Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed al-Asfar
الكاتب الليبي محمد الأصفر


محمد الأصفر

Friday, 20 October, 2006

الجماهـير رفعـتـلـك يديها مش كرعـيها(*)

محمد الأصفر


(*) مقتطف من رواية "تقودني نجمة"
نشر شخصي ـ القاهرة 2004
لوحة الغلاف للفنان الليبي علي العباني

الفحم من أحراش درنة ..
الملح من سباخ بنغازي ..
والمداد مستـقطر من فجاج العمق ..
يبدو أنه كوني لضيق قطراته ..!
أخبريني بنغازي ..
أيتها الراسخة مثلي ..
يا من وجدت نفسي فيها ..
أيتها المرفأ الذي لم أختره ..
كاسمي .. كقناعـتي ..
كزوجتي .. كولي أمري .. كقدري ..
كحبـيـبتي التي صادفـتـني ..
كشهيقي الرتيب الذي أزفره ..
بنغازي يا جرّة الملح الناضحة
يا بحر مضطرب ومنارة باسقة
يا شوارع ذابلة وأزقة آيلة للبكاء
يا سبخة بعد شبر
يا سماء مُضمّخة بالضياء
لـيـتـني ذائح لتربـّيـني !

بدأ سوق التوانسة فى درنة بتجمع عدة مركبات تونسية متلاصقة يـبـيت أصحابها فيها .. يتـناولون كسكسيهم وبلابلهم وكسكروتاتهم في ظلها ويستحمّون ويقضون حاجاتهم في الجامع القريب أو البحر . ومع الأيام تطوّر السوق إلى عشـش وبراريك وأكواخ وزرائب .. ومع تدبير الأمر مع بعض فاسدي الجهات العامة تمّ البناء والترخيص و من ثمّ التسوير .. السور صار له باب .. والباب ولـّد السوق ومُنحه شهادة ميلاده الشرعية وانصبغ بمداد القانون .. بل صار فوق أسقف القانون .. تجاوز القانون أنْ تجد وراء الباب كل شيء ..
تسيّد سوق التوانسة بدرنة أسواق المنطقة الشرقية .. دائما مكتظ .. بضائع الأسواق العامة والحوانيت العسكرية المشتراة بدولار مدعوم تصبّ فيه بهامش ربح كبير ..المشاجرات والتحرشات لا تـنتهي .. شاب طعن آخر بسكين بوخوصة أرداه قـتيلا .. السبب فتاة .. إنتهت القضية في أرز ولحم وشاي أخضر بالرغوة .. أمام بابه المزدحم يطرح الكثير من الباعة والحرفيين بُسطهم .. صلاحوا ساعات .. اسكافيين .. خياطين .. باعة خرداوات .. باعة لبن وحليب وزبادي وتمر .. عرّافات ..حجّالات كشك .. باعة مشروبات ساخنة وباردة .. الخ ..
باعة من مختلف النحل والملل .. وراء السوق سيارات أولاد عليْ نصف النقل القادمة من مطروح تـُفرّغ المجلوب وتملأ المسحوب .. شاحنات المرسيدس الصحراوية تربط جبال بضائعها جيدا قبل التوجه الى بـر السودان .. السودان الشقيق .. مصر الشقيقة .. تونس .. الجزائر .. تـشاد .. الكل أشقاء .. تبادل المنافع النقدية إرتـفع معدله .. وتـفاعل السوق مع بعضه .. وامتـزج مصلحيا جيدا .. كل الوجوه ألفت بعضها .. باعة وشـُـراة .. حرس بلدي وشرطة .. مخاتير محلات .. أمناء لجان شعبية .. مصري شارك ليبية ثم تـزوجها .. ليبي شارك سودانية فحنـّت له كفـّـه وتـزوجها .. جزائري أمتلك أكبر المحلات .. باكستاني يضارب فى قطع غيار السيارات الأصلية والمُقـلدة .. تـشادي سيطر على سوق القماش .. صحة له .. يشتري رخص الإستراد من الإقتصاد و يستورد منسوجاته من دبي مباشرة .. سوداني جثم على الستائر والبطاطين .. كوري على قطع الغيار الالكترونية .. وفلسطيني بكرش و شدقين على الساعات والاكسسوارات .. لبناني على مواد التجميل والعطور .. درناوي على المسابح والقناديل والبدل العربية وزغادي الأطفال .. مـطروحي على المعسّـل وتوابعه.. وأردني على البذور والأسمدة .. صومالي على الأجبان ومشتقاتها .. ومغربي على الأحذية والحقائب والمحافظ وأحزمة الجلد ..
صار للسوق لجنة من أصحاب المحلات ليتحولوا إلى أعيان يتبرعون لبناء الجوامع .. ويشاركون في جمع المساعدات لجمعيات الأيتام وضحايا الفياضانات .. ويقيمون موائد الرحمن في رمضان ويوزعون الفول والحمص في عاشوراء .. ويُـدعون إلى مجالس الصلح القبلية .. لا تمرّ جنازة دون أنْ يؤبّـنوا ميتها ويقيمون له حضرة صاخبة .. وتكاثرت زوايا الطرق الصوفية .. لكل زاوية شيخها ومسجدها ومجلسها وشعراءها ومبندريها وبصاصيها وفتواتها ومشاريعها وطناجرها وكساكيسها وصحافها .. راجت تجارة البنادير والجاوى والوشق والحلتيت والفاسوخ وفقوص الحمار بوطبربق .. وكتيبات التحذير من عذاب القبر والوقاية من السحر و الجان ودفاتر طبّ الأعشاب وفوائد الحبّة السوداء وعشبة الخلعة والأبراج .. ومن أراد أنْ ينجح فى التصعيد عليه أنْ يكسب السوق برجاله ومسؤوليه .. فهم من سيموّل فـزعته ويقيم له سرادق التحشيد طيلة أيام الإختيارالدامي .. في مجتمع درنة العشائري المغلق لا يمر التصعيد بخير إنْ تجاوز الإتفاق في المرابيع .. من أين لموظف أنْ يذبح العجول والخراف السمان لرافعي الأيدي ؟.. من أين لموظف بسيط أنْ يدخل معركة يسقط فيها ضحايا وتدفع فيها ديّات باهضة ؟ .. كل دعـكـة ينجحها التمويل .. بعد أنْ يُنجّح ينالون ما دفعوا أضعافا مضاعفة .. ينالونه أصولا ثابتة .. أو تسهيلات تلاعبية .. أو عطاءات ترسى على تشاركياتهم الوهمية .. وإنْ تمرد عليهم أو أدار لهم ظهره أسقطوه .. وما أسهل إسقاط مسؤول شعبي في هذا العالم .. المبدأ السائد عندهم هو ( من لحيته أفتلْه حبل ) كل المُتبرع به من هامش الربح الكبير .. المساس برأس المال خط أحمر .. الخسارة في التجارة هي السياسة في الدولة .. يجب سحق كل من يقترب منها ..
الآن السوق إسمه سوق التوانسة .. وللأسف الشديد لا تونسي واحد يملك محلا .. التوانسة كالليبيين قلقين .. لا صبر لديهم على كساد مؤقت ..لا قبل لهم بتلسين الفراعنة وغش الشوام ولؤم الزنوج .. لقد غادر التوانسة تباعا بسياراتهم البيجو والرينو .. ناموس السوق الذي لا يرحم أجبرهم على تـتريك سلعهم بثمن بخس .. تركوا وراءهم صور فريق الترجي والأفريقي والصفاقسي .. يوم أنْ مات أثناء مباراة اللاعب الهادي بورخيصة ظهير أيسر الترجي والمنتخب الكل بكى وتألم .. أقفلوا محلاتهم رغم رواجة السوق وأقاموا سرادق للعزاء مولمين الكسكسي واللحم لكافة المعزّين من رياضيين و جيران وفقراء وافدين وعابرى سبيل .. مازال نجوم كأس العالم بالارجنتين فى ذاكرتهم كآلهة .. ضابط الإيقاع طارق ذياب ..لاعب الوسط الفنان العقربي .. الحارس الشاب النايلي .. المخضرم عتوقة وإنْ لم يشارك في المونديال فقد أوصلهم إليه بقفزاته الرشيقة .. تميم الجناح الطائر .. الكعبي الظهير المهاجم .. رأس الحربة عقيد .. المدرب الفذ المُحنّك مجيد الشتـّالي .. ألعنهم ولا تلعن لاعب كرة تونسي ولو في فريق درجة ثانية .. غادروا كلهم .. ومن بقى لم يمارس التجارة .. افتتح مطعما أوحماما بخاريا أو سنفازا يعد مع السفنز الرمضاني المقروض (والبريكة بالصّو ) والذي وفّر قرشين على حاله إكترى مقهى في ميدان تجاري يمارس فيه رياسته على الندل المصريين والندل المغربيات ويلعب على طاولاته الرومينو والسكمبيل والشكبا والشطرنج والداما متى حلى له .. المعركة لا متكافئة .. منذ أيام الفنيقيين لم يفلح التوانسة في التجارة لذلك نرى الفراعنة وهم يهزمون القرطاجيين في العصر الراهن .. سودان افريقيا ينحازون الى ماء النيل والملوخية فيتواطؤون صحبة الشوام متعددي الوجوه ضد القرطاجيين .. لم تـنفع وقفة الشنقيطيـين والمراكشيين الطيبين مع التجار القرطاجيين .. فشرق هذا الزمان كان أقوى .. وأحذق .
أتجول في أرجاء السوق .. أساوم التاجرة عزيزة في قـبعة سعف وأشتري من دكان جعفر السوداني مزيل عرق .. ومن العجّالي سكين بو خوصة وقلامة .. لم أجد مكتبة في السوق .. غريب .. دائما أسمع أنّ درنة بلد الثـقافة والفن والموز .. كيف تكون مدينة ثـقافـية وسوقها خال من الكتب ؟.. الموز نعم وجدت كرتونته فنمت عليها .. الفن نعم .. وجدت فلسطيني يـبـيع الدرابيك والمزامير والدفوف وآلة أورج صغيرة تعمل ببطارية إصبع يعض إنْ تخانن اللحن ..
سوداني مـرّ بجانبي يحمل إبريق ألمنيوم وينادي : شاي .. شاي .. شاي بالقرفة طايب لذاته ..
- صـُـب
صبّ لي طاسة بدون كاكوية .. أرتـشفت منها ببطء .. شاي حلو بنكهة نفـّاذة .. منذ ليلة الأمس لم أتناول شيئا .. الشاي أنعشني .. أجـّج رغبتي للتأمل .. أتأمل سقف السوق .. صفيح تتدلّى منه مصابيح مُبهرة .. الكهرباء مجانا .. مسروقة من أعمدة الطريق العام .. أرضية السوق مرشوشة بالماء .. يقال أنّ الماء لا يصل لمساكن الساحل الشرقي ويصل السوق رقراقا من عين مارة .. الدنيا صباح .. والمحلات مفتوحة .. سلعتها مصفوفة أمامها .. بعضها علق في المشاجب المتأرجحة من قضبان مظلاتها .. عـدة أصوات وموسيقا تـنبعث من التلفازات والمذياعات في آن واحد .. مزيج من الأصوات .. قرآن كريم .. صوت أمريكا .. إذاعة لندن .. دوتشي فيلي .. أم كلثوم .. أحمد عدوية .. مايكل جاكسون .. الفونشة .. بن زابيه .. احميده درنة .. شدّني محل تـنبعث منه أغنية للشيخ الصديق بوعبعاب :
منام جاني شين أحلمتا
عزيز مشا
رحل نجعا شال وجضّا
ولجته مُصبّحا بالخير .. محل أشرطة .. صاحبه مـُجلبـب معـمـم مـُـلتح .. يلوك شيئا بتمهل .. بصق أرضا قبل أنْ يردّ علي تصبـيـحـتي بطريقة مـُـمـطـطة مُـبالغ فيها وكأنه يعرفني مـُنذ زمن .. لا بأس فالناس لبعضها ..
- تـفـضـّل شن تـشرب ؟
- نبي نسمع بس .. بالك نشري منك شريط
- اشرب حاجة يا راجل .. صبح ما تلطمش !
