخ المسجد الحاج الصفراني .. مرت مراهقته كمراهقة كل شاب بدوي .. مراهقة ساخنة مثيرة زاخرة بالمتع الطازجة اللذيذة .. تماس مع بنات عمه وخالاته وعماته .. تماس مع الراعيات الهجالات والعوانس من نساء الجيران .. تلامس معهن وتبادل معهن القبلات وأغاني العلم من صنف صوب خليل .. السلام على بنت الأجواد .. سلامك تمكّن .. وعظامك ارتكّن.. وهات ستين غناوة علم على صوب العزيز يبكّن .. تذوق قليلا من لذة الفتيان المتغنجين .. تارة بالإكراه وتارات كثيرة بالرضى .. لم تنج منه حيوانات النجع الأليفة وحتى شبه المفترسة .. وبدأ الإستمناء أيضا في النجع بواسطة اللعاب أو الصابون أو جوف الصبّار اللزج .. عندما بلغ الثامنة عشر حدّر معه أبيه إلى رباية الذائح .. ووجدا قريبا لهما يعمل دلالاً وبرّاحاً في شارع بوغولة وسوقي الظلام والذهب .. التقياه في قهوة العاشق يقرأ جريدة ويرشف الشاي .. فرحبا بهما ودعاهما لتناول الغداء في مطعم بن غشير .. بعدها تجولا في شوارع وأزقة المدينة وذهبا سويا إلى البيت للغفوة والاسترخاء .. قريبهما هذا معروف جدا في المدينة وله علاقة وطيدة بالتجار العرب واليهود فطلب منه والد اغنيوة أن يجد عملا لاغنيوة وأن يضمنه ويكفله .. وكانت الجريدة مازالت آنذاك في حوزة الدلال فأخرجها من جيب فرملته وقال لأبي اغنيوة شن رايك يركب ( يلتحق ) اولدك في بوليس المتحركة .. أجاب أب اغنيوة بحماس يا ريت يا خوي والتحق اغنيوة بمعسكر إمداد الشرطة في رأس عبيدة واجتاز الكشف الطبي والمقابلة الشخصية بنجاح فقد كان اعترّبي ( ضخم الجسم متين ) وبدأ التدريب بجد ونشاط ورغبة جامحة ولفت أنظار الضباط خاصة في درس كيف تسيطر على مجرم خطير .. كان اغنيوة ينقض على المجرم المفترض الذي يمثل دوره أحد المدربين ويبطحه أرضا ويلوي له يده خلف ظهره وإن أبدى مقاومة أكثر فيمسكه من خصيتيه ويفركهما بشدة فيصرخ المجرم ويستسلم .. تحصل على الترتيب الأول مع كسوة إفرنجية معها رابطة عنق وطربوش و سُلِّم هراوة غليظة ومسدس وصار فردا رسمياَ من أفراد شرطة المتحركة .. ساهم مساهمة فعالة في قمع مظاهرات الطلبة التي وقعت في يناير عام 1964 م والتي سقط فيها ثلاث شهداء من فتية بنغازي الرائعين صالح النقاز .. علي لامين البيجو .. و مفتاح بن حريز والذي لم يستشهد بواسطة الرصاص الحي لكن بقرت بطنه بحربة بندقية وظهرت امعاؤه ومعدته لكل الناس وظل في المستشفي سبعة أيام يعاني العذاب والألم المبرح حتى أسلم الروح .. وبسبب هذا المشهد ماتت أمه التي أحرقت شعرها من هول الفاجعة .. لم يطلق اغنيوة الرصاص على الطلبة لكنه ضرب بهراوته على الرؤوس ورفس برجله القوية بطون من تساقط أمامه من الطلبة الهاربين خاصة الذين يهمسون نميمة فيه كلما مر بلباسه المدني قاصدا شوارع الكازينا قرب سينما النصر وهايتي فيوشوشون لبعضهم ويضحكون .. يقولون عبارات مثل هذه.. البلاد تعبّت زغد ( بادية ) .. من نيك الحمير إلى نيك النساء .. آه يا دنيا يا دنيا ودرنا ساس تهدم بنيا.. بعد قمع هذه المظاهرة فعلت الحكومة كما تفعل كل حكومة رجعية .. منحت مكافآت سخية لكل المتصدّين لهؤلاء الطلبة العزل .. فترك اغنيوة ( القدر ) المبيت في المعسكر وصار بدلا ( مبيت خارج المعسكر ) واكترى بيتا في شارع بن عيسى في وسط المدينة .. عاش فيه في سعادة وفرشكة .. كل يوم ينظف أمامه بعرجون ويرش الماء على المصطبة ويسقى دالية عنب غرسها تحت نافذة المربوعة المطلة على الشارع والتى نبتت فصنعت على نافذة المربوعة بأوراقها منظرا بهيجا خاصة عندما تتسلل أشعة الشمس من بين الوريقات وتحط على وجهه وهو يستمتع بالقيلولة . ..كل أصيل يجلس على مصطبته يدخن سجائر لبدة ويتملى في المارة ويرد تحاياهم .. البيت الذي يقابل بيته تسكنه أسرة غرباوية لديها فتاة في السادسة عشر جميلة تخلب اللب كما يعبر التراثيون .. كانت معجبة به وتتلصص عليه من شق النافذة .. تتمعن في كسوته الرسمية وبطمها الذهبية اللامعة ومسدسه الضخم وعصاه الغليظة التي تتخيلها في ذروة شبقها أنها زبه .. وعندما يتفطن اغنيوة لتلصصها يتوارى خجلا إلى داخل البيت فتبتسم وتقبّل خشب النافذة وتسند رأسها عليه.. اغنيوة يدخل البيت لكنه يتوجه إلى نافذة المربوعة ويستغرق في تأملها من خلال وريقات العنب التي يحركها مزاج النسيم فتارة تمنحه رؤية واسعة وأحيانا ضيقة لكنها واضحة ولذيذة .

استطاعت بلقيس بواسطة الإشارة أن تتفاهم معه وتعلن عن حبها .. في مناسبة عاشوراء تجرأت وأرسلت له مع أخيها الصغير طبق فول وحمص .. وكتبت له ورقة بها اللى ما تعطيش الفول يصبح راجلها مهبول .. واللي ما تعطيش الحمّص .. يقعد راجلها ايتلمس .. واغنيوة بعيد السوْ عليه من الهبال والعمى .. فرد لها في الطبق عقد محلب فائح اقتناه من أبي العطر البنغازي الحاج سليمان النجار .. الكائن محله في بداية شارع بوغولة .. غطى لها العقد بأوراق عنب خضراء من دالية نافذته .. و مضى الزمن الجميل و تحايل كلاهما على اللقاء النوافذي يوميا .. أه ما أحلى لقاء النوافذ هذا .. لقاء عبر كائن اسمه نافذة .. يدخل النور .. الهواء .. الشمس .. الأرواح الشريرة والخيّرة .

في الصباح عند ذهابه للعمل تحرص بلقيس على الخروج بجردل الكناسة .. فيبتسم لها وتبتسم له .. ويصيح بائع السفنز من أول الشارع .. اسفنز من ناره .. فيتجه صوبه اغنيوة ويشتري منه ويطلب منه أن يضع أمام عتبة بيتها كيس به اسفنزة بالدحي تشمها بلقيس سريعا فتأخذها من على عتبة بيتهم قبل أن تبرد وإن وجدت الشارع آنذاك خاليا من المارة تلوّح له باسمة متوردة الخدين من الخجل ومن دفء الاستيقاظ .. تتذوق من السفنزة وتملحها قليلا بملح كركورة المبارك وتقدّم نصفها لأمها المريضة مع كوب حليب بينما تتلذذ بالنصف الآخر في المربوعة عند النافذة على أنغام أغاني فيروز الصباحية المنعشة .. عم بتضوي الشمس .. ع الأرض المزروعة .. عم بتضوي الشمس .. والدنيا عم توعا .. وتبدأ نشرة الأخبار الصباحية فتقفل الراديو وتشغل المسجلة فتنساب منها أغنية عندليب ليبيا سلام قدري الحلوة المملوءة بالعتاب .. انشد يا سيد الحلوين .. واشغل فكرك مرة بينا .. رانا لزولك مشتاقين.. وانت من بالك ناسينا .. يطل اغنيوة برأسه من النافذة مبتسما ثم يقفلها ويغادر إلى عمله وجوّه رائق .. وتبقى بلقيس لا تمتص ليم العوانس لكنها تمتص الأمل .. تمتص قضيب الانتظار اللذيذ وتتسلقه بخيالها فينزلها عبر سلم رذاذ بنغازي المالح إلى لسانها الوردي الذي تمتص به قطعة السفنزة أولا حتى تجففها من الزيت والدفء وبعد أن تصير القُطِيعة عجينة باردة تبتلعها فتشبع نواحيها كلها.. تحرص دائما على أن تعطى قطعة من السفنزة إلى القط الساكن عند قدميها فيبدأ يتشممها أولا ويبدأ بلعق الزيت مثلها وأكل البيض المقلي الملتصق بالعجينة الطائبة ثم العجينة بأكملها و التي يتبقي منها نتف قليلة تكاد لا ترى يغنمه نمل جبانة سيدي الشريف إلى ثقوبه قبل أن تمسك بلقيس المقشة وتبدأ في كنس البيت .

كان اغنيوة وسيما بعض الشيء .. شعره أسود مصفف إلى الوراء .. عيناه واسعتان سوداوان .. طويل .. رشيق .. بشرته بيضاء بها بعض الإحمرار .. شنبه أسود مشذب بعناية كتركي من الأناضول .. ابتسامته الواسعة تعلن عن اسنانه البيضاء المشابة بإصفرار قليل تعشقه بلقيس .. ملابسه المدنية أنيقة والبوليسية أكثر أناقة .. أحبته بلقيس لجماله ولكرمه ولجسده القوي ولحاجتها إلى رجل يعشّرها قبل فوات القطار .. التعشير بعد فوات الأوان ملوشي طعمة هكذا قالت الشغالة بهية في الإسكندرية .. كان اغنيوة محبوبا من الشارع .. وظيفته منحته احترام الشارع والمنطقة وجعلت له هيبة .. ومعاملته للجيران وكرمه معهم جعلتهم يشعرون كأنه فرد منهم .. الأطفال الصغار يحبونه كلهم .. ما إن يدخل بائع المثلوجات سي مفتاح تربل بدراجته التريشكو ( ثلاث عجلات ) التي يبيع عليها الجولاطي( آيس كريم ) حتى يصيحون جولاطى .. جولاطى .. ويركضون إلى بيوتهم وأكواخهم .. لكن أهلهم فقراء .. لا يملكون نقودا لهذه المتع الصغيرة والكماليات .. فيخرج بعض الأطفال من بيوتهم حزانى باكين ومنهم من تظهر على وجهه أمارات الغضب والحرمان .. لكنهم سرعات ما يبتسمون فورما يروا اغنيوة قادما إلى الشارع أو فتح نافذته وأطل من خلال أوراق العنب .. يصيح بائع الجولاطي أكثر .. جولاطى .. جولاطى .. ثم يضغط على طرنبته ( منبه يدوى ) بيب بيب .. يخرج اغنيوة ويشترى لكل الصغار أما أخ بلقيس فيشتري له طربوشين فتعرف بلقيس المتلصصة من قضبان النافذة أن الطربوش الثاني يخصها .. تأخذه من أخيها وتعود إلى النافذة .. ويبدأ اغنيوة في امتصاص طربوشه وهو يتأملها من خلال أوراق العنب وآه من طرابيش الجولاطي البسكويتية .. وتبدأ بلقيس في امتصاص طربوشها البسكويتي وهي تتأمله من خلال قضبان نافذتها .. سرعان ما يذوب الجولاطي بسبب الآهات المصاحبة لامتصاص المثلوج .. وعندما ينتهيان من امتصاص كل ما احتوى طربوش البسكويت يضع اغنيوة في تجويفه المخروطي لسانه ثم يقلبه إلى داخل فمه ويأكله بينما بلقيس تضع الطربوش في فمها من رأسه الأسفل المقفل وتبدأ في التهامه بعصبية وقلق .

تعرّف على أهلها ودعوه لتناول الغداء أو العشاء أكثر من مرة .. وهو كذلك دعاهم كثيرا .. تبادل معها بعض الكلمات مباشرة .. كلمات عفوية بسيطة .. صباح الخير .. شكرا على الطعام .. انت بنت حلال .. أهلك كرماء طيبون .

ومع ارتياده دور السينما تعلم من الأفلام المصرية كلمات رومانسية .. فعلى حين غرة وهى خارجة لركن جردل الكناسة وجدته أمام البيت فحيّته فرد عليها بكلمة أحبك يا شمسي المشرقة فتوردت وجنتيها خجلا .. لكنه واصل .. وسوف اتزوجك ونطير معا على غزال أبيض حتى وادي القطارة لأقطر لك شوية .. ودخل إلى فيلم أجنبي فتعلم منه جملة I love you وقالها لها في الصباح فلم تفهمها فقال لها يا عروستي الجميلة معناها صايخ فيك ( أحبك ) .