لم ينتظر ردّي وناولني طاسة شاي من قهوادجي طرقي ضبح عليه بنداء مـلحون خشن .. يا ود يا مُنعش .. وبابتسامة صافية قـرّب لي خرطوم النرجيلة .. سحبت منه شفطتين عميقـتين .. دارت معهما رأسي .. مسحت المبسم بكمي وسحبت ثالثة ورابعة وخامسة متأملا توهج جمرة الكرسي .. الجالسون عندما تسحبهم الجماهير لا يتوهجون .. يرشقون الطقــّاش المترمّد فور ابتعاده .. الجالسون جليد .. المتكئون على الطنافس ثلج بالوعة .. ودخان النرجيلة يتـتبعه دوخاني وهو يصعد الجدران ويُـغيّم سماء الوجوه المعلقة .. ويقف الملتحي يهش بمنشـّـته الريشوية .. يطارد الدخان ويمسح بعض الصور ويترك بعضها غارقة في السناج اللامرئي ..
( فيه الوجيه اللى تمسحه وفيه الوجيه اللى تمسح فيه ) ويبتسم بمكر وهويغير لي كرسي المعسّل بآخر عامـر .. يُثـبّت مـقـعـدته عـلى فـوّهة النرجيلة .. ويضع فوق قـمّـته جمرة متوهجة .. يسحب شفطات البداية .. يسعدني الماء المرتج داخل الزجاجة وتـُـبهجني بقبقة الدخان المغـتسل المانح للمزاج .. تلتقي عيوننا .. يمدّ لي الخرطوم بود .. في النراجيل الكرسي المحترق يترك المجال لغيره .. ليت العالم نرجيلة ..
وقرّب أذنه من فمي وراحته مضمومة عليها على هيئة قمع ..
- شنو حسّك قلت
- العقل يدوي يا راجل .. قلت ليت العالم نرجيلة !
- ومن قال أنه ليس نرجيلة .. شوف التـلفـزيون ديمة حرب ..
وابتعدنا سريعا عن عالم الموات والدمار والدخان مستغرقين فى فضاءات الشعر الشعبي .. صار حزينا جدا لتذكره موت المطرب الشعبي عوض المالكي إثر حادث سيارة منذ سنوات .. ذرف دميعات التذكر فواسيته بفكاهة عن المساطيل والبخلاء وناولته الخرطوم سحب منه شفـطة نسيان فـتـثـبّـتت عـلى وجهه إبتسامة لا تغادره .
تعارفنا .. هو من مطروح وأنا من بنغازي ..
اسمه شعيب واسمي محمد ..
أنا قالولي وازي .. قتلهم فرخة بنغازي ..
هو خسارة يا أهالي مطروح .. اللى ماهو سامطها يذوح ..
هذا ما تطرق إلى ذهنى المدواخ فور ذكر المدينتين .. وتتوأم الأقراص التى ابتلعتها سابقا والحشيش الذي استـنشقته وأشمّه الآن .. شياطين الهلوسة تلصق رغباتنا توآخينا في سديم يتلاذذ .. ضحك لأمزوحتي المغنـّاة حول مطروح وفتح عينيه بشبق متخيلا فتيات بنغازي المالحات المليحات .. تمنـّى أنْ يتناول صحن براك على الفحم من أيديهن ذات يوم .. وتداولنا المحاورة بين سارد ومستمع .. كان عليما بالأغاني المرزقاوية والتراثية وبالشعر الشعبي أيضا ..
يا حيه حيه سيباتا .. بدموعا يبكي خلاتا ..
يا حيه حيه سيباتا .. في الموعد سلحت ما جاتا ..
يحفظ عن ظهر قلب كل أغاني بوعبعاب وحميدة موسى وعلى دراية لا بأس بها بفن شادي الجبل .. يا ريح سلامى شيليه .. وما تبطيه .. جميل منك فيا ديريه
وعبدالجليل الهتـش
ياعون من راقد هني في نوما .. على فراش ووسادة ذراع فطوما .
وحميد الكيلاني ..
بيّن عشمنا يالا في هلها .. اللى فراقها ردّى العين ذبلها ..
يالا في الفيّة .. جعل سعيها ذايح من غير رعيا ..
ستين في ستين بعد الميّة ..
اللى فطست والموس ما حللها ..
وعابوا في ناسك يا الحبيبة .. وانا العصران ما نحمل العيبة ..
وسيف النصر
ان جيت مرحب بيك .. وان غبت طريق السلامة .. مانى عليك رمية .. ولانى عديم ادباره .. نعرف أصول الغيّة .. والحب وايش أقداره ..
و بغناوي الغناي الشجي عبدالكافي طريح الفراش الآن .. صار يبكى من جديد .. لماذا الحديد يقاتل الشعر ؟ .. يحطم من يعبّر عن شعورنا .. زرت اكفيوه فى مستشفى الجلاء بنغازي .. وعرضتُ على الطبيب أنْ أتبرع له بالدم .. قلت له ما تغرزش إبرة السحب في ذراعي .. أغرزها في قليبي على طول .. ابتسم لي الطبيب الممسوس بالتراث .. اخبرني أنّ مسألته ليست نقص دم .. كل القلوب التي أطربها جاءت بشرايـينها إلى هذا السرير .. عبد الكافي صامت .. يتأمل .. ربما غنـّى كل ما يود قوله .. سننتظر عناية الله .. المعجزة .. و أعطاني مقالا مؤثرا عن فن عبدالكافي بقلم مبدع اجدابيا الكريم مصطفى السعيطي ..
عبدالكافي من أشهر غنايي الجبل الأخضر شهرته امتدت لهضبة البطنان والصحراء الغربية و حتى تخوم الإسكندرية .. لم يكرر غناوة غناها .. كل كلماته من القلب مباشرة وعلى دين أم الفهق .. لا تصبّ إلا في صميم الصميم .. أغانيه مليئة بالتوريات والإستعارات .. مجاز مجنون مؤثر مفعما بعميق البهجة المفرحة ..
في قربه وفي دنواه عزيز واه وادانا عليّ..
أثـّاقلت في ممشايْ أقربت قيسني دار القدم ..
بيادك مع لرجال اسماك طحت يا بيت الغلا ..
تاريخ عمرنا يا عين إسطير فرح والباقي عزاء
ومن عبد الكافي ورّطني في شيطان البليغ مراد البرعصي .. الشاعر الفذ .. الذي تحركه رائحة البارود .. فرّغ أمامه عدة وجوه حيّة واستمعْ للقريحة العظيمة .. كلماته نادرة التداول .. لكنها معبرة و بليغة جدا .. تلهب خيال العشاق وتحقق لهم أمانيهم .. تجعلهم سكارى في حانة محصورة بين الواقع والخيال .. هو الشاعر الأصعب والأبسط فى الوسط الشعري الشعبي ..صوره الشعرية مؤثرة جدا ..
كنيني تمْ لحم جـزّارة ناس غـشمْ ..
ولم ينس الشاعر بوتـقـّازة المرجاوي .. عندما ذكره أوقف سحب الدخان من النرجيلة ومصمص فمه ثم قرأ الفاتحة على روحه .. وأمـّـنتُ معه مرارا .. بوتقازة هذا بيني وبينا عيش وملح ..؟ مرة كنت جالس معاه في المربوعة ودخل علينا إبنه عماد بالشاي فأنشد بوتقازة : علله تكبر يا عماد .. تزيد عناد .. وتبقى على السفرة قعّاد ..
يتمنى أنْ يصير إبنه شاعرا مثله .. معزوفة كبرياء شعبية .. أخذتنا المدن والقرى والمثرودة واللبن ولحم القعود الناضج بطريقة بومردم .. كثيرا ما حنّ إلى مطروح وذكرها بصوت هامس جلي .. تحدث عن شوارعها ومطاعمها وشواطئها وصرّافوها اللصوص الذين ضحكوا على تاجر عملة ليبي من سوق ذهب بنغازي باختلاسهم منه مليون دولار .. لقد خاف المسكين من لجان التطهير فأحرق دفاتره وأخبر المطروحيين بذلك.. فقالوا له خلاص معندكش عندنا حاجة .. فين دفاترك .. فين ما يثبت .. أزاي حساب بدون دفاتر ..قلتله ادفعلي خمس الاف جنيه بس واعيدلك على الاقل نصف فلوسك ما رضيش .. بص لجلابيتي من فوق ومن تحت ومشي للأفنديا .. للمباحث وامن الدولة وشرطة المطافىء اللى مش حيسقوه حتى قطرة ميّة ..اعملوا إيه خولْ فكر .. تحدث عن حمار يحمل له معزّة خاصة .. وعندما قلت له بنغازى أيضا شواطئها جميلة توقف وأنشد : تريدي غرام كوازي
وشقة على الكرنيش في بنغازي
وما يغيب عنك يا دراقا كازي
ايجوك مالبحيرة دايرين مسيرة
ويقهقه عاليا قائلا : لكن أنا من مطروح وجيت لدرنة اللى ما قصرتش معايا .. زقبت في شقيقة مشرحة على الكورنيش .. قالوا صاحبها كلب ضال هارب من البلاد .. مش مشكلة أنا ذئب ضال جاي للبلاد .. كورنيش درنة من غير كراسي .. حتى حيط المسدّات ينجلس عليه .. تجلس على ثلاث رؤوس خير من رأس واحد .. وترتـفع قهقهاتنا وقد يشاركنا زبون دون معرفة السبب فنزداد ضحكا حتى ندمع بفعل الدخان والحنين والحديث عن شخصيات نحبها .. شعراء .. زمارين .. مطربين ..لاعبي كرة .. لاعبي كارطة وسيزة .. أناس عاديين طيبين غير مشهورين .. أولياء صالحين .. أطفال حجارة .. أطفال بطش وطائرات ورقية .. لم نـشعر بغربة .. إنسان تدخل قلبه منذ اللقاء الأول .. ربما أرواحنا التـقت آوان ميلادها .. ربما تـلتقي قبل التخلق فى الأرحام .. لم أخف منه ولم يخف مني .. انتـقدنا .. ولعنـّا.. ما ألذ اللعـن المطمئن .. .. تحدثنا في الاقتصاد وفي الدين .. واستمتعنا بالكثير من أخبار النيك وفكاهاته المُنصّبة في حالات الوهن .. حكى لى عن صديقه الصعيدي الذى سافر إلى روما حيث إشتهته إمرأة إيطالية رافقها إلى شقتها فطوقته ليباشر عمله على طول .. في المرة الثانية استمر انتصابه و تأخر القذف وأعجبها ذلك لكن كلما حشا فيها شيأه انتـشت زيادة وصرختْ فيه : (بيلو) فنهض عنها وبصق على فرجها وأعاد سريعا شيأه إليه .. عندما كررتْ صرخاتها أكثر من مرّة ..: بيلو .. بيلو .. تـنـرفـز الصعيدى وقام من عليها صارخا : إحنا جايين حنـّيك وإلا حنطفـّي حريق ..
هو لا يعرف أنّ كلمة بيلو بالإيطالية معناها حلو..