ذات عشية دخل سينما هايتي وكان الفيلم بعنوان اللص والكلاب وبعد نهاية الفيلم خرج من ظلام السينما إلى ضوء الشارع فلم يستطع فتح عينيه وظل هكذا معتم .. وهو يتبيّن طريقه في الشارع قبض على ذراعه فرد من البكت الحربي ( الشرطة العسكرية ) وسأله .. مدني أنت يا أخينا أو عسكري ؟؟ فأجاب اغنيوة عسكري فقال له اركب تلك الشاحنة لو سمحت سننقلكم لنجدة اخوانكم الليبيين الذين ضربهم الزلزال العنيف في المرج . وقفز اغنيوة إلى صندوق الشاحنة دون وداع بلقيس .. لم يرفض .. أو يطلب دقائق يركض فيها إلى البيت القريب ويعود .. انقاذ الروح كانت أهم لديه من موعد غرام مع بلقيس .. وفي مدينة المرج بذل مجهودا جبارا في التعامل مع هذه الكارثة .. فهو يزيل الأنقاض .. ويداوي الجرحى .. ويدفن الموتى .. ويقبض على لصوص الكوارث يسترجع منهم المسروقات ويوزع المساعدات الإنسانية ويواسي من فقد عزيزا أو عزيزة .. بل امتد نشاطه حتى إلى مساعدة الحيوانات المصابة من خيول وحمير وثيران وكلاب وقطط وأرانب وكباش وتيوس وغيرها .. كان لا ينام إلا سويعات معدودة جالسا على مصطبة أو مستندا إلى جدار أو شجرة .. أنقذ الكثير من الضحايا .. وشعر أن ضميره مرتاح جدا .. في هذه المهمة شعر بأهميته كرجل بوليس وبأهميته كإنسان .. عكس ما شعر به في مهمته الأولى عندما أمروه بقمع الطلبة فصار وحشاًَ كاسرا يركل ويصيح ببذيء الألفاظ ويضرب بالعصا وبقبضته وببوز كندرته التشيكية .. لم يشعر آنذاك أنه إنسان قط .. لم يشعر آنذاك أنه بني آدم كرّمه الله .. آنذاك لم يكن يعرف بلقيس .. لم يكن قد التقاها بعد .. و فرد بوليس لا يحب لا انسانية في قلبه .. والآن بعد أن عرفها ها هو يستلذ بعمله النبيل هذا ويتفانى فيه .. عندما انتهت مهمته هناك في اغاثة ضحايا زلزال المرج منحه المحافظ مكافأة مالية عن جهوده .. فصار يقسمها على المصابين ويمشي خبط عشواء إلى أن وجد أمامه المقبرة .. قرأ الفاتحة ودعى الله أن يغفر للجميع .. بحث عن صندوق تبرعات يضع فيه صدقة فلم يجد .. نادى على حفار القبور أو عساس المقبرة فلم يجبه أحد .. أخذ يتجول بين القبور ويتأمل الأزهار الجبلية البديعة النابتة فوق طينها الخصيب المبلل بماء الشتاء .. لفت نظره قبر في وسط المقبرة .. لم تكن شاهدته قطعة حجارة .. كانت قطعة خشب مكتوب في وسطها كلمة الله .. قطعة خشب يستخدمها الأطفال في المساجد والكتّاب لحفظ القرآن الكريم .. يكتبون عليها بأقلام من قصب ويمحون الكتابة بلطيخ تراب الطفلة .. وقف عند هذا القبر الصغير .. ورأى أن هذه الكلمة كلمات .. كلمات .. كلمات .. كلمات مباركة من نور .. ردم ما تبقى لديه من مال في الطين الذي تحت اللوحة بالضبط .. لكن كلما ردمه تأتي ريح مشاكسة وتكشفه .. ردمه ووضع فوقه حصوات صغيرة وجاءت الريح أيضا وأزاحت الحصى وكشفته .. قال سبحان الله .. فبدأ المطر يساقط بغزارة فخرج من المقبرة ومع صوت الرعد القوي والبرق الخاطف شعر اغنيوة أن قلبه قلق جدا وأن هناك أمر عظيم قد حدث .. نظر وراءه صوب المقبرة فرأي ذاك القبر لافظ المال وكأن فوقه خيال إنسان واقف يلوّح له ويودعه ويصغر تدريجيا و يشف حتى يعود إلى طينة الأصل .. ركض اغنيوة إلى محطة الحافلات ركب بما تبقى له من مال إلى بنغازي .. والسيارة نازلة من عقبة الباكور الهضبة الخضراء التي تشرف على بنغازي تذوق ريحا مالحة وآهات تحثه على الإسراع .. ووصل إلى بنغازي مساء .. ركب عربية يجرها حصان أشقر من الفندق البلدي حيث المحطة المركزية حتى شارع بن عيسى مقر سكناه .. كان مشتاقا لبلقيس جدا .. هو مسترخٍ في العربية والحصان يطرق بنعليه الإسفلت فيسمع صوتا جميلا تك تك تك تك .. والعربادجي يفرقع سوطه السوداني في الهواء قرب أذن الحصان فيهمهم الحصان محتجا و يسرع مهزهزا رأسه هزات متداولة بين اليمين والشمال .. يصهل ثم يتغوط بضع كرات من الغائط الأخضر المبرقش بحبيبات الشعير .. رائحة الغائط وبخاره الساخن تصل أنف اغنيوة فيقفله لأمتار قليلة ثم يفتحه مجددا مستنشقا هواء بنغازي المالح الشفيف .. هو لا يشمئز من غائط طبيعي لكنه يشمئز من غائط خرج نتيجة ألم .. وصلت العربية إلى شارعه فوجده متغيرا عن ذي قبل .. من أوله حتى آخره مزدان بالبالونات والأشرطة الملونة ومظلل بسعف نخيل أخضر مجلوب من منطقة اللثامة ومضاء بالمصابيح الكهربائية وفوانيس الزيت والكيروسين .. معظم الزينة تتركزأمام بيت بلقيس المقابل لبيته .. نزل اغنيوة من العربية مندهشا يستفسر عراف داخله عن الأمر ودخل الشارع يمشي ببطء ويحي من يلتقيه من الجيران .. كانت نظراتهم تخفي سرا ما .. لم يسأل لمن هذه الزينات ولمن هذا العرس الزايط ( الباذخ ) .. مر من أمام بيت سي عقوب وجده جالسا كالعادة يخربش في كراسه و يشرب كؤوس الأصيل .. حيّاه اغنيوة كالعادة وناوله سيجارة فرفع سي عقوب رأسه شاكرا وغنى له :

قالوا زوزوها نور العين ..

قالو زوزوها نور العين ..

قالو زوزوها لسمسار

في الفندق عطوها ..

نور العين ..

واصل اغنيوة سيره البطىء القلق ودخل بيته .. استحم .. وحلق ذقنه .. ولبس ملابس نظيفة .. ثم أشعل سيجارة ووقف قرب نافذة المربوعة ينظر إلى نافذة بلقيس من خلال أوراق العنب المبللة بفعل المطر .. كانت نافذة بلقيس المقابلة لنافذة مربوعته موصدة بينما بقية نوافذ البيت مشرعة تصاعد من كوّاتها رائحة الجاوي والوشق والفاسوخ والشرغدان .. كان العرس في بيت بلقيس.. من الذي تزوج عندهم؟.. هل هو عرس أخيها ..؟ أم أنَّ أباها فعلها و تزوج على أمها المريضة ؟ .. أم أنه عرس عمتها الهجالة .. ومع انتهاء سيجارته بدأ صخب عرّاسة يقترب .. وتناهى إلى سمعه موكب زفة عريس على وشك الوصول .. وارتفعت الوتيرة أكثر.. وتمركز الموكب أمام بيت بلقيس ظهره لنافذته .. وأُخرِجت العروس بلقيس من الداخل تغطيها بطانية حمراء وتحيطها نساء الشارع ونساء أسرتها وتشابكت زغاريد شجية في بعضها مختلطة ببكاء الوداع و ارتفعت دعوات من جداتها وعماتها .. ربي ايهنيك .. ربي يسعدك .. وغناء مرسكاوي بنغازي وتصفيق حاد عمّ المكان وأدخلت العروس بلقيس إلى بيت العريس وهو سمسار أراضي مكتبه يقع في أقواس الفندق البلدي .. بيته بينه وبين بيت بلقيس بيتين من تراب بينما بيتها بينه وبين بيت اغنيوة طريق من أزهار .. كان اغنيوة يعرف هذا السمسار جيدا .. وقد حقق معه في عدة قضايا حول ايجارات بيوت وبيع أراضي طابواتها غير قانونية وغير مصدقة من المحكمة وسامحه لأنه جار .. ومكث أهل بلقيس أمام بيت العريس السمسار ينتظرون المنديل .. يحيط بهم الموكب المبتهج .. كل أفراد الموكب يغنون ويشربون الشاي ويأكلون حلويات المقروظ والغريبة .. و يدخنون .. وبعد نصف ساعة خرج العريس ووشوش لخاله الحاج بومعيرقة فانتحى به خاله إلى ركن قصي ووشوش له طويلا فتقدم من جديد بعد أن أشعل سيجارة وسط التهليل والهتاف وكلمات التشجيع وأغاني من مثيل يا العريس امغير الليلة .. واللي ايجيك اقطعله ذيله .. و دخل مرة أخرى إلى العروس بلقيس .. يبدو أنه وجد صعوبة في افتضاض بكارتها أو هناك شيء ما .. بعد ربع ساعة خرج العريس غاضبا ووشوش لأخ العروس .. وحدثت بينهم مشادة كلامية تطورت إلى اشتباك .. وصفع أخ بلقيس العريس على وجهه ونطحه في جبهته صارخا نحن عائلة محترمة يا ولد القحبة وصرخ العريس في وجه أخ بلقيس أمك ميبونة و ما نفهمكش بيناتنا المحكمة والقانون اترجعولي خسارتي على داير مليم يا واطيين ونهب من أحد المدعوين زجاجة مشروب سينالكو صارخا فيه خلاص سم سم خربتوا بيتي معاش تفتحوا القازوز وانتلفوا من قدام وجهي ودخل اخ بلقيس إلى بيت العريس وبعد دقيقتين سمع صراخ شديد وصرخة عظيمة تلاشت في بوق الصمت .

خرج أخ بلقيس في حالة غير طبيعية عيناه جاحظتان واوداجه محمرة ويداه ترتجفان وتمسكان بساطور يقطر دما .. افسحوا له الطريق فتوجه الى الشارع العام راكضا يقال أنه سلم نفسه لمركز البوليس ويقال أنه صار نزيل أبدي في مستشفى المجانين .. واندفع الناس الى بيت العريس وكان اغنيوة من المندفعين .. النسوة تصرخ وام بلقيس اغمى عليها بعض النسوة رغبن أن يلمسن الضحية بلقيس غير ان اغنيوة ورغم الدموع الذارفة من عيون قلبه ورغم الحزن العميق و الصدمة الشديدة التي يعيشها الآن إلا أن رجل البوليس في داخله استيقظ فجأة وأمر الجميع باسم القانون بالابتعاد وعدم لمس الجثة .. أمر قابلة المنطقة وهى ممرضة اكريتية في المستشفى الكبير أن تجس نبضها فقط بواسطة قفاز فجست وقالت له البركة في راسك يا حضرة الشاويش .. أمر أحد الرجال بالذهاب لإحضار الطبيب الشرعي وحضر الطبيب الشرعي وأجرى كشفه وأعلن لهم عبر تقريره السريع المختصر أن بلقيس عفيفة وأن العريس جاهل بالنساء وأن أخاها تسرع في غسل شرفه من عار وهمي .. قال لاغنيوة العروس غشاء بكارتها من النوع المطاطي وهذا الغشاء منتشر كثيرا في منطقة حوض البحر المتوسط خاصة المدن والقرى المحافظة وقد فضها العريس اكثر من مرّة .. الثقوب الحديثة في أكثر من مكان في مهبلها تثبت ذلك .

ماتت بلقيس وسُجن أخاها ثم أدخل مصحة نفسية مكث فيها إلى ما شاء الله أما عريسها الشاطر في السمسرة والجاهل في النيك فقد جللا مع أهله كلهم عن المدينة .. عاد إلى قريته التي أتى منها .. يرفس البازين ويلتهمه بالفلفل الأخضر ويعبّد الزميتة ويلتهمها بالبصل الحويل .. ومن المال الذي ادخره من عمله في رباية الذائح تزوّج من بنت عمه واشترى طارطاروي ( عربة حرث ) يحرث به لأبناء عمومته بمقابل ويجر به سيارات بيجو القيطون الغارقة في الوحل أو السافي .. كل يوم يبدأه في العمل على الطارطوري وعند الأصيل يرتاح فيطفىء محرك الطارطوري وينهمك في ارتشاف طواسي الشاي الأحمر المكشكشة ولعب أم السبع ( سيزة غرباوية ) مع شياب القرية في ظل نخلة مائلة .

بعد أيام من موت بلقيس عاد اغنيوة إلى عمله .. لكنه عاد فاتر الهمة مشتت الفكر والخيال .. شعر أن قلبه قد دفن مع بلقيس .. وكيف يعيش انسان بدون قلب .. كيف يأكل أو يشرب .. إنه ذاهل جدا وكلما يأتي إلى النافذة وتلمس وجهه أوراق العنب تتسارع دموعه إلى الهطول .. وتتسارع دقات قلبه حتى يعجز عن الوقوف ويجلس في المربوعة تحت النافذة .. ظهره للجدار ووجهه إلى مصباح السقف .. فيرى في نور المصباح صورة بلقيس فيبكي وتغمض سيول الدموع عينيه بملحها الدامي .

لم يعد اغنيوة القوي الذي نعرفه قامع المظاهرات وخالب المجرمين من خصيهم .. صار هزيلا .. يدخل مستشفى البرزدوشمو كل شهر لأيام .. قررت القوة المتحركة الاستغناء عن خدماته .. نقلوه إلى قسم البوليس السري .. قالوا له تجلس كل صباح هنا في قهوة عرّودي العريقة .. مهمتك مراقبة الكتاب والصحفيين وأصحاب المكتبات خاصة امويلة لنقي واشعولة الخراز .. اكسر وذنك شورهم واسمعهم شن يحكوا بالضبط وقولنا عليه .. اكسر وذنك اكويس يا اغنيوة .. أي لعنة للحكومة جيبها لنا ساخنة .. أي لوية وجه من كاتب نبوا نعرفوا سببها .. هل مش عاجبه النظام السياسي أم لأن فريقه الكروي خسر .. أم لأنه مفلس جيبي فارغ من الفلوس أم لأن حبيبته تركته .. أو امرأته لم تتركه يركبها البارحة .

يخرج كل صباح باكر من شارع بن عيسى يتمشى عبر شارع المهدوي حتى يصل ميدان البلدية حيث قهوة العرّودي .. سعيد جدا بخروجه الصباحي .. يرى أولاد وبنات المدارس خارجين من بيوتهم .. حقائبهم في ايديهم يطوطحونها إلى الأمام والخلف .. يستمتع بصخبهم البرىء وما إن يصلوا أمام المدرسة حتى يعم الصمت .. الوشّيري ( المباشر ) في يده خرطوم قوما يلذع به المتلكئين في الدخول أما المتأخرون فيجعلهم صفا عند الباب ليبث حضرة الناظر في أمرهم .. لا يطرد أحدا منهم .. لكن يجلدهم أربع جلدات بعصاته الرقيقة على راحاتهم فيضمونها إلى صدورهم الواجفة وينقزون في الهواء قليلا ثم يلتقفون حقائبهم ويلتحقون بالحصة الأولى .. قبل أن يمد التلميذ يده للناظر كي يجلدها ينفخ فيها بفمه هواء ساخن لتخفيف الألم ويبللها قليلا بلعابه بعد كل جلدة .. هناك من يمد يده اليمين ثم اليسار ثم اليمين ثم اليسار ويمضي وهناك الذي يتلكأ في مد اليد حتى يجلده الناظر على ساقه أو مخروقته ( مؤخرته ) فيميل متألما ويمد يده ليتفادى الجلدات على الساق والمخروقة وهي لا تحسب من قصاص التأخير .. وهناك من كانت أيديهم يابسة متحشرفة بسبب العمل اليدوي الذي يقومون به بعد الظهر .. كرفع الطوب أو العمل على براويط ( عربة يدوية بعجلة واحدة ) التحميل .. هؤلاء يمدون يدا واحدة فقط ولا يضمونها إلى صدورهم أو ينفخونها بالهواء الساخن .. هؤلاء ينعتهم الناظر بعد انزال عقابه فيهم بأن جلودهم كيف الحلوف لا تحس الألم .

يتمشى اغنيوة عبر شارع المهدوي يستمتع بالحياة الطازجة .. ينعرج إلى شارع بن جحا فتلاقيه رائحة القهوة المنبعثة من مطحن اندرياس سركس فتفعم أنفه وتدوزن مزاجه النكهوتي .. رائحة أخرى تزاحمها لكن لها خصوصيتها ونكهتها يتشممها من مطحن الزاوي وأخرى من مطحن الصرماني .. يهم بدخول شارع بوعشرين ليصل الى ميدان البلدية لكن يتوقف ويعود الى الوراء .. لقد نسى أن يتناول اسفنزته الصباحية من سنفاز يوسف بوكريميعة عند زاوية سيدي على الوحيشي ذات القيمة الصوفية الكريمة المعروفة لدى كل الزوايا .. فلا أحد سينسى ما حدث لفتية من قبيلة الجوازي هربوا من غدر الوالي القره مانلي الذي استدرجهم الى قصره وذبحهم عقابا لهم على تحيّزهم لأخيه منافسه على السلطة .. هؤلاء الفتية استطاعوا الهرب من الموت والتجئوا إلى هذه الزاوية .. فأمر الوالي بحصار الزاوية و بأن لا يتصل بهم احد ولا يقدم لهم الطعام ولا الشراب .. ولحرمة الزاوية وقدسيتها آنذاك لم يستطع الوالي اقتحامها فظل محاصرها بانكشاريته دون أن يستسلم هؤلاء البؤساء .. وبعد أن يئس من ذلك فك الحصار ودخل الناس الى الزاوية فوجدوا لديهم طعاما شهيا وماء كثير .. لا أحد حتى الآن يدري من أين جاءهم هذا الزاد والماء والزاوية مقفلة عليهم من الاتجاهات جميعها الكل مقتنع بأنه كرامة من كرامات الأولياء الصالحين .