عند نهاية كل حدوثة تجمعنا القهـقهات المُبهجة فنخـوض في الحديث مجددا متآلفين إلى أبعد حد حتى أننا بكينا معا حينما تذكر أمه وأباه الراحلين .. اشتد بكائي معه رغم أنّ أبواي حيّان .. لكنهم بعاد .. البُعد موت .. القربُ موت .. المعرفة موت .. الجهل حياة .. أريد أباء لا أعرفهم .. أحبّ أنْ أكون ابن ليس من رحم .. لأرضع الثدي الذي أحبّ .. حبـيـبتي أمي .. أرضع لبنها الودّي .. ارشف من سخاء روحها .. أنهل من نبع عينيها .. وهي تعيش المثل وإنْ كانت في برزخ مهتـز ..برزخ خارج الزمن .. يسخر من زمن مارسيل بروست ..تائه البداية مدلمس النهاية .. صارخ في أعماق الألم .. لا يُذكـّـرني بشيء .. لا يُذكـُـرني حتى بأننى أعيشه ويقـتات عليّ.. حبيبتي نسيتها .. وسأنساها إنْ أحبّها فعلا .. حب دون نسيان نوع من المزحة .. الإقتراب نسيان أننا سنقترب .. نسيان هارب الى آفاق الذكرى .. في النسيان حب متجدد .. تجل عظيم لبؤرة الصدق في ارواحنا .. النسيان حليب الذكرى .. ونحن أجنة لا نرضع الا الصراخ .. أحتاج حبيبتي .. قطنة (البمبارس النظيفة) .. الآن هي معي قرص يدوخني بقبلاته .. طمأنينة تنجيني من يباس السأم .. جنون يقاتل ترّهات عقلي ..لمسات حنون تـُنشـّيني فأعانق صدق روحها .. لا أذكر من أنا .. أنا كائن بلا ضمير .. بلا اسم .. قذفة قدر بدون قضيب .. طلقة رافضة ارادتها .. سحابة تتقاذفها الرياح ويثـقبها البرق .. قدحة هاربة من الصلب والترائب .. ريبيّة النواحي .. نور هلامي شفاف .. معجون بالصمت الرخيم.. يسكر بكؤوس اللاأدري .. ويتبرز النـَّعَم .. ويتـقيأ اللاءات الخجول .. ويتقرفص في تماسات الحدود ..
عندما مشيت لا أدري بدايتي ..
بقدمي اليمين ام اليسار ..
لا أدري سوى أنني مشيت قــُدمـا ..
الجوانب تـكـلسٌ فى ذات المكان ..
هكذا هي الخطوط الأفقية ..
تـُبعدك وتـُـقـرّبك ..
كل بعيد حضيض ..
كل قريب حضيض ..
والطريق يـباب .. ســـــراب ..
أخاف السراب الحلو والشراب المـر ..
أخاف الزمن الراكض للأمام ..
الزمن الذي مــر الله يسامحه ..
عاشنا وعشناه ..
ولم نمل بعض ..
ولم نشعر أنّه مَــر..
ربما الماضي الآن ..
والمستقبل هــو الذي فــرْ ..

لا أدريآنوتوقـفتُ فجأة عن الركض وراء المستقبل إذ ركلني شعيب بلطف في قدمي .. سيارة كاكية شرّفت السوق .. من مؤخرتها تبرز ( إنتينا ) غريبة كصوكاية عقرب .. أسرّ في أذني : البحر فيه كلب .. امسك فرينوات ( فرامل ).. !! مرّت مرتين من أمام المحل وغادرت إلى خارج السوق بتـشييطة إطارات ..
ناولني قطعة أخرجها من ثـنية عمامته السمنية .. طعمها عطري حلو .. شبيهة بعجينة الحنّاء .. أعرف أنها حشيش .. هذا الشعيب يعطيني السم أبتلعه .. مشى مع جوّي .. امتصصتها بنهم ليعود لرأسي دورانها .. البقرة تبدأ فعلها الرتيب المتصاعد حول تخوم مخيخي المبصر للأثداء الراعفة بلبن الانتعاش .. لم أحضر وعاء لأملأه .. ولم أتلافى اللعاب المتناثر والروث .. أنا في المنتصف وأشياء تدور حولي .. صرت ألفّ حول نفسي سلك لا أراه .. أدور في جلستي تلك .. أتـتبع سحب دخاني .. من عيونى تمتد ديدان ومن انفي أسلاك من مخاط .. ومن فمي فقاعات لعابية .. شعر رأسي سوالف أخطبوط .. حلماتي ستـقـتـلع .. وأسناني عاثت في مبارد الارتخاء .. ذكري نائم .. خصيتاي مفشوشتان متهدلتان ككرشة فارغة أو مرارة كبش مثـقوبة .. ألعن حظي .. وعثراتي أحفر أمامها الأخاديد والخنادق .. وأصدقائي الذين أحبهم موتى مجهولي القبور .. لا املك في هذه الأونة غير خيال جموحه كسول متخدر يتمايل كمدمن ثمل .. تـتبعت ذا الخيال المترنح مطمئنا لانقيادي .. إنْ كوبسني سيوقـظني .. وإنْ نشـّـاني سيُـقذّفـني ويمنحني لذاذة .. وإنْ تركني وشأني سيفعلُ الترك دون مـنـّـة.. تواصلت نشوة البارحة بنشوة اليوم .. قطار لذة رأسه لاشاه الاهتـزاز المنطلق .. أمضغ وأسحب من خرطوم النرجيلة .. نرشفُ شاي الكـُشري الحلو .. أضحكُ بفمي وعيوني جميعها .. شعرتُ برغبة في التبول .. أرشدني إلى مشخّـة عمومية فى آخر السوق .. دخلتها بربع دينار.. تخفـفت وغسلتُ وجهي ثم عدتُ إليه وهو يُـقـلبُ شريط بوعبعاب إلى وجهه الآخر :
وين الغالي يادار
وينو كاحل لنظار
سودا شينات أركانك
ساكن جوّا الجضار
وين الغالي يادار
ما تقوليلي يادار
شعيب من قبائل ( أولاد علي ) القاطنة مطروح وضواحيها منذ هجرتها من ليبيا جرّاء الفاقة والغزو الإيطالي و الصراعات القبلية .. يتيم الأب والأم .. لم يورث من أبيه سوى عربة يجرّها حمار.. إشتغل عليها ينقل السوّاح والمواطنين .. يزدهر عمله فترة الصيف .. حيث يؤم مرسى مطروح أعداد ضخمة من المصطافين والمسافرين إلى ليبيا والعكس ..
ما إنْ سوّيت الخلافات السياسية بين مصر وليبيا وفـتحت الحدود مجددا حتى باع العربة واستقـلّ الحمار إلى سيدي براني .. و بعد التـزود بالتبن والبرسيم والماء ارتاح أياما عند خاله مراجع ومن ثمّ واصل طريقه غربا إلى السلوم.. هو يرفض أنْ يوصله أحد من أقاربه أصحاب السيارات التويوتا والميتسوبيشي والمازدا النصف نقل ..الذين يقومون برحلتين يوميا إلى مـنفذ مساعد للمتاجرة في الأقمشة والشاي و بنزين سوبر98 .. كان مثله الدائم ( حمارتك العرجاء ولا جمل بن عمك ) .. في السلوم وشوش في أذن الحمار أنْ يعود إلى مطروح وينتظره في مربطه حتى يرجع إليه قريبا بحمارة شهباء ليبية راتعة كفايتها في ربيع وادي الكوف وخريف بئر الأشهب .. أوصاه بالصبر وعدم النهيق حتى لا ينزعج أحد .. وأوصاه بعدم التمرغ كثيرا .. فأرضنا العربية تـشقـقـت من كثرة المتمرغين .. أوصاه أيضا بأنْ يرفس ويصك كل من يحاول تدنيس مربطه ..عاد الحمار بعينين باكيتين و صعد شعيب مرتفع السلّوم فى حافلة فيات 306 حرنت فى منتصف الصعودة .. ما بالصهريج من بقية وقود انحصر فى الخلف وماعاد قادرا على تقديم نفسه زادا للمحرك الآمامي .. السائقون لا يُعبـّـئون الصهريج من محطات مصر لارتفاع السعر ويأتون إلى مساعد بوقود قليل جدا بالكاد يوصلهم الحظيرة الجمركية ..
دخل شعيب من منفذ مساعد ببطاقة شخصية مـُـزوّرة .. بطاقته الأصلية خسرها في قمار مع مسجّـل خطر مخدرات .. تـنقل بين القرى والمدن .. طبرق .. المخيلي .. تاكنس .. قمينس .. قصر خيار .. جردس العبيد .. القبة .. ليستـقـرّ به المقام فى درنة .. وين ما تربّي عـيشك كوله .. لم يمض زمن حتى امتلك شقة على بحر درنة وسريعا ابتسم له الحظ فـتـزوج هـجـّـالة فاتـنة من أعرق قبائل القـُــبـــّـة ..
نادل مصري دخل المحل يحمل سفرة كبيرة مليئة بأطباق الفول والطعمية والبيض والبطاطس المقلية والمخللات والسلطات والطحينة .. وضع بعضهن أمامنا ومضى إلى المحل المحاذي .. أخرج شعيب كيس خبز التـنور من تحت الطاولة وناولنى رغيفا قائلا : تـفـضّـل باسم الله وإلا أتريد خبـيـزة شعير .. أحبّ خبز الشعير ، لكن حتى خبز التنور لذيذ .. بدأنا نغمّس في مهروس الفول المدمس الساخن المثوّم المزبّد .. ونصيب من الطعمية والبطاطس والمخللات وأوراق الجرجير .. أكلت بشهية .. لم أشعر بالريبة أو الامتعاض .. جاء جابي الحرس البلدي أثناء الأكل ..
- لا سلام على طعام ..
أعطاه شعيب أجرة المحل اليومية واستأنفنا ازدراد طعامنا ..
طيلة سريدنا كان يردد لازمة تقول : " شعيب ما يدير العيب " .. كان أبوه دائما يرددها له .. ويوقف شعيب لوكه ليُعلن لي بهمس أنّ ما يفعله ليس عيبا .. كله في السليم .. ويضيف بهمس خفيض .. أنا مربّط حبالي كويس .. مـزبّـط الحكاية ميّة الميّة .. أنبيع شرايط باثـنين جنيه وبثلاثة .. وقام من مقعده يغيّر شريط بوعبعاب بشريط أم كلثوم رافعا مؤشر صوته قليلا مصاحبا أم كلثوم في أغنيتها بعيد عنك حياتي عذاب .. موجها نظره تارة إلى مطروح حيث حماره وتارة أخرى إلى القــُبـّـة حيث زوجته في زيارة إلى أهلها .. كنت منفعلا مع أغنية بعيد عنك حياتي عذاب .. دائما الإنسان يحسّ أنّ أمله بعيد حتى وهو بجانبه ..
اللا امتزاج بعيد مهما التصق .. وإذ أحسّ أنني سأبوح سبقني ..: تعرف يا محمد أنّى بعد ما نشبع لازم نسمع أم كلثوم .. ونأخذ نفس عميق من هواء ربي .. بُص ..
ووقف ناحية النافذة استـنشق الهواء طويلا ثم رفع كوز الماء إلى جوفه وأنزله فارغا ..
- صحيحـتـين يا شعيب أنت شاكر نعمة .
- الله يدوم عزنا وعزّك وعـز هاذاك الفارس اللي في الصورة.( يقصد الزعيم معمر القذافي )
ناولنى سيجارة مارلبورو اعتذرت فأشعلها هو وعمّر لي كرسي النرجيلة .. وصفق تصـفـيـقـتـين قـويتين فهرع المصري بأكواب شاي الكـُشري .. ناولني كوبا ووضع أمامه كوبا .. ابتسم في وجهي قائلا : مبسوط ..
واستمع ردّي بحبور : مبسوط كثير فوق من اللزوم .. أنت الواحد لما يبتعد عنك يشعر بالاختـناق .. بالعربي اخلوقه يضيقن .. وتطلمس قدامه وأخرى وراه ..