يحي اغنيوة السنفاز سي يوسف فيقدّم له اسفنزته المقلية جيدا في زيت الزيتون .. حوافها عجين سميك أصفر محترق حسب طلب اغنيوة من بعض جهاته .. وسطها طبقة رقيقة يابسة تسمى قرماشي .. يثقب اغنيوة بإصبعه عدة ثقبات في طبقة القرماشي فتصدر هذه الطبقة الرقيقة المحترقة المنهارة أصوات تشك تشك تشك وتصير السفنزة حلقة مفرغة من الداخل فيمسكها اغنيوة من الجهتين بسبابة وابهام كل يد ثم يجذب فتنقسم أو تنفصم السفنزة إلى قسمين على شكل هلال .. يرشش عليهما قليلا من الملح ويأكل بالهناء والشفاء .. رائحة دكان السنفاز زيت زيتون .. عجين مخمر .. دخان حطب .. سجائر .. رائحة صباح لا يمكن وصفها .. البيض المفرقع في طست القلي يمتزج برائحة الرحيل ويشق طريقه عبر الهواء البارد الخارج من كوة الطرد أعلى الدكان .. يتمختر في شوارع المهدوي يتناكح مع روائح صباحية أخرى .. أنوثة رائحة القهوة .. ذكورة رائحة الفاصوليا بالكرشة والقلايا المنبعثة من مطعم سي بشير بسوق الحوت .. تخنث رائحة بوخة اليهود .. طزاجة رائحة الخضروات في سوق الحشيش .. كل الروائح تتزاوج في ما بينها وتنجب لنا اكسجين الذاكرات الباقية .. تخترق قطعان الرائحة ميدان البلدية تلامس قبة جامع رشيد وتباركها ثم تطير أعلى صوب منارة سيدي اخريبيش ومن المنارة يقابلها رذاذ بحر بنغازي الهائج فيذوب بها ويمزجها ويغسلها بزفير الأنين .

تمر من أمامه بائعة الفول الساخن دادا خميسة .. تصيح بصوتها الواهن فول ساخن من ناره .. يشتري منها قرطاسا صغيرا .. تأخذ ورقة .. تلفها بأصابعها الرشيقة المحنّاة على هيأة طربوش .. تملأ الطربوش بالفول الساخن ثم تضغط على قمة الطربوش المملوء بباطن إبهامها حتى ينزق الفول إلى أسفل وتفسح مكانا للحبيبات الإضافية التي تضيفها للزبون وتسميها أوفّاية .. تبتسم لأغنيوة قائلة وهي تضع خمس حبّات إضافية في قمة الطربوش وهذه الأفواية يا وليدي اغنيوة .. فيشكرها اغنيوة وترد بابتسامة طيبة عذبة .. ودادا خميسة من نساء بنغازي المكافحات .. امرأة سمراء زوجها عاجز عن العمل لمرض ألم به فاضطرت أن تعمل من أجل إطعام صغارها لقمة شريفة بالحلال .. في الصباح الباكر تبيع الفول الساخن من ناره وفي الضحى وحتى الظهر تبيع الكاكاوية أمام سوق الحوت فيشتري منها البحارة الجالسين في قهوة سي ميلاد بعض ميزاتهم .

البحارة في سوق الحوت كرماء طيبون .. يهبون لنجدة المظلومين ويقدمون للفقراء قسما من دخلهم .. يجلسون في أوقات فراغهم وفي إنتظار الإبحار في قهوة سي ميلاد يشربون الشاي ويدخنون النرجيلة ويتأملون الشارع الصاخب بالحياة ويلتقون الأصدقاء .. كثير من البحارة شرفوا هذه المقهى وكانت لهم ذكريات طيبة .. الرائع عبدالكريم اسبيريا .. الرائع شيش بيش .. الرائع حريف .. الرائع السنوسي كرداش .. وغيرهم من أبناء هذه المدينة الساكنة في قلب القلوب والنابضة بالحب المالح غير القابل للعفن كقديد جدتي .

يدخل اغنيوة مقهى العرّودي فيجده صاخبا .. مكتظا بالرواد .. الكلام كثير هنا وهناك .. يكسر أذنه على رأي المصريين لإيه وإلا لأيه .. في واجهة المقهى يجلس شاعر كهل يصافحه اغنيوة بحرارة فيستبقى الشاعر يد اغنيوة في يده ويقول له صباح الفل .. يدك رطبة يا لعيّل ورائحتها اسفنز ساخن من ناره ويرفع الشاعر يده ويمسح على شعر اغنيوة الناعم فيبتسم بعض الرواد ويتغامزون .. وشعرك يا اغنيوة الحب ناعم كي ريش النعام .. ما شاء الله وحويتا وخميسة وقرين .. يبتسم اغنيوة للمداعبة و ينزل يد الشاعر من فوق رأسه برفق ويناوله ما تبقى من قرطاس الفول الساخن .

يودع الشاعر في واجهة المقهى و يدخل إلى الداخل .. الصخب مرتفع .. والنادل يصيح قهوتين قد وواحد سحلب وشاي اخضر للاستاذ اغنيوة .. شيشة معسل سلوم لسي عقوب .. يجد اغنيوة كرسيا شاغرا على طاولة جهتها الأخرى يجلس إليها رجلان يتجادلان همسا .. يرشف اغنيوة من الشاي الأخضر ويكسر أذنه مسترقا السمع ..

- مازال يوجعني بشدة .. لم أتبوّل هذا الصباح حتى رأيت الموت بعيوني ..ألم فضيع يا خيي ..

- امشي لصيدلية جوزيبي في شارع فياتارينو سيعطيك دواء ..

- ذهبت إليه البارحة واعطاني دواء لكن قال لي لن تشفى الا بعد ثلاثة أيام بعد اتمام كورس الدواء كله ..

- وكيف أصبت بهذا المرض

يضحكان أحدهما في سعادة والآخر في ألم

- ألست متزوجا ؟ .. وزوجتك جميلة لا ينقصها شيئا .. ما شاء الله عليها

- آه ريحنا يا سي الزب .. أخرج زوجتي من الموضوع راهو انيكك حتى أنت ولا تقترب من الخط الأحمر

- حاضر .. أنا آسف .. بس انحب نعرف سبب جريّك وراء الزوامل .

- مش عارف يا خوي .. أشعر بمتعة .. انحب الضيق .. يمشي من قدامي وليد سمح نقعد نرعش نغ بعضي .. معاش انتحكم في روحي .

- معقولة يا راجل

- معقولة ونصف .. وتو نحكيلك بالضبط شن صار .. كنت قاعد على شاطئ الكبترانية .. انتفرج على الصيادين .. واحد منهم رفع سنارته في شصها علقت سمكة بوري بوراس .. قلت له بيعها فرفض الزامل .. تركته وجلست حزينا على المصطبة الرخامية .. ولد جميل مر في يده جريدة .. سألته جريدة اليوم هذي يا شاب .. أجاب نعم .. قلت له معلش خليني انتصفحها .. فمدها لي .. قلت له أجلس قليلا شم هواء بحر واعطيته قرطاس كاكاوية ليقرمش منه حتى أنتهي من تصفحها .. جلس بجانبي يلوك الكاكاوية ويمضغها بلذة .. شفتاه حمراوين .. ويده ناعمة وعيناه عسليتان .. وانا اتصفح الجريدة رأيت أعلان عن وصول السيرك والملاهي .. قلت له اليوم الملاهي تبدأ .. ابتسم وقال يا ريت عندي افلوس نمشيلها .. قلت له مش مشكلة بإمكاننا الذهاب معا .. وكل لعبة نجلس بجنب بعض .. واعطيته موعدا في العشية وذهبنا إلى هناك .. ركبنا الطائرة والأرجوحة .. وصوبنا بالبندقية .. وضربنا كيس الرمل أبواني ( لكمات ) لنعرف قياس قوتنا ثم دخلنا دار العفريتة وجلسنا في العربة جنب بعض .. وفي دار العفريتة المظلمة ذات الأصوات المرعبة والوجوه المتوحشة خاف الولد والتصق بي اكثر وعانقني كطفل يعانق أباه .. كان طيبا و لذيذا جدا .. براءته صفعت شيطاني فخجل وأخذ إجازة .. لم أمسه أو ألوثه .. وخرجنا من دار العفريتة الى النور .. فرأيته مشرق الوجه سعيدا نظيف شفاف كملاك .. سعدت أنني غيّرت رأيي وخذلت شيطاني .. أول مرة أترك ضحية ساذجة لحالها .. أوصلته شارعهم في عربية .. وذهبت إلي خمارة في شارع فياتارينو شربت عدة كؤوس نبيذ ثم توجهت الى سينما البرنيتشي .. زامل ابيض معروف وجدته في الكرسي الذي بجانبي .. لم اهتم به أو أكلمه .. هو الذي مد يده في الظلام وصار يتلمسني بحرفنة فأحضر شيطاني الزعلان وأشعلني رغم أنفي .. عندما جاءت ذروة الفيلم والصراع بين البطل والعصابة حيث لا أحد يترك من كرسيّه وقف وأشار أن أطيعه وأتبعه فتبعته إلى دورة المياه ونكته باثنين في واحد .. بعد ثلاثة أيام تورّم زبي .