وضحك للإطراء فمدّ لي قطعة أخرى أخرجها من عمامته واستغرق في دخانه وفي حروفه الشبعى المندلقة من فمه ثـقيلة جافة . لكنها مُعبرة وصادقة .. تعرف يا بو صاحب .. قبل ما نجي إلى ليبيا اشتغلتْ ناظوري في حي البطنية .. الشرطة والمباحث والمخبرين والمفـتـشـين انشمّ في دين أمهم من مسافة خمس كيلو متر مربع .. كـنت نكسب كويس .. مستورة والحمد لله .. وفـّرت قرشين على حالي .. كل التجار تحبنى وتدّينى اكراميات كبيرة .. كـثير منهم خلصتهم من البوليس والمباحث .. لولا تـنبـيهى فى الوقت المناسب لكان انـقـبض عليهم .. وراحوا في شربة ميّة .. وراحـت بضاعتهم في ستين مليار داهية .. فكرت اشتري شقة واتزوج واستـقـر .. لكن في مصر ما استريحـتـش .. ايقولولي .. أنت يا عربي .. أنت يا ليبي .. أنت مخـّك صغير .. وراسك ما بينصلعش من الذكاء .. وحريمكم ما تروحش البحر وما تـنختـنـش زيـينا .. .. فكرت .. تعمل إيه بالقرشين دول يا شعيب .. ابن حرام قالي ارميهم في شركة توظيف إسلامية اموال عشان تكسب عشرين في الميّـة وانت مستريّح .. تلك الفترة كانت فيه شركات كثيرة بتـشتغل في كل شيء .. وربحها حلال مافيشي ربا ولا ريحة زقوم .. حتى أصحابها عاملين لحي أطول من لحيتي دي بخمس مرات .. اعطيتهم القرشين وادوني وصل مختوم ومبصوم .. قبضت أول مرّة خمسمائة جنية .. فرفـشت ودخلت مسرحية عادل إمام في شارع الهرم .. وبيّت مع بنت من الجامعة لابسة ترنق أحمر بزراير سودا .. عملت فيها ليلة سودا زي النيلة .. قالتلى انت مش مصري .. يا راجل ناملك ساعة .. وبعدين خلاص ما ربحونيش حاجة .. مامرتـش سنة حتى قريت فى الجرنال أنّ فلوسي ضاعت .. وصاحب الشركة ساب لحيته في المطار و هرب للخارج مع زوجاته الأربعة .. انخرب بيتك يا شعيب .. معاش جتـني نفس أشتغل وأحوّش من جديد .. واللى زاد الطين بلـّـة انقبض علي وسجنوني فى السجن السياسي ..
- سياسي !!
- ما تخافش اسمع باقي الحكاية ..
خذ القطعة دي مشـّـي بيها .. إسمعني بس .. عليك الآمان .. إحنا كلينا عيش وملح مع بعـض .. تقدر تدّينى سرّك وانت مستريح .. وانا كمان ما خبيتـش عنك حاجة .
وأخرج لي من محفظته صورة قديمة يظهر فيها بلحية كمخلاة تأملتها وأعدتها له..
الصورة دي اخذتها في مزار سيدى أحمد البدوي امتاع ربنا .. لكن مش حاحكيلك عالصورة ومن اخذهالي .. دي حكاية أخرى حيجي وقتها واحكيهالك .. لمّا جماعات الإسلام السياسي صارت تـفجّر اتوبيسات السوّاح وتحرق نوادي الفيديو ودور السينما و تذبح في الكتاب والصحفيـين والفنانين الغلابة أنقـبض علي .. كنت فى محطة المترو .. أفكر أروح فين .. كانت لحيتي طويلة حبتين ولابس جلباب أبيض و شايل شنطة بيضاء جديدة يا دوب اشتريتها من بولاق الدكرور .. وأنا بحجز تذكرة للمعادي مسكوني اثنين ولا فتوات الكابريه .. فتـشوا جيوبي .. شالوا منها كل حاجة .. فتـشو الشنطة ومالاقوش فيها حاجة .. لكن ما سابونيش في حالي .. ألولي أنت إرهابي .. أخذوني معاهم بعد ما عصبوا عيوني وكمموا فمي وغطوا راسي بكيس خيش .. هناك حاولت أفهّمهم أنّ ناس مطروح كلها بتعمل لحي وتلبس جلابيب وتـبربش فى اسنانها بعود السواك .. لكن ما فيش فايدة .. ولا ضابط او عسكرى أو بوّاب رضى يقـتـنع .. بهذلوني .. خلعوا اثـنين من ظوافري اللي ما بقصهاش .. حطولى خنفساية بنت كلب فوق سرّتي وكفوا عليها طاسة صغيرة .. دخلوا علي ثلاث كلاب سلوقي مرمطتني .. قعدوني على شيشة بيبسي كولا جاب ربك انها دخلت بسهولة لأني عامل ثلاث عمليات بوسار من قبل .. بلعوني حبوب منع حمل وحبوب ثانية خلتـنى اقول اللى هم عايزينوه .. تصور قالو لي انت عاوزتـقـتل سيادة الرئيس .. كيف أقتله وأنا معلق صورته فى داري .. هو أنا شكلي يا محمد يقدر يقـتـل بعوضة .. صرختلهم انى مانيش سُنـّي .. حشاش .. خامورجي .. ما بصليش .. لا جمعة ولا فجر .. لا عيد ولا جنازة و لا استسقاء .. جماعة البطنية والعتبة والأنفوشي يعرفوني .. حلـفتلهم بالله بالمصحف بالاهرامات .. برمسيس .. بأبي الهول .. لكن ما فيش فايدة .. رمونى شهور في زنزانة انفرادية ماسألش عنى حد .. في يوم من الأيام زارت السجن جماعة خواجات اوربيين او امريكان قالوا إحنا لجنة من منظمة حقوق الانسان .. بنت من بناتهم سألتـني إيه مشكلتك تبع أي تنظيم .. قلتلها متبعش حد .. قالتلي يعني مستـقل .. قلتلها ولا مستـقل ولا حاجة .. أنا مظلوم .. مظلوم .. وفي لحظة غضب نزلت سروالي عيطلهم على طول حرجومتي : أنا مانيش مسلم شوفوا .. بصّوا زبي ! .. أنا مش مختون ..! أنا مسيحي يا مسلمين .. يا حكومة .. يا اولاد الإيه .
بصّوا في وسطي جميعا .. حتى حلاق السجن جاء يجري وبص عن قرب وهزهز زنانتي بإصبعه .. هزهزوا رؤوسهم وسجّلوا كلمات فى دفاترهم وصوروني عريان على البلاطة .. فى عشية نفس اليوم اطلقوا سراحى وادونى اقرشين علشان اروح لمطروح وأقفل فمي على اللي حصل .. الحقيقة يا محمد انا مسلم .. لكن وأنا صغير مرضت بالحصبة .. أمي خضرة ما رضيتـش أطهرني وانا محصوب .. جدّتي مغلية قالتلها أوعي يطهر دلوأتي .. دا مايحتملش الجرح .. ما مرتـش ايام حتى ماتت أمي خضرة الله يرحمها.. صار أبوي مشغول فى العمل على العربة والحمارعشان يدبر لجدتى ثمن حليبي ودواء السكر والضغط تبعها .. لما كبرت شوية ماتت جدتي و مرض أبوي كمان و يا دوب شهور مات هو الاخر وتركلي الحمار والعربة اشتغل عليها من الفجر إلى الفجر .. الحمار عارف الطريق وعارف ازاى يلتـقـط الزبائن من النواصي ويشد فرامل نين يركبوا الركاب كويس .. يتـفاهم كمان مع رجال المرور .. مرات أسوق وانا نايم او مسطول .. الحمار عمره ما سببلي مشكلة .. حمار متربي ابن مربط .. المهم العمل المتواصل أنساني موضوع الطهارة .. لكن شوف رُب ضارة نافعة .. وكان طهرتْ رانى زماني معدوم دلوقتى وإلا أشغال شاقة مؤبدة وإلا مبيوع لغوانتانامو ..
والحمد لله ربي كرمنا وفتحتْ ليبيا وجيت هنا واشتغلتْ وتزوجت .. تصور أنّ مراتي ما فطنـتــش إني موش مطهّر إلا بعد ثلاث شهور من الزواج .. معلش يا حماري آسف تـزوجت قبلك .. شاورتها اعمل إيه .. إنجيب طهـّار يطهرني في الشقة وإلا أروح لمستشفى الجامعة العربية أطهـر اهناك .. صرخت فيّ ..: ألعب على أي حاجة إلا هضا .. خليه كيف ماهو .. سيبا برضا .. رد بالك تقرّب شورا .. النـق عليه يقصره ينومه.. يعطيه بعين .. طهر لحيتك .. صوابعك .. خشمك الطويل .. لكن هضا مش ملكك .. خليه كيف ما هو .. كيف ما خلقه ربي .. أنا راضية بيه هكّي .. مكيفني .. عاجبني يا أخينا .. ومرات يا شعيعيـبتي يقبضوا عليك هنا ويصيرلك كيف ما صارلك في مصر مش تـندم على تطهيرتا ..
وياخوي محمد بينى وبينك كلامها مقنع .. بصراحة مراتي ما نقدرش نرفضلها طلب .. شن دخلني .. البير اللى تـشرب منا ما ترميش فيه طوبة .. عارف أخو مراتي شن ماسك.... لجنة التطهير في المنطقة ..
ارتـشفت قهوتي في مقهى أبي شوشة ومن ثمّ تجولت في سوق الذهب .. زنفليقة إناث تدخل محل وتخرج منه لأخر.. يتـفرجن على الحُلي وأردية العمل و الحرير .. فرد حرس بلدي يـبتـز بائعا ّسودانيا في الزاوية.. عجوز هرم في يده كردان وعقد طاووس يدلل بهما .. يعرضهما على أصحاب المحلات .. منهم من يتأمله ومنهم منى يهزهز رأسه معتذرا .. خرجتُ إلى الباحة التى أمام السوق .. حيث فندق الجبل الأخضر والمسرح القديم وبعض الادارات الرسمية والمقاهي ومحلات العطور واشرطة الكاسيت ..انحدرت إلى الشارع الصغير الصاعد لمسجد الصحابة.. فى حديقة وسطه الصغيرة بعض المدرسين العراقيين يتجادلون مع مصريين وفلسطينيين .. تأملت ضريح سيدى الوشيش المغربي المبيض بالجير .. قبته لطيفة .. وموقعه مميّـز .. لو كان حيّا لأكترى منه التجار واجهته لفتحها دكاكين .. قرأت له فاتحة في السر وواصلت المسير صاعدا تاركا الحلوائي وواجهته الزجاجية المليئة بالبوريك والتورتات .. مصوراتي عيت بوزيد يقابله وتريا .. الصور المعروضة تتأمل الحلويات المعروضة .. السوق مكسد والجماد يشتري بعضه ويرجع البضاعة لأنه ميت .. ثمة علاقة بين الصور والحلويات .. ثمة تآمر خفي .. كل من يحتـفل يشتري الحلويات ثم يصوّر خيـبته المتضاحكة.. عدت إلى الباحة الواسعة بضعة شيوخ جالسين تحت الشجرة الهرمة الوارفة .. يلعبون طرح السيزة الصباحي ويعملون النميمة في أعراض الناس وسياسة الدولة والعالم .. غادرت الباحة عائدا إلى سوق الظلام .. زمرة أخرى من النساء المجلببات يتجولن بين المحلات .. يبدو أنهن معلمات مدرسة تقاضن رواتبهن هذا الصباح .. اقتربت من واحدة استهوتـني .. استلطفتها وأشعر أنها استلطفتني .. ملامحها لا بأس بها .. يفوح منها عطر بلو ليدي وعلى خصلة شعرها الخارجة من المحرمة ذرات طابشير .. سألتها كم الساعة فابتسمت وقالت: الساعة ساعة الله ..
وأدارت الحزام القابض على معصمها نصف دورة لترينى أنه ليس ساعة إنما إسورة فضّية صمّاء لا نقوش عليها .. سألتها: هل تـفـضلين أنْ تضعي للإسورة ساعة أم تتركينها هكذا ..
ابتسمت ولم تجب !
.. فأضفت : إسمي محمد .. ما رأيك لو نقشتي على معصمك حرف m ..
فرد الحرس البلدي ترك السوداني وانهمك يراقبني وبعض أصحاب المحلات أطلقوا أنظارهم عليّ .. وإذ رأت إستغرابي طمأنتني قائلة :
ما تعدلش على قيّادة لحوال .. حرف m إعتبر ميمي نقشاته في قليبها .. لا أريدُ أنْ أقرن حرفك بالزمن .. لا أحبّ أنْ أضع ساعة أو أنظر إليها .. ما ورائي شيء حتى أتأخر .. والذي أمامي الآن هو أنت .. غدى أنت أحس ذلك .. الحي في اللى يا لاه .. هكذا أوصتـني المرحومة أمي ..وواصلتُ : ربي يخفف عليها التراب الثـقيل ويدخلها فسيح جناته ..