كتب اغنيوة كل هذا الكلام في ورقة طلب مسطرة وأقفل عليها في ظرف وسلم الظرف عند الظهر لضابط المباحث فقرأ الضابط الورقة وشكره كثيرا وقال له رائع لكن هذا التقرير المفصّل لا أريده حول هؤلاء اللوطيين .. أريده حول كاتب .. شاعر .. فنان .. أستاذ .. طبيب .. محامي .. مهندس .. هؤلاء هم الذين كاسريلي رقبتي .. اكتب فيهم أرجوك .. لكن الزوامل والفرواخة والسكارى والحشاشين ما منهمش خوف .. هذوم حبايبنا .. ياريت كل البلاد منهم .. كان هذا انتريحوا من وجع الدماغ .. وعلى فكرة قالوا لي أنك تزعج اليهود وتطلب أوراقهم ورخص دكاكينهم .. اليهود حبايبنا يا اغنيوة .. لا تؤذِ أحدا منهم .. ولا نريد فيهم تقارير .. هم أناس في حالهم .. يشتغلون في التجارة والصناعة ولا يهتمون بالسياسة .. لكن المطرب الذي غنى في العرس :

وين قالوا السعداوي جي .. دهشت وبخوني بالمي ..

حيه على أمه .. هذا خطير و لازم تراقبه وأريد عليه معلومات يومية .. السعداوي زعيم وطني .. الكازريما امتعة كبيرة .. له شعبية في الداخل والخارج .. البلاد كلها تحبه .. وهو من اللي جابوا ورقة الاستقلال من الأمم المتحدة .. الغناء عليه ممنوع يا اغنيوة .. الغناء على الملك بس يا اغنيوة .. وعلى ولي العهد .. وعلى الحاشية المقربين .

أنت بصاص وطني يا اغنيوة .. هذه خدمة وطن .. وخدمة الوطن من الإيمان .. خليك على الوطنيين بس .. وتو انرقيك .. وانخليك اتخوّج ( غني ) واتصير فوق الريح .. فوق في العلالي .

وعلى فكرة مراقبة النصارى ليس تخصصك يا اغنيوة .. لا تتعرض لهم أبدا .. إنشاء الله يقلبوها الفوق لوطا .. تلقا حتى واحد منهم يبي يشيط النار في خزان البنزين خليه ايشيط وإن طلب منك مساعدة ساعده .

لم يستطع الاستمرار في هذا العمل الوطني .. مكث فيه اسبوعين .. كل يوم يذهب الى المقر ليوقع الحضور فيسأله الضابط آه يا اغنيوة شن شمشمت فيجيب اغنيوة لا شيء مهم .. اليهود والنصارى كما أمرتني تركتهم وشأنهم .. والوطنيون هل راقبتهم أو تنصت عليهم .. نعم .. احكِ بالتفصيل .. وأنا جالس اتشمس على الكورنيش لفت نظري رجلان يوشوشان ويقهقهان فاقتربت منهما وطلبت منهما ولعة وتختختهما ( تملقتهما ) بسيجارتين وجلست ليس ببعيد عنهما وبدأت أصيخ السمع .. كانا يحكيان عن أيهما أفضل نيك الغلام الأبيض أم الغلام الأسود ؟ .. بعد سجال كلامي طويل ومناقشة حادة تخللتها عدة أقسام بأغلظ الإيمان وأشهر المرابطية اتفقا على أن نيك الصبي الأسود ألذ من الأبيض لأن الأسود ثقبه أكثر احمرارا وسواد الإليتين الذي يحيطه يمنحه جمالا أكثر.. هناك ميزات أخرى فأسنانه أكثر بياضا .. ودمه خفيف جدا .. وفي الشتاء ساخن كيف اسفنز من ناره .. وابتسم الضابط قائلا يا اغنيوة مرة أخرى انقولك نبوا أخبار خطيرة .. هذه أشياء ليس منها خوف .. طاقته حمراء او لازوردية لا تؤثر في استتباب الأمن .. جيب كلام مش مفهوم يحتاج إلى تحليل .. به شفرة .. رسالة .. تهريب سلاح .. اختلاس افلوس .. جماعة يجتمعوا في حوش ويتكلموا في السياسة .. كتب مهربة .. مقالات ممنوعة .. شعر يهاجم الملك ويضربه من تحت الحزام .. نبو مسكوت عنه يا اغنيوة .. خلاص لا تتنصت على هذه الشرائح منذ اليوم .. قبل أن يغادر اغنيوة المكتب قال للضابط واحد منهما قال جملة ربما تكون خطيرة لم افهمها جيدا .. سريعا الضابط قال ما هي قول قول .. قال لصاحبه اضحك للعبد ايوريك سواد طاقته . ضحك الضابط وقال لاغنيوة هذا مثل شعبي قول مأثور ما فيشي خطورة .. وبعدين العبيد حبايبنا مامنهمش خوف .. وقبل أن يغادر أوصاه مجددا راقب المدرسين المهندسين المحامين الاطباء الموظفين الصحفيين الممرضين الضباط الكتاب الشعراء الرسامين الفنانين وركز على الزوامل الكتاب يا اغنيوة ما نوصيكش عليهم كان جبت عنهم شيئا مهما علي الطلاق انعلقلك على كتفك السمح دبّورة ( دبورة معناها نجمة أي يجعله ضابطا) .

كما أسلفنا لم يستطع الاستمرار في هذا العمل .. لم يستطع أن يشِ في الكتاب .. وجد أن الكتاب كرماء .. دمهم خفيف .. يفهمون في الحب والموسيقى والرسم والرياضة والنحت والمسرح .. خففوا عنه مأساته كثيرا و دعوه لتناول القهوة والشاي على حسابهم .. واعطوه جرائد ومجلات وكتاب به نيك كثير اسمه الف ليلة وليلة صار يقرأ فيه فينتصب ولا يراقب أحدا .. أعطوه أيضا بطاقة دعوة لحضور امسية شعرية للشاعر محمد الشلطامي .. وعندما أنشد الشلطامي قصيدته :

مشرق كالشمس وجه الكلمة ..

فلماذا حاصروها ..

لتغني بين أقدام الخليفة

وبأسماء الخليفة

ولماذا صادروها

حينما غنت لموت القبرة

وعري الشجرة

ولماذا قاوموني حينما أشرعت بابي للرياح

تذكر اغنيوة بلقيس .. وقال في نفسه علي الطلاق من بلقيس التي تزوجها خيالي ما ني باص في واحد .. البصاصة مش صراكتنا ( عادتنا ) .. كس أم البوليس والمباحث .. وسلم مسدسه وعصاه وأخذ إجازة وانتهت الإجازة ولم يلتحق فتم طرده بدون مستحقات واستبداله بقريب لزوجة الضابط المطروحية .. وبدأ يعيش في بيته .. يتحصل على طعام من بعض الأصدقاء والجيران .. وأحيانا يطرح ماكاوة ( بسطة ورق مقوى ) أمام سور المستشفى الكبير يبيع عليها كتب ومجلات يتحصل عليها مجانا من أحبابه الكتاب الذين يعرفون قصة حبه وقصة تركه العمل فيأخذونه معهم إلى شاطئ جليانة ويبقونه لدى بابا سليم أياما كي يروق ويرتاح ويتنقه.. وحاجته من النساء يتحصل عليها من ملهى الريفيرا القريب .