وتمتمنا بالفاتحة والدعوات .. تأملتني ودمعة هابطة من عينيها أسعفتها بمنديل .. مسحتـْها ودسّته فى الحقيبة .. طلبتّ المنديل ذكري .. أستريح للمناديل المبللة بالدموع الودود .. الدموع المذروفة على الأمهات .. رفضتْ إعطاءه بهزة رأس عنيدة .. همستُ قرب أذنها بحبك .. فأسبلت عينيها وكأنها راحلة في حلم .. فرخ الحرس البلدي إقترب أكثر.. جلس قـُبالتـنا بالضبط .. غيّر جلسته الى قرفصة انقضاض .. لا أدري ما دخل الحرس البلدي في شرطة الآداب .. هل سيقول لي هل لديك رخصة مغازلة ؟.. قلت لميمي بصوت مسموع ..:
لا أحب أسواق الظلام .. ما رأيك لو إنتـقلنا إلى مكان أضوأ .. مكان أعمى طاهر من العيون .. بصراحة دخلتى خاطري وأحبّ أنْ أبوح .. أبتزازعواطفك ليس من شيمي .. أنت على ما يبدو طيبة ولا ينقصك شقاءا وبؤسا .. سأكون لك سعادة .. أملا بهيجا .
بثـقة أعطتـني رقم هاتـفها .. وإسم وعنوان مدرستها .. وعنوان بيتها .. أعطتـنى قلبها من أول نظرة .. بقيّة المعلمات رفيقاتها زغردن سرا وبعضهن خلعن الساعات .. رمن بهن في حقائب أيديهن المكبـّـلة .. رافـقتها وسط شارع وسع بالك .. مررنا من أمام مكتبة اللافي .. نجونا من شرَك القصائد .. لا شعراء تستيقظ صباحا ولامتـشاعرين تهمهم المكتبات .. في نهاية الشارع إفترقنا بإبتسامة ممتـزجة بالرجاء .. يممت يسارا أريد ُ البريد .. في البريد هاتـفت بنغازي .. أخبرت أحد الأصدقاء أنني أحببت .. طلبت منه أنْ يُطمئن أهلي يعلمهم أنني بخير وقد أتأخر أياما في درنة لأتيهم بنبأ يفرحهم .. تركت البريد القديم وانحدرت شمالا ناحية البحر .. على يميني مكتبة عوض المسماري العتيقة صاحبها كهل يضع عوينات سميكة .. يبيع للطلبة جداول دراسية ودواوين نزار قبـّاني وللطالبات روايات بوليسية وعاطفية ولـفتى بدوي نزل من التميمي الآن كتيّب يحتوي إشارات المرور الواجب حفظها لمن يريد الحصول على رخصة قيادة درجة ثانية .. تبيح لحاملها سياقة سيارة نجدة أو حافلة صغيرة أو سيارة أجرة داخل وخارج المدينة.. تفرّج البدوي مليا على الكتيب ثم دسّه في جيب كبوطه الزيتي .. شكر المسماري وخرج قافزا في سيارة القلع المنتظرة .
وصلتُ شاطىء البحر الذي أراه هادئا والطريق أمامه تمرق منها السيارات بسرعة .. اعتليت رأس مسدّة صخرية .. في يدي بعض الزلط الذي صقلته الطبيعة على مَـرّ السنين .. إنتـقيته قبل الصعود .. أرميه الآن في البحر بطريقة ( طقة غزال ) وهي أنُ تجعل الحجر يغطس ويظهر ويغطس .. يفعل ذلك أكثر من مرة .. الرامي الماهر هو من يخيط البحر الممزق أكثرمن الآخرين .. عليك أنْ تـنحني أكثر أثناء الرمي .. وأنْ تـنطلق حجارتك ويدك تتحرك نصف قوس من أعلى إلى أسفل مع عقارب الساعة .. كنا نلعب هذه اللعبة صغارا .. نخيط غدران بنغازي وسباخها المالحة بحجارتـنا غير المدوّرة أي الرقيقة المستطيلة حادة الحواف .. نسمي هذه الحجارة شرّيبة .. هي إبرتنا وسلكنا .. لاشيء نرتـقه غير أقمشة الرذاذ .. أكملت رمياتي وتعذر لي غرز البحر أكثر من غرزتين في كل رمية .. الموج الخفيف يبتلع الحجر ويكتمه إلى الأسفل .. أشعر بالعطش .. دخلت إستراحة السويّح السياحية .. طلبت ماء معدني بارد وكوب عصير أناناس .. من يشرب الآناناس يحبّ الناس .. الطاولات نظيفة والكراسي مُغطـّاة بالقطيفة الغامقة .. صوت موسيقي سيمفونية بتهوفن ينساب من مصداح الحاكي .. أرشف ببطء وأتأمل البحر .. طيور النوارس تـشاكس بعضها في الهواء وتـتـّجه إلى الميناء القريب .. في الإستراحة عاشقان يتهامسان .. أحيانا تغرز الفتاة شوكتها في قطعة بطاطس .. تغمسها في المانيولز والكيتـشاب وتضعها في فم الفتى.. يخفضان رأسيهما سريعا ويتظاهران بأن كل واحد يتـناول طعامه على حده .. تذكرت ميمي التى التـقيتها في سوق الظلام .. ذات العينين الواسعتين والجسد الخمري المتين الميّاس .. و الأنف الدقيق .. والشفتين الشفريتين الرقيقتين بلون الكرز البرّي .. والأسنان البيضاء اللا منتظمة .. مشيتها تـقتلني .. تتمايل كسعفة تدغدغها نسمة غَنجة .. عندما تبتسم يزداد وجهها النضير إشراقا وتـنحفر نقرتان آسرتان وسط خديها .. راحتها ناعمة دافئة ما أحببت أن تـنتهى المصافحة وهي تودعني .. بعد خطوات عُدت إليها .. صافحتها مجددا قلت لها في السوق أذ تعرفتُ عليك لم أصافحك .. شدّتْ على راحتي بقوة و ربتت على كتـفي الأيمن براحتها اليسري .. كنت أتملّى من عينيها أكثر .. عيناها جنان من اللذة .. وشفتاها جهنم الإرتعاش .. لا أحتمل أكثر .. إستدرتُ وغادرتُ دون إلتـفات .
مللت إرتـشاف البوارد .. مللت نفسي والحديث إليها .. مللت موسيقى بتهوفن وموزارت .. مللت تأمل البحر .. بحر دون ميمي حضيض نازح .. مللت زمنا أكون فيه وحيدا ..
إستقللت سيارة أجرة إلى سوق التوانسة قلت لشعيب لا تحك معي أي حكاية .. مـزّبرة و رأسي متصدّع ولست مستعدا حتى للعسل .. ناولني النرجيلة أولا .. أو أي شيء ينعشني .. أعطني مزاجي لتجدني .. أنا مفقود داخل الإتـزان .. رنحني يا جدع ..
ناولني خرطوم النرجيلة وقرص أرتان.. لم يعلق .. فقط إبتسم .. إبتلعت القرص وجبدتُ من النرجيلة أنفاسا جعلتْ الجمرة التى فوق الكرسي تـتلهلب , رشرش عليها شعيب قطرات من الجرّة فأنطفأت ورفعت سحابة دخان باردة . مازالت ميمي تطرق مُخيلتي .. لم أصادف جمال روح من قبل كهذا .. روحي تهتـز .. وقلبي تـشاجر مع نبضاته ليضع ميمي مكانها .. نورا .. فرح لموتك الآن .. لو كنت حيّة لصرتُ في مأزق .. كيف أتركك و أختارها .. وكيف أتركها وأختارك .. الحل أنُ أنتحر .. تساوى الخيارات يمزّقني.. قلبي جبّار لا يميل .. لا يكسر .. لا يبدد ميزان خفيف في الهواء .. سلك كهرباء تـقف عليه اليمامات ولا يصعقها .. اليمامات مسددة فاتورة الكهرباء ببيض الصدق .. ناولني شعيب سندوتش شاورما .. شكرا .. فطرت عند صبري .. أقسم بالطلاق .. فقضمتُ منه ليضاجع زوجته القبّـيَة بذكره اللا مختون حلالا ..
الشاي حلو .. والجو عال العال .. وشعيب فتح شريط المطرب عبدالجليل الهتـش الذي صدح بتبرويلة:
انت عالي من عال إلى عال .. أنت غزيّـل واسمك عالبال ..
زولك خايلْ ... وخزرات عيونك تقتلْ
وين تبقى غايب وتطلْ
حتى الشايب يزيد ضلالْ
وصاحبناه بالرقص المبهج لكن توقفنا فجأة وتهالكنا على مقعدينا فالغائبات وصلن.. مجموعة معلمات شرّفن السوق .. ليس فريق ميمي .. وليس بينهن من تـشبهها .. توارن في إحدى محال الزينة والإكسسوارات والبخور .. بدأنا في الحديث عنهن وانقطع حديثنا المحتد بدخول المحل ثلاثة رجال منشرحين .. هم أهل الطفلة فوزان .. فـنّص فيّ شعيب لئلا أتصرف بتهوّر .. انتحى بهم جانبا.. ناولهم أوراقا ومبلغا ماليا متـفقين على اللقاء لاحقا .. غادروا ليعود شعيب يحدثني ..: في هالعالم تـفتح دماغك تكسب ذهب وأنت مستريح حاط رجل فوق رجل
.. خمسة الاف دينار وأنا جالس .. نعمة من ربك وإلا .. لا.. عارف الوليد اللى دهس البنت أمس عطانى ألف وتوّى أنهوّ قاعد في حوشه مع مراته مستريح .. وأهل فوزان سيعطوني أربعة ألاف دينار بعد ما يطلع التأمين .. والتأمين في إيديا .. السبت الجاي يكون مصروف .. عارف اللى ماسك التأمين شن يقربلي .. إبن أخيي ومراته متلاقية مع عمتي في مزار سيدي أحمد البدوي في طنطا .. كان فيها جن .. طلعناه منها في طنطا وزوزناها لإبن أخييّ هذا .. وانا بعد ما جيت ليبيا زوجتـني من بنت ناس محترمين .. هيا اللى صورتـني بلحيتى الطويلة زمان .. وجابت معاها الصورة .. قالت للصبايا الشيخ شعيب هو اللى طلع مني الجن وزوّزني .. تعرف يا حميده لوكان نبي نـشتغل شيخ جن وحجابات نكسب الذهب .. متحشم من نسيبي اللى فى التطهير .. لازم نحافظ على سمعته .. أنا نفهم الأصول لأنى إبن أصول .. ليبي أصلي وبص شهادة الجنسية المعلقة بجانب رخصة الدكان .. انا نعرف نشتغل كل حاجة .. أمتع كلّوا .. لكن مرّة مرّة نشتغل في هالشغلة دكنوني .. من تحت الى تحت .. خاصة كان الممسوسة طرف باهي .. تستاهل ان الواحد يضيع وراها .. الحقيقة يا حمودي النساء والبنات في ليبيا يدلعن ويتـمقعرن حبتين .. ما فيهنش جنون ولا حاجة .. جنهن بين كرعيهن .. يريدن يتـزوجن بس .. يريدن الفراش لا أكثر .. مفروض اتطهروهن ( تختنوهن ) كيف مصر والسودان واليمن وسلطنة عمان .. خوذ .. خوذ أشفط أخرى .. وانت يا محمد شن مشكلتك أنا تحت أمرك .. أنت مارّيدش منك فلوس .. أريدك مبسوط بس .. لأنّ دمك خفيف وماشي مع مزاجي .. انحبك تبني مستقبلك .. ادير صيّور على روحك .. تبني شخصيتك في هالرواية كيفي .. شن تحب تسمع في هالضحى بعد عبدالجليل الهتـش ..
- قرآن كريم
- سيبك من القرآن ياراجل ..
- فوزان ميتة ومازالت مندفنـتـش ..
- واحنا شن دخلنا .. هو نحن خلّـفناها .. متكونش عاطفي حبتين ..
لم أردّ .. تجرعت من كوب الشاي وأخذت أنفاسا متتالية ملأت رئتي وخرجت .. لم تـفلح صيحات شعيب واعتراضه لاندفاعي .. دفعته وواصلت طريقي إلى خارج السوق ..

أمام السوق قابلت هابيل مازال يطرح بسطته ويصفف قنانيه .. لاحظ غضبي فحاول أنْ يرفع بسطته ليتبعني فمنعته وأصررتُ ألا يرافـقني .. قلت له أنني ضيفه وعند العصر سآتي إليه .. قادتني قدماي ناحية الساحل الشرقي سور نادي الأفريقي المحوّر إلى دكاكين على يميني .. في الناصية مسجد حديث تركته وصعدت صوب الجبل .. يمين بصري يستند علىعمارات شعبية من شرفاتها بسط متدلية تمسكها كراسي منكفئة عليها قوائمها ترتكز على جدران الشرف .. مدرسة باهتة اللون من ستة عشرة فصل سورها منقوش بالمقولات الثورية .. من تحزب خان .. في الحاجة تكمن الحرية .. الرياضة للجميع .. السود سيسودون في العالم .. التعليم الاجباري تجهيل اجباري .. الطفل تربيه امه .. البيت لساكنه .. وغيرها .
يساري مصنع درنة للملابس الجاهزة ومحل كبير لترقيع الإطارات ونفخها ووزنها.. فمدرسة المناهل للتعليم الخاص وأطفالها يرددون أنشودة .. :
مدرسة المناهـل ... يا شعلة نـشاط ..
علم وفـن وراحة ... آخر إنـبســاط ..
توغلت في مساكن الساحل الشرقي.. عمارات شعبية .. فبيوت أرضية شعبية من دور واحد .. سوق الحَمرْ مقفل مغبر في ظله يعشّ المتقاعدون حول السيزة .. مدرسة المرحوم عبدالكريم جبريل .. معسكر جيش يلتصق بشركة كهرباء .. بيوت أخرى غير شعبية تطل من شرفاتها أصص نباتية .. فتيان واقفون في النواصي .. وبنات تتلصص من شقوق حصائر النوافذ .. أدخل من شارع وأخرج من الآخر .. سألت مصري أمام كوشة البكوش عن المدينة فأشار إلى طريق أمامه .. سكبت نفسي أو سكبتـني عواطف وأحاسيس الساحل الشرقي في إخدود الطريق الهابط إلى وسط البلاد .. لا أدري لقدمي أين ستأخذاني ..لم ألتـفت وحثـثتُ التباعد .. تراءى لي فندق المدينة القديم القابع تحت اقدام باب طبرق .. تركت المشي حذاء صخور الطريق المتآكلة .. عرجتُ يسارا إلى شارع الجيش الكبير المفضي إلى مسجد الصحابة .. بعد عدة ورش وبقالات ومعارض أثاث وحلاقين ومحلات ملابس ( أوكازيون ) ونوادي ألعاب ترفيهية وعطّار ومدرسة بنات جديدة الطلاء يغطي سورها اللبلاب .. وصلت إلى سنفاز الحاج التونسي .. يقدم مع السفنز الزلابية والمخاريق والمقروض .. يعد الطُـُعمة بحرفنة ومهارة عجوز في السبعين .. يرتدي بدلة عربية سماوية
فوقها فرملة كحلية وعلى رأسه معرقة نظيفة ناصعة البياض متمنطق بقشطة بيضاء تقيم ظهره وتمنع عنه التعب .. سلـّمت عليه وطلبت سفنزة بالدحي .. كانت رائحة المقالي والسكر المذاب تـُفعم أرجاء المحل ومحيطه ..
أعدّ السفنزة بترحاب ودود.. وضعها مائلة في الصينية المثـقبة لتتسقطر جيدا من زيت الزيتون ثم دنـّاها قربي في صحن ألمنيوم نظيف .. رششت على حوافها قليلا من الملح وبدأت أمتص وألوك وأزدرد بشهية .. أحاول أن أبيد قضمة الشاورما المخللة التى تناولتها في محل شعيب .. و دون أنُ ألـفت إنتباهه صرت أستلذ بتأمله .. جلسته الواثـقة أمام طست القلي الفائر.. جبهته العارقة المتغضّنة التى يمسحها بوزرة ناعمة.. طريقته في التـقاف قبضة العجينة من وعاء البلاستيك .. ترقـيقها وتمديدها وتمطيطها وتدويرها بكلتا راحتيه وكأنه يبندر على بندير صغير .. ثم رميها في الزيت المغلي وتـثـقيـبها و تـقـليبها بالمهمازالمعدني .. ثم تـبليله راحتيه في آنية الماء ليلتـقف قبضة و قبضات لزبائن درناويين غصّ بهم المحل فجأة .:
- وراسك يا حاج وحيدة بدون دحي واحرق جوانبها كويس ..
- ثلاثة بالدحي نصف أطياب يا حويج..
- عشرين عاديات الساع ارد عليك بعد ما انجيب قلوني لبن من العزايز..
غسلتُ يدي بالصابون السوسي ثم نـشـّفت بمنشفة جافة رماه العجوز ناحيتي ..شكرته فابتسم لي وهو يرد لي باقي الدينار في مدخل المحل صندوق حديدي صغير لجمع تبرعات لبناء جامع زقـّيت في شقه باقي الدينار ..
مررت بحلاق .. دخلته .. خففت لحيتي وصنعت لما حول ذقني قـفـيل شعر.. تجولتُ في سوق الخضر واللحوم .. شممتُ النكهات .. رائحة الشمام والنعناع والسمك الذي يبدو أنّ بعضه مُتعفن .. عجائز يُبعن اللبن والزبدة والسمن والعسل البلدي .. باعة الحليب ينادون على حليبهم المبستر المجلوب من البيضاء وبنغازي .. دجاج معلق من رجليه في المسالخ المواجهة لمسجد الصحابة .. أرانب في أقفاص تـنتظر الملوخية .. ديك رومي مربوط فوق قـفص متهدّلة فلفلته الحمراء ..
تجاوزت السوق وفي مدخل مسجد الصحابة كنت مترددا في الدخول .. أنا لستُ مخمورا .. لكنني مسطول وزارط حبوب .. وعيناي حمراوين .. بعض المارة يدخلون ويغيبون في الداخل .. إمرأة طويلة ملتحفة بفراشية عطرها ينفث وراءهـا ولجتُ مبنى الصحابة بلا ريب أو وجل .. هي شبيهة بالتى دخلتْ مكتبة اللافي ووقف لها العوكلي تـفحلا وإذكرارا.. نسيتُ الصحابة والمرسلين وخضتُ وراءها .. مرّت من بين روضات زهير البلوي والفارسي وابن بر القيس (الزوّام ) .. رضوان الله عليهم جميعهم .. وقفتْ قليلا أمام بئرهم القديمة وواصلت مسيرها خارجة من المسجد الى اعلى .. وجدتني أصعد وراءها المسرب الجبلي المتعرج المُفضي إلى جلوة أبي منصور .. أحجارالصوّان متـناثرة حول المسرب .. ونبتات الزعتر المُداسة والظامئة تجاهد البقاء .. اوراقها تـنسحق و قعمها تـُقاوم .. أكياس بلاستيك واقعة في شرك النباتات الشوكية .. الريح لا ترفع البلاستيك إلى أعلي طويلا .. قـنينة بلاستيكية من أعلى بطنها يطل خرطوم صغير ركلتها الفتاة جانبا .. إلتـقـفتها وشممتها.. مازالت بها رائحة حشيش .. كنشة بدائية .. شممتُ موقع الركلة في بطن القنينة وتـتبعت المرأة .. ألهث وراءها وهي تلتـفت بين حين وآخر.. تبتسم وتعيد اسنانها الى عضّ طرف فراشيتها .. لا أدري أتعرني أهمية أم لا .. أتبتسم لجرأتي أم لجنوني .. ؟ لتحفيزي أم لتيئيسي ؟ وصلنا السفح حيث بيوت بومنصور القديمة وأمكنة السواقي للمياه المنحدرة من الشلال .. هكذا كانت درنة ترتوي .. في الماضي لا توجد في المدينة شبكة أنابيب مياه أو مضخّات .. الشلال يهبط من أعلى .. في الطريق تـُقام له سواقي تسقي الناس والحيوان والنبات والفائض يواصل مسيرته إلى البحر الظاميء عبر وادي الشواعر القاسم درنة نصفين .. الشلال يصبّ في البحر من مجرى واحد .. لكن الأسماك كما الأفريقي ودارنس .. كما العشائر المتـناطحة تـتـشاجرعليه .. منذ زمان شمّت الدلافين رائحة زكية وأطفالا يغنون وأشعارا صادقة تتهادى في الأثير ورقصات مبهجة تفتك بالملل وتذيب الترهل ونسيم طري ودود وماء عذب رقراق وبركة وسكينة من صحابة عاصرت سيد الكائنات وحكايات حب حقيقية لا فراق فيها ولا ألم ولا خيانة جبانة .. سلام روحي وجسدي ونفسي .. آمان وإطمئنان حقيقيان .. أغرتها درنة بإنسانيتها وروحها الحيّة فجاءت الدلافين إلى شاطىء درنة لتلعب .. لعبة بريئة منطلقة حرّة .. لعبة حلوة غير لعبة السيرك المجبورة عليها .. لعبة دون ثمن .. دون سمكة مسكينة مخنوقة تقدّم قربانا لجلب البهجة .. وصلت الدلافين ذات فجرية .. في النهار تـفرجت عليها الناس .. إبتهجت .. وليتها ما ابتهجت فللبهجة أعداء سرعان ما تـنادت وترهطت مضروبة في مئات ..
خرجوا من الوادي كالجراد .. غربه وشرقه .. نزلوا من الجبال .. إنبثـقوا من البحر .. هبطوا من الفضاء .. درنة أكوام من البشر .. لكل كوم رأس أرعن .. إجتمعوا في سقيفة مظلمة ناقصة .. حاولوا إقتسام الدلافين السابحة .. إقتسموا أولا رقصاتها .. علي الطلاق تـقصد بالرقصة هذه عيت فلان .. شوف شوف كيف ترفع في خشمها .. كيف بنات قـبيلتنا قبل أن يتزوجهن فوّال أو بنغلاديشي بالضبط .. كل كوم قال هذه رقصتي .. لن أسمح بالفرجة مجانا .. بل بعضهم قال الدلافين خرجتْ في مائي .. قبالة أرضي .. من أراد الفرجة يمنحني جعلا .. وأحضر أسلاكا معتمة طوّق بها مساحة لا بأس بها محاولا تجفيف الشاطيء من الضوء .. والبصر من الرؤية والأطفال من الضحكات العبيرة .. وتقاتلوا حتى هجّت دلافين السلام والشورى .. رأتهم قروشا لايتورعون في نهش بعضهم فما بالها هي .. اللى ما فيه خير للتراب ما فيه خير للبحر .. غادرت مسرعة لئلا تستن سُنة جديدة باقتسام البشر كائنات البحر .. اعتذرت لعروس البحر .. لا ترسلينا مرّة أخري .. من رأيناهم لا يريدون دلافين .. يريدون قروشا .. ارسلي لهم قروشا .. ليس قروش بحرية يا حبيبتي .. قروش مالية .. فلوس .. كي يضحكوا ويلعبوا معنا دون صيدنا .. وهم مفلسون دمهم ثـقيل .. أخالني آنذاك حزينا .. أخالني سأبكي .. أنْ تغادرني سمكة مبتـئسة فتلك الجريمة ..آخالني أقرأ في جريدة دارنس كلمات للفتى الدرناوي سليل صوفيو بومنصور .. منصور العجالي حيث يصرخ :
" أعـــدْ لي زيزفون مدينتي وخذ عشيرتك إلى صدرك " .