ومضت أيامه على وتيرة النسيان والغرق في الخمر إلى حد الإختناق .. كل عشية يجلس قرب اصطاحات السيكم ( مسدات حجرية ذات اربع رؤوس على شاطئ بنغازي ) يشرب الخمر لينس وليبتهج .. يبدأ الجلسة بعد العشاء .. يشرب وحده ويستمع إلى أم كلثوم من راديو صغير .. وتظلم الدنيا ويخلو الكورنيش من المارة ولا يسمع شيئا سوى هدير الأمواج فيزداد ابتهاجه ويسرع عبّه من قنينته الثمينة وعند منتصف الليل يعود إلى بيته مخترقا سوق الحوت وشارع المهدوي وسوق الحشيش حتى يصل إلى شارع بن عيسى .. يدخل بيته الذي ما عاد يدفع إجاره لأن صاحبه أعجبته شهامته وطيبته وكرمه رغم فقره فقال له اسكن فيه فهو لك ما دمت حيّا .. عند منتصف الليل يدخل البيت يستحم ويتناول عشاء من الموجود لديه ثم يقف قرب النافذة وينصت جيدا فيستمع إلى خرخشة في أوراق العنب يتطلع من خلالها فيرى الشارع مظلما ونافذة بلقيس موصدة لكن شعاع بسيط جدا بدأ يكبر تدريجيا وكلما كبر درجة انفتحت نافذة بلقيس درجة حتى تنفتح الضلفتين تماما ويرى قضبان النافذة تذوب كجولاطى سي مفتاح تربل يمتصانه أيام الزهاوي ونفساهما تغنيان لهما : أيام الزهاوي والعزيز الغاوي شربنا قهاوي ما هوتهن نار ..

أيام العقيدة والعزيز أريدا .. كلينا عصيدة ربّها ما صار ..

ويقول اغنيوة بلقيس محّة دحيتي .. بلقيس أصالة عصيدتي .. بلقيس ملائكتي ستغرقني في رُبِّ التمر ولن تمسها النار .. بلقيس عفيفة .. وتمس وجهه أوراق العنب التي منذ موت بلقيس لم تثمر عنقودا واحدا وتحولت إلى أوراق غريبة عن حشيش التراب لكنها عطرية ومغذية .. أصادف أنه أكثر من ليلة ومن ظهرية لم يكن هناك طعام في البيت فلاك منها اغنيوة فشبع وانتشى ونام واكثر من ذلك أنه كلما أكل منها استحلم اكثر من مرة .. هذه الأوراق أغنته عن الذهاب الى الكنتينة ( الماخور ) قرب سينما النصر رغم أنه لم يذهب إليه منذ أن عرف بلقيس .. لكن مرة ذهب إليه وكان ثملا جدا .. لأنه سمع أن امرأة بدوية من منطقتهم انخرطت في تقديم خدماتها فيه .. عندما دخل عليها كان لم يدخل قبله أحد فالأولوية دائما للبوليس وللمفتش الصحي همنكة الشهير بدجيم والذي دائما يمتشق مسدس أطفال مائي في جيبه الخلفي و يأتي على دراجته الهوائية شهريا فيحلق لكل الشراميط فروجهن ويكشف عليهن ويمنحهن شهادة صلاحية النيك .. كل من يكشف عليها يطلق على فرجها طلقتين ماء زهر من مسدسه وهي بمثابة الختم والتصديق على الكشف .. همنكة علاقته جيدة بالمومسات دائما يمنحنه المال والخضروات والفواكه والسجائر والمكسرات وفي العيد إحداهن منحته تيسا بقرون طويلة ملتوية أحضره لها بدوي معجب متيّم بها ومكبّد عليها ( التكبيد هوالتعلق بالمرأة حد العمى وكثير ما يفعله المخنثين أو من لديهم نزعة رومانسية) حتى أنه طلب يدها للزواج وتشاجر أكثر من مرة مع الواقفين طابورا أمام دكان دعارتها .. ربط همنكة التيس في برتباقالي ( كرسي خلفي للدراجة ) الدراجة وصار يلوي البيدالي في شوارع الشويخات وسوق الحشيش والناس تراه وتبتسم .. همنكة يدولب برجليه الدراجة بعناء والتيس المربوط يتبعه ويلبلب ويعرقله بالتوقف فجأة وغرز حوافره في التراب حتى أنه يصنع خطين متوازيين خلف دراجة همنكة .. الكثير يعلقون على هذا المشهد بكلمة ريت تيس بقرونة على الطبيعة .. وصل همنكة إلى دكان السكليستا مينتا في سوق الحشيش وقال أريد أن أبيعك هذا التيس أيها الصديق الوفي أو أستبدله بدراجة همبر نصف عمر أو سبورت أو بيانكي.. فرفض السكليستا مينتا وقال له لا أشتري تيوس القحاب .

والسكليستا مينتا هو مصلّح دراجات قادم من طرابلس .. همنكة دائما ينفخ عنده عجل دراجته ويرقع عنده أطاراتها ويجلس في دكانه في أوقات الفراغ .. مينتا يصلح دراجة همنكة ولا يتقاضى منه مالا لكن يقول له وصي علينا شراميطك .. الليلة خميس .. فيدله همنكة على أفضل عاهرة وأنظف عاهرة وأصح عاهرة .. يقول له قل لها من طرف همنكة فسوف تعطيك جو سمح وسعر مخفض وحتى كان تبيها تمصهولك اتمصا .

وضح مينتا لهمنكة أنه لا يستطيع شراء التيس ليس لأنه من قحبة فحتى وإن كان من شيخ جامع فلن يشتريه .. ماذا سيفعل بتيس في دكان بشكليطات ونصحه أن يأخذه إلى السلخانة القريبة من البحر .. هناك سيشترونه منه في الحال .. فأخذ همنكة التيس وأنطلق به .. والسكليستا مينتا يبتسم وينقر على علبة معدنية برؤوس أصابعه مغنيا أغنيته الشهيرة :

داقا بيْ .. داقا بيْ .. حبيبي سافر خلانيْ ..

داقا بيْ .. داقا بيْ .. الغالي عدا ما جانيْ ..

داقا بيْ .. داقا بيْ .. عام يعدّي وعام ايجي..

داقا بيْ .. داقا بيْ .. بلاها ميْت حيه عليْ ..

والسكليستا مينتا اشكابلي ( عازب يسكن لوحده ) يسكن في دكان مؤجر بسوق الحشيش .. يصلح فيه الدراجات وعربات الأطفال .. وكل سكان الحي يحبونه لروحه المرحة ولخدماته التي يؤديها بسعر رمزي .. يقضي يومه في تصليح الدراجات وعند المساء يذهب إلى اليهودية دودا يشتري منها خمر البوخا ويعود إلى دكانه يشعل فنار الإنارة ويولع بابور الكيروسين ليعد العشاء .. كثير ما شاركه سهراته شباب من سوق الحشيش وكتاب معروفين لأنه كريم .. بعد منتصف الليل كثيرا ما ينقص الخمر فيصيح يا حواتو يا حواتو وهو زوج بائعة الخمر اليهودية دودا يحضر اليهودي حواتو سريعا فيقول له هات فياشكة نبيذ للشباب واني وحدة بوخا ثانية .