رحلت الدلافين ولم يرحلوا .. ولم يعيدوا جذور الزيزفون إلى تراب القلوب .. الكل يجتمع عند شعيب .. يقتسمون المكاتب والأمانات والإدارات والرشاوي والمياه قسمة ظيزى طبعا.. لشعيب نصيبه منفردا .. وللطابور الخامس حصتهم من لذاذة الفرقة والتـفـتـت تصلهم محروسة غير منقوصة .. لا أحد بريء من سرقة زهارة درنة .. عبيدات .. مرابطو برهان أو عصا .. تواجير .. مصراته .. زليطن .. اولاد علي .. عساكر غير مقيمين .. شرطة .. وافدون .. أجانب .. أفارقة .. الكل ينهش جسدي .. حبي الساكن في الفؤاد .. قبلاتي المؤجلة بسببكم .. أين الأزهار .. أين الفن والثـقافة .. أين الموز والحبق والبردقـوش .. أين كرة دارنس العذبة وكرة الأفريقي الرائقة للمزاج ..أين اللاعبون والفنانون الذين هاجروا أو تمّ شراء ولائهم .. أين الرقصات .. كله ضاع .. حتى في جمعية الهيلع ما حُـفظ .. فليخسف بكم الله الوجود .. وليتسع الوادي ليبتلعكم .. وليثر الشلال ليصير طوفانا .. وليطر الصحابة باحثين عن تراب آخر لا تكتـّل فيه .. أنا مسطول .. وزارط حبوب .. وأهذي من وعي لا يخجل .. وحبـيبـتي صعدت إلى أبي منصور.. أتـتبعها فتضيّعها الدروب .. الدروب ضيّاعة كما الأعمار .. أبو منصور صرت لي أبو مخسور .. أينها دبرولي فيها .. اللعنة على الدروب .. دروب الزمن والمكان واحد .. من أين لي بحياة لا تـتدرّب .. حبيبتي ضيعتها الدروب ولي رغبة أنْ أتزوجها الآن .. أنُ أركب عليها ..أن أصغر معها وألاعبها عريس وعروس .. ومن بعد فلتمزقني القبائل إربا .. فنفسي ولدت ممزقة وقلبي قد تعود على الحروق ..
ولكن ها أنذا ألتـفت إلى الوراء حيث الصحابة وبعض لسان بحر يبين .. ودلفين متمرد شفـّاف عاد إلى الشاطىء .. لم يخف إرهاب القبيلة .. يتمطى منتـشيا.. يرّقص بخطمه كرة بللور نقية يفتح فمه ويضحك .. فأرمي له من بومنصور ابتسامة مدخرة في ذاكرتي يرتـشفها ويضحك وينبهني بإلحاح أن أستدير.. فأترك الدلفين الغاطس وأستدير.. كرة قدم متدحرجة نحوي .. من الأعلى يلوح صغير نحيف يركض وراءها .. حاولت الإمساك بها فلتت .. هبطتُ وراءها مروءة .. هل كرة الولد ذاهبة للدلفين .. ؟ .. أدركتها بعد أنْ تعثرتْ بقعمة زعتر رفدتـْـها .. صعدتُ مسرعا وناولتها له .. سألته تـشجع دارنس أو أفريقي .. قال أنا دارنيسي واللى طيّح الكورة في الدردوحة ولد خالي أفريقي .. هو ما يعرفش ايرقـّص (ينطط) الكورة اكثر من عشرة مرات .. شوفا أنهوّا جالس على الحيطة زعلان قريب يبكي ..
ثم ركل الطفل الكرة إلى أعلى لتستقر على رأسه .. صار ينططها بمشطيه وركبتيه ورأسه بل وبعظمة ساقه وبين الفينة والأخرى يثبتها خلف رقبته ويجلس بها ثم يعيد تـنطيطها بمشطيه متسلقا المنحدر في رشاقة ملتفتا ناحية دلفين البحر الذي يماريه .. و أنا وراءه أراه رولاندو أو ماردونا أو زيدان ولم لا ؟ .. عندما وصلنا السفح كانت المرأة العاطرة قد تبخّرت والطفل وابن خاله نادتهما جدتهما .. فحضن كرته وقال لي :وانت دارنس أو أفريقي .. قلت له أنا أهلي بنغازي . أبتسم لي وقبل أنْ يتوارى صاح : عطونا الشرّي ونيس خير يشرّطنا شباك الأفريقي وصار يعيد الجملة بحماس وابن خاله يحاول أنْ يكمم فمه بالقوة والجدّة تمنعهما من الشجار البادىء تولده في الوجوه النازة المحمرّة المتعصبة .. واصلت طريقي إلى مساكن حي الزهور وجدتـنى في شارع واسع تطل عليه مبانى طبية .. مبنى التقنية الطبية .. مستـشفى الوحدة .. حافلة المستـشفي تخرج من البوابة بالممرضات والطبيبات .. وحافلة أسعاف تدخل تعوّي .. دخلت إلى بقال في الناصية.. اشتريت سجائر وتجرعت قنينة ميراندا تفاح .. تذكرتُ شعيبا وشعرتُ أنني زعّـلته .. فاشتريت له وردة بربع دينار .. إستـقـللت أجرة وعدت إليه .. رشقت الوردة في جيب جلبابه عانقني قائلا ما تـزعلش اسّع تمشي مع الجماعة لجنازة المرحومة فوزان وادعيلها نين تبطل .. ويا عم خوذ الوردة رغم أنّ الهدية ما تـنهدش لكن للميت يجوز .. علقها على قبرها من عمها شعيب .. يا أخي لازم تـفهم أنّ الأعمار بيد الله و لا تملك نفس لنفس شيء .. والحي فللى يالاه ..واللى يالانا توّى افلوس ..أفلوس يا مغفل .. أفلوس كيف التراب .. أنْ كنت عاوز تـشتغل أشغلك .. تاخذ حاجة من هنا تسلمها في بنغازى .. ولا من شاف ولا من دري .. سرّك في بير .. وحقك مضمون في بطني .. يا طيب افلوس زي التراب .. جيب برويطة وعبّي .. رزق سايب .. وكناسة مليانة مكرونة باللحم .. انا وكـّال عيش .. اليوم فيه سوق توانسة بكرة ما فيش .. اليوم فيه ليبيا بكرة ماكو ... واللا نقولك هاك اشفط من صنف أبي جمجمة السمح اشوية .. الجنازة عاوزة مزاج عشان تبكي اكويس .. ما تـنسش تبكيلي معاك .. اقصد تدعيلي معاك يا حميدا الغالي .
لم تكن جنازة واحدة .. ست جنازات .. أقيمت الصلاة في مسجد الصحابة ومن ثم تحرك موكب جماعي حيث المقبرة القريبة .. الثانية ظهرا ونصف كانت المقبرة خالية والشيخ والمشيّعون يتناولون طعامهم في بيوتهم أو في المآتم .. عدت لشعيب فوجدت عنده المهوّل الذي عانقني ومدّنى ببرطمان عسل بالشمع .. هاذا تـشيلا للحاجة أمك في بنغازى بالشفاء والعافية .. و أنا أشكره وأشدد على يده وأربّت على كتفه لفت انتباهي وجود رأس تمثال صغير بجانب كرسي شعيب .. قبل أنْ أسأل تواصل نقاش شعيب مع المهوّل .. فبدأت أفهم أنّ التمثال لأفروديت .. جلبه المهوّل من شحات .. كان شعيب يساومه .. يعرض عليه إطارات جديدة لسيارته التويوتا وكسوة كراسي وثيرة فيروزية اللون و( سمكرة ) كاملة لمقصورتها الصدئة ومسجّل قاريونس شاشة مع خمسين شريط لبنزابيه والبتير وفرج بالحمد ومراد وعبدالكافي وبوتـقـّازة وبو الحر والشلماني والفاخري وشعيب الطيّب خطاب.. وزاد اغرائه بسلسلة ذهب يتدلى منها خميسة وقرين وحرف حبـيـبته .. لكن المهوّل يرفض كل العروض .. يصرّ على أنْ يرى صبري التمثال قبل التصرف فيه .. وعندما يتصاعد الحاح شعيب يصرخ فيه : يا شعيب صبري وضيفه من بنغازي هم أصحاب الشأن .. ونقاشهم البارحة لم يُحسم ..والفلوس ما تهمني .. تهمني كلمتي .. والراجل تمسكه من كلمته ..
أما التيس - كرمكم الله - فمن قرونه.. لكن المشكلة فيه تيوس بدون قرون .. كيف اللى خذيت منا هالتمثال .. نساله افلوس .. وهو يشتغل في الآثار ويقبض في المرتبات والإضافي والاكراميات من السواح .. وديمة يعطيني مواعيد ومايصيرش منهن .. قلت له نقبل أي حاجة .. ذهب .. فحم .. عسل .. مكينة خياطة .. درابيك .. فؤوس .. مالقيت عنده شيء غير هالراس المسروق .. دفيته في اشكارة وحطيتها في ذيل التويوتا .. قالي خلينى انبيعة ونسدد لك الدين .. قتله انبيعه أنا و نجيبلك الباقي .. 350 دينار متعي مش رزق حرام .. مش دخان سحور ..

أعاد المهوّل التمثال بعناية إلى الكيس الأسود ورفعه إلى ظهره .. وهو يغادر تـشبث شعيب بثوبه والمهوّل يحاول التملص فتدخلتُ أسألهما: شنو الحكاية يا مهوّل ارجوكم متعاركوش .. انتم كيف الخوت ..
شعيب يريد التمثال بأي ثمن .. والمهوّل مقـفـّل رأسه .. أخيرا قال شعيب اعتبرني التمثال عاطي فيه كلمة وأريده بيش ما تطلبوا .. قول لصبري هالحيطة يريدها شعيب مرات يعطيها لي بلاش .. انت مانكش عارف غلاوتي عند صبري.. ما يجيش أبدا بيناتنا راس ...
عندما غادر المهوّل أخبرني شعيب أنّ هذا التمثال ربما يكون أثري ويساوي ألاف الدنانير وزبائنه جاهزين بالدولار واليورو .. افلوسهم على الطاولة .. كاش أو ترفل شيك بورقته .. خاصة انكان التمثال طلعوه من الأرض هذه الأيام .. معناه بجانبه ذهب وعملات وتماثيل أخري .. لكن أنا طلقته لأني خايف يكون مش أثري .. بلكي سارقة من جمعية الهيلع وإلا مصنوع في كلية المعمار والفنون الجميلة .. لازم يقعد عندي التمثال أيام يخضعه ابن عمتي عوضين للتحاليل الجيولوجية بيش إنتأكد من أثريته وعمره.
هو فعلا للآلهة أفروديت رغم اننى ما بافهمش في اثار الرومان والرقريق .. آثار الفراعنة سلملي .. من اول نظرة نعرف الحاجة مزيفة أو أصلية .. أنا إشتغلت مدّة في صعيد مصر أحفر وأهرّب الأثار .. الناس في الصعيد تحفر حتى داخل بيوتها فتلاقي قطع أثرية تساوي ذهب .. بعد قليل دخل المحل رجل سمّرته الشمس .. مهلهل الثياب .. كث الشنب .. نتف شعر مغبرة خارجة من حواشي شنـّته الحمراء .. عانقه شعيب بحرارة وتحدثا طويلا .. بعدها ناوله مظروفا يحتوي عدة صور لطيور وحيوانات وزواحف .. هذا الرجل قبيلته قدّاري من بالصّـفن نواحي قمينس والمقرون .. صياد سمك وصقور محترف ولديه الآن ثلاثة شاهين وأربعة باز وعشرين عقاب وفرخ نسر وثلاث غزلان وخمس أفاعي وصيد ليل أبيض وبومة وأزواج هدهد وبوبشير وام بريما وقفص خفافيش .. وعده شعيب بالحضور فور حضور السماسرة الشاميين أو الشـُراة الخليجيين .. اتفق معه على تقاضي نسبة إنْ تمّ البيع .. قال لي فور ذهاب ونيس القداري وعندي نسبة أخرى أتقاضاها من الشاري .. أنا منشار نازل واكل راقي واكل .. بس يا محمدين أنا ما بكلش الخشب .. بخاف المسامير .. خاصة المعوجة .. لم يلتـقط شعيب أنفاسه حتى دخل عجوز نيجيري حاول وشوشة شعيب غير أنُ شعيب إمتنع ولم يعره أهمية وصرفه سريعا الى خارج المحل بدفعات راحتيه المتواصلة على ظهره المحدودب .. قال عنه شعيب إنّه مشعوذ والعياذ بالله .. نصّاب سحّـار عاوزني أدبر له شوية زئبق أحمرمن حبايبي الكيميائيين عشان الكنز اللى بيحلم بيه .. شوف ده مفروض أبلغ فيه البحث الجنائي والمباحث والتطهير والأمن العام والشعبي والداخلي والكومونة وأمن الطرق الصوفية والنيابة والجرنال وألمّ عليه البلد وأقلب عليه الدنيا .. لكن أنا إبن بلد .. سوبر جنتل مان .. سبته يسترزق على حاله .. الله كريم .. ورزقته واسعة ..قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق .. مرات عنده عويلة يتامى في افريقيا يصرف عليهم .. سبته في حاله .. بالك يلقى مغفل افلوسه تبـزبـز فيه .. بس أنا يا محمد ماشتريش سمك في بحر .. أو طيور في الهواء .. كنز ما كنز .. تدي فلوس ليبية تتحول إلى دولارات أو يورو .. ادفع في سيارة روابط شباب تجيك لما يتجوز حفيدك .. كله كلام فارغ .. العب على المضمون .. هاك وهات .. شندي بندي .. دحية اليوم ولا دجاجة بكرة .. عندك سيارة .. زواق .. براويط .. أثاث .. طماطم صلصة بستان .. زيت .. شاي زهرة .. مشروب سعادة ومرادة .. سجائر رياضي مختوم .. مارلبوروا بحري .. روثمان جوّي .. سميد .. دقيق .. مكرونة سباقيتي وقراجيط .. ثلاجات .. أفران .. مجمدات .. تلفزيونات قاريونس .. هواتف عادي ومحمول .. نزّل البضاعة وخذ فلوسك .. بكرة .. شيك .. اوراق .. مضمون .. كلام رجالة .. ما يمشيش عندي .. الميزانية اقفلها كل يوم .. لازم أنام وافلوسي تحت راسي.. أنا قنوع و القناعة كنز لا يفنى .. والحمد لله مستورة وفضل ربي ما ينتهـيش ..