يشرب دون توقف .. مادام الخمر أمامه وهو يشرب .. يشرب ولا يغني إلا أغنية واحدة .. يرددها بإستمرار داقا بي .. داقا بي .. حبيبي سافر خلاني .. يغنيها بحماسة وتأثر وصدق والحضور يشاركونه في الغناء كمجموعة صوتية .. لا أحد عرف قصة هذه الأغنية فمينتا لا يحب كشف سره العاطفي لأحد .. لكن في إحد سكراته الثملة جدا صرخ .. هردني البيْ .. بعبصني البيْ .. خذا بلقيسي البيْ ..فخمّن الجميع أن مينتا كان يحب فتاة اسمها بلقيس لكن رجل غني أو صاحب منصب حطم حلمه واختطف بماله بلقيسه تزوجها وسافر بها بعيدا عن مينتا .. كان مينتا دائما يمتص حلوة النعناع ويمضغ مستكة النعناع وإذا أعد الشاي فلابد أن يكون فيه النعناع .. له مع النعناع علاقة روحية .. يقول لأصحابه أحب النعناع .. يريح معدتي ويصفي ذهني ويخفف عني الكحاحة ويسأله خبيث من مجالسيه وإيش أخرى يا مينتا العزيز ويمد له زجاجة البوخا وبعض الفول الساخن من ناره فيعب مينتا حتى تدمع عيناه ويلتقط حبّة فول يمتصها ويمضغها ثم يبتسم للذي سأل .. الحقيقة يا صاحبي مع فوائد النعناع لصحتي في حاجة ثانية ما قلتلكمش عليها ولأنكم كيف اوخييني فسأقول لكم حويجة ثانية خلتني انحب النعناع .. ويصرخ الجميع وايش هيا يا مينتا العظيم قول قول .. همس مينتا لهم كان أول لقاء مع حبيبتي اللي خذاها مني البيْ بفلوسه في جدولة نعناع تمرغنا عليه نين قلنا بس .

ويصرخ الجميع رائع يا مينتا .. عظيم يا مينتا .. يعني نكتها قبل لا يأخذها البيْ .. يصرخ فيهم مينتا اسكتوا عيب تقدروا اتقولوا انى نكتها لكن مش هلبة ( ليس كثيرا ) ويسأله أحدهم تمرغتوا في الليل أو النهار .. فأجاب مينتا .. الحمير تتمرغ في النهار .. كالا البنادمية ففي الليل .. تمرغنا في الليل يا تيوس .. من نصف الليل حتى الفجر .. فيصرخ الجميع رائع يا مينتا ويغنون معا ومينتا ينقر بأصابعه على علبته المعدنية : نين الفجر ايعلم ضيّا .. ونحن في موّال الغيّة.

لكن مينتا يكسر لحنهم فهو المتحكم في الإيقاع عبر نقره للعلبة وهو صاحب الخمر والدكان والسجائر والعشاء وقصة السكرة فيغني من جديد :

داقا بيْ .. داقا بيْ .. حبيبي سافر خلانيْ ..

داقا بيْ .. داقا بيْ .. الغالي عدا ما جانيْ ..

ويقفل أحد الأصدقاء باب الدكان ويزق تحت أسفله شوال خيشة فالمطر بدأ يهطل بغزارة وعتبة الدكان واطئة بعض الشيء .

يترك همنكة السكليستا مينتا في دكانه ويغادر بتيسه يبيدل بصعوبة والتيس أحيانا ينقاد خلفه وأحيانا يحرن ليلتقط ورقة أو يتعلق بغصن مورق في الشارع .. وعند منعطف شارع مدرسة توريللي القريب من السلخانة مر كاروا يحمل على ظهره نعجتين وثني وعنزة مالطية فبلبل التيس وانطلقت منه رائحة نفاذة وانطلق بكل قوته عكس اتجاه دراجة همنكة يريد الالتحاق بالعنزة التي فجرت شبقه .. كركر همنكة وراء فتزلطت ركبتاه وحاول أن يمسكه من قرونه ويزيد من قوة ربطه ليسيطر عليه إلا أن التيس نطح همنكة وانفلت قافزا إلى فوق الكارو يتشمم العنزة ويلحس مؤخرتها .. نقل همنكة إلى المستشفى الكبير القريب لعلاج رضوضه بينما التيس بقى فوق الكارو واعتبر صاحب الكارو صعود التيس إلى عربته اعتداء صارخ على حرمة عربته ومواشيه فصادره واحتفظ به غنيمة .

وصل اغنيوة إلى الماخور وأفسح له الرواد الطريق .. سأل عن القحبة الجديدة فأشاروا إلى دكانها طرق الباب فقالت كان معاك قروش خش وان كنت امفلس فدرق وجهك والا انعطبها على خشمك منها نقة .. لم يجبها فقد عرفها .. كانت حجالة ( راقصة بدوية ) من نجعه وتمت إليه بصلة قربة بعيدة .. دخل عليها حانقا محمر الأوداج متناثر اللعاب ويده على مقبض هراوته .. ما إن رأته بمسدسه و هراوته و بكسوته الرسمية حتى عرفته و صرخت ياناعلايييييي انذبحتي على غير قبلة يا سالمين وقفزت من النافذة كعناق فارة من الماخور .. ركض خلفها فلم يظفر فدخلت زحام سوق الجريد واختفت .. سأل عنها بعد أيام فأخبروه أنها استقلت سيارة فردينا إلى درنة أو طبرق أو للإعتكاف والطهارة في واحة الجغبوب .

هذه الأوراق التى يلوكها الآن ساعدته كثيرا .. واشفته من عدة امراض تعرض لها .. وأذابت له قضبان نافذة بلقيس .. وطارت بلقيس إليه .. ووقفت عند نافذته من جهة الشارع .. هو في الداخل .. هي في الخارج .. والاوراق بينهما متشابكة بين الداخل والخارج .. والجولاطي الورقي يمتصانه معا .. والجدار الذي بينهما من أسفل يصير اسمنتا لحميا خاثرا .. ويطوقها وتطوقه ويغني لها وتغني له .. ويحكي لها وتحكي له .. يتكلمان حتى الفجر دون تعب .. دون اسئلة .. وعند الفجر يغادر خيطها الأسود تدريجيا وتتواصد النافذة تدريجيا وأوراق النافذة تفطره بحليب الندى وتدفع راسه الى اسفل حتى ينطرح ويسمع الديك يؤذن والمساجد تؤذن الله أكبر وبائع السفنز يصيح اسفنز من ناره ولسان اغنيوة يستغفر .. ولسان بلقيس يدعو في السماوات .. وأوراق الجنة التي تحيط النافذة تسأل عن الربّان الذي أحضرها إلى هذه البقعة البنغازية الطاهرة وغرسها نحلة نباتية هنا .. تسأل عن ثمنها .. هل ثمنها روح بلقيسية .. أم مال .. أم كلمة .. الأوراق سعيدة الآن .. كانت أوراق عنب يعصر .. فصارت أوراق ليبية خالصة كهذه المبدوعة السلفيومية تضعها على الجرح تبرأ .

يقولون أن عفريتة بلقيس تظهر لاغنيوة كل ليلة فيناجيها وتناجيه حتى الفجر .. لكن مع دخول الحضارة المادية إلى المنطقة من سيارات وأعمدة نور وكهرباء ضغط عالي وهواتف وقطارات وطائرات و صحّة وجه اكترونية .. اختفت هذه العفريتة الجميلة التي اسمها بلقيس .. ولم تمض دقائق حتى اختفت غرسة العنب التي تحولت إلى غرسة مقدسة مجهولة مع موت بلقيس .. لم يجد اغنيوة اسما لهذه الغرسة ولم يستطع أن يسأل بلقيس لأن حديثهم لا اسئلة ولا أجوبة فيه .. نسيج كلامي مبهج نظيف نقي وحسب .. نسيج صوتي ثمين يرتقي إلى الغناء ويصعد إلى البكاء الشعري ويرمي المطر بفقاعات الحنين ويسافر مع أنين اللذة إلى جنان الرؤى .. ويرى الحياة

ما لهم وما لنا

ما ذهب وما بقى

ما انقرض إلى غير جذر

وما رفع كمسيح سلفيومي

إلى فضاءات

لا تحدد

ولا تطلق عليها الأسماء

ما أجمل أن نر شيئا ولا نعرف له اسما

ولا نخترع له اسما

ولماذا الإعتداء

قد نقول إنها المعرفة

وأقول إنه استعمار أناني ..

محمد الأصفر
ليبيا
mohmadalasfar@yahoo.com


ـ إقرأ المزيد من أعمال الكاتب محمد الأصفر في مدونته على الرابط التالي :
http://www.maktoobblog.com/alasfar-mohammad


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home