دخل علينا بعدها رجل حليق به سمرة بسيطة يرتدي ملابس كاكية شبه عسكرية مكوية جيدا .. يحمل حقيبة سمسونايت ..وفي يده هاتف محمول لا يتوقف رنينه الموموسق .. قابله شعيب باحترام وطلب له علبة عصير عنب وقنينة ماء شعير المانية بدون كحول وطرفين شوكلاتة كيت كات وعلبة مناديل ورقية .. تحدثا بهدوء طويلا تطلعا إلى عدّة أوراق ورسومات وصور .. أعاد حاجياته إلى الحقيـبة ثم تـناول المرطبات وغادر .. قال لي شعيب :
أنّ هذا الرجل عاوز مواد دعائية عليها صور المنجزات الحضارية مثل النهر الصناعي العظيم ومصانع الأسمنت ومصافىء النفط ومصنع الحديد والصلب ومصنع شاحنات تاجوراء وكمان اشوية حاجات ظريفة .. بالونات ومفرقعات زينة وأعلام بلاستيكية وسترات وساعات يد وحائط ومكتب وبروشات وميداليات عليها شعار الإتحاد الإفريقي وصور قائد الثورة حكيم افريقيا الأخ العقيد معمر القذافي ونيلسون مانديلا ونكروما وغيرهم من الزعماء .. موسم الإحتفالات على وشك ولازم الواحد يشتغل هالوقرة .. شوف يامحمد حاجات ثورية زي دي إعملها بدون عمولة .. في الوقت ده الراجل يبان .. ابقى ابن حرام كان صرت منشارا اكل من الجهتين .. من ربع جيهة يكفي .. الربع متعي كتف .. أصله أنا موش ربع دماغ .. الشاطر ديمة يرسم لقدام .. والفائدة الحقيقية في الكيف مش في الكم .. هنا تبان الوطنية والثورية والناصرية والقومية والإشتراكية .. شرف كبير لي أسافر الصين وهونغ كونغ وتايون وبانكوك و حتى آخر الدنيا علشان استورد حاجات حلوة زي دي ومعاها أجيب حاويتين أو ثلاثة خط ولوّح للأولاد ومعاها اشوية انتيكات محشوّة بحاجات أدوّخ .. الحاجات دي معفية من التفتيش .. كس ام الجمرك لو أقرب ناحيتها .. بضاعة الخط ولوح تنباع في البحر .. خلي الشباب تهـيص وتـفرقع في مباريات الكورة وفي عيد الميلود ..واللي يفيض من السوق الليبي يقبله السوق المصري والسوداني .. الراجل اللي جاني دلوأتي حياخذ عمولة دي مشكلته .. لكم دينكم ولي دين .. بعد اسبوع اديه لبروفورما فاتورة العرض .. المهم السعر اللي في الفاتورة يدخل حسابي اللى برّة .. وبعدين منختلفوش .. الخير واجد .. وكلها تـشبع وين تصفى النيّة الشيطان يرضي ميّة .. المهم يا بورفيق أنا أعمل اللي عليا بكل أمانة وإتقان وثورية ..والباقي على الله .. اللهم وفقنا يا ربي في هالصفقة بس .. ودامت الأفراح و الأعياد .. وعيد وراء عيد .. بني وتـشييد .. ومن ليبيا يأتي الجديد .. وعلشان تتأكد من ثوريتي تعال معاي وبص.
وأخذني من يدي إلى خارج المحل يريني العلم الأخضر الذي علقه في سارية من أنابيب مقاس إنش ونصف أعدها خصيصا تخترق سقف السوق وترتـفع أكثر ليرفرف العلم الأخضر في الهواء النقي وزوّد العلم بمحرك رفرفة يعمل آليا إن سكنت الريح وجهاز يعمل بالريموت كونترول لتوجيه العلم إلى إي جهة يريد .. بص يا محمد علم دكاني أعلى علم في المدينة وحتى في البلد كلها ..
ما حدش قالي اعمل علم حلو وكبير وعالي وفيه محرك صغير يرفرفه في سكون الريح ويوجهه زي دش الساتلايت .. الدكاكين الأخرى كلها عملت أعلام صغيرة ممسمرة في عصا مكنسة يعلقوها في فم الدكان ولما يقفلوا يدخلوها جوّا .. لكن شعيب.. عمل أعلام في فم المحل و فوق المحل و خلف المحل ..وقدام الشقة وقدام جراج المرسيدس أم العيون .. علمي ديمة حر .. باين .. ما نقـفلش عليه في الدكان .. أنت عارف أن سجن الأعلام في الظلام حرام .. العلم صنع ليرفرف فوق السوق .. وفي كل مكان .. ليل نهار .. أنا أخضر .. عمامتي خضراء .. جلابيتي خضراء ..أول ما جيت الى ليبيا كنت مش عارف الجو .. لقيت ثلاث شاحنات إثنين داف والأخرى فيات اوتانتا بالجرار .. مركونات يمين الطريق معبيين ماعز وضأن وإبل .. قلتلهم سلاموا عليكم .. قالولي عليك السلام .. تفضل تغدى معانا .. وما خبيش عليك كنت جعان .. غسلت يدي على صنبور الصهريج الصغير الملحوم في الشاحنة من الخلف وجلست معاهم على الحصير في ظل اسفل الجرار.. تعارفنا .. وثرثرنا حتى جهز الغداء .. قصعة بازين شعير .. اول مرّة ناكل البازين .. بعد البازين ولحم المعيز اعطوني برداق حليب إبل حلبَه الغلام الأوطانطي من النوق المشحونة .. بعدها طاسة شاي أحمر ثـقيل ترشق فيها عود يصبي .. شكرتهم ومشيت ..ركبت باص .. بعد نصف ساعة خلاص .. حسيت بطني تلويني .. شعرت أنني سأتبرز في سروالي .. قلت لسائق الباص وقف .. وقف على اليمين .. وقف وقف يا شفير .. وقف ترّرنا ..
إلى كل التافهين والتافهات ..
إلي كل الماديين والمعنويين ..
إلى كل الكلمات التى انتهكتها ..
إلى كل الحلمات اللاتي ( طيحـلي سعـدي )
أكتب و أتعاطى حبكم
أيها الدائخون والدائخات
أيهاالجماد الحي والميت
أيتها الذوات المترنحة
أيتها الأشياء النصف جماد والنصف حياة
أيتها البرمائيات
أيتها الجومائيات
أيتها الجف بلليات
يا ضوء بارد يلسعنا
يا ظلام يركلنا إلى نعاس
يا صراخي
يا صدى اقـترضته من يقين الميلاد
أيها الفارون من سكاكين إدراكاتـنا ..
أقدّم لكم قصعة البازين ..
أرفسوا بأيديكم أو أرجلكم أو رؤوسكم
و أكملوا لعـق هذه الشرمولا ..

.. مزنوء يا عالم .. والسائق الشاب أرجأ توقفه .. شخط فيّ : أصبر يا فوّال كيف ما صبرت أمك تحت أبوك .. الحقيقة أن أبويا هو اللى صبر تحت أمي .. اصله أمي كما في الصورة ثخينة أوي .. وابويا جلد على عظم من الأفيون ..
توسلت إليه متغاضيا عن الشتيمة .. ناولته علبة سجائري الروثمان .. همست قرب أذنه وقفْ بسرعة ساولتك بسيدي أحمد البدوي وسيدي عبدالسلام الأسمر ..
وقفَ على اليمين .. أنزلني ومضى ..وبعض الركاب العابثين يصيحون من النوافذ ترار .. ترار ..
خشيت للخلاء أقضي حاجتى لذغتـني عقرب في مؤخرتي .. صرختُ ومرضتُ .. وأسعفت إلى أقرب مستوصف .. صرتُ أتنقل من مستشفى الى مستـشفي وملقيتش دواء يشفيني .. رحت لمستـشفيات كثيرة .. كلمت كل المسؤولين وما شفيتـش ..
من طبرق لعند أوباري .... وانا رافع جلابيتي ..
لا مستـشفى فيه ايباري .... لامسؤول يحل قـضيتي ..
لكن يا احميده توّا فهمنا الجو .. تعرف وكان ظفري بس ينخدش.. أو صبعي تقرصه بعوضة .. عليّ الطلاق منعالج الا في المانيا أو فرنسا .. توّى جوّي ماشي مع الرياح .. جوكر ألوان طيف .. خضر خضر.. حمر حمر.. اصفر اصفر .. تركواز تركواز .. على كل جو نركب .. حتى البقر انجلمه .. اتحاد مغاربي شوري .. اتحاد افريقي شوري .. اتحاد طلبة شوري .. اتحاد كورة شوري .. كومونة .. مثابة .. مركز ثقافي .. جمهرة .. قافلة .. كل طبيخة ضروري نغطس فيها ونجغم حصتي وثلاث اربع حصة اللى حال فمه .. عارف توّى أنا من الثورية شن صايرلي .. منفوخ .. قريب نـنـفجر .. تـبـز جلدي بدبوس على الطلاق يطلـع منى دم خضر ..

وصلت الى طريق مسدود وماذا يفعل متهلوس لتحطيم السدود غير أنْ يتوقـف عن إكمال هذا النص مهملا تكملة بناء شخصياته الراسخة .. متجاهلا تداعياته ورؤوس اقلامه المتولدة باطراد .. اسبوع ولم أظف حرفا .. أقرا وأبحث عن ميناء يطلقني في الجديد .. لا أدرى هل أنطلق من ميمي أم من سالم هابيل أم من المرأة الناضجة الصاعدة إلى بومنصور عبر درب جامع الصحابة أم المرأة الجميلة التى باع لها العوكلي كتاب الحبّة السوداء أم من رضوان الذي لم ألبّ دعوته لي في مطعم برعي لوجود دب العسل معه .. أم من شخصيات أخرى مضمرة في خيالي التعيس .. بالنسبة لشعيب لم يحمد ربه ككل مًحدث نعمة أو تافه يُحترم .. فبعد كل البحبوحة التى غطس فيها هو وعشائر عشائر عشيرته ..شرع في التـنمرد و التـفرعن .. تجاوز حدوده .. صار ملاذا لكل من يحتاج شيئا .. صار دولة داخل دولة .. تربيطات التصعيد ( الانتخابات ) تتم في مربوعته الكبيرة .. حجاج المغرب العربي القادمين عبر البر يتـفيئون في بيته ومزرعته ..عجائز الضمان الإجتماعي يلوذن به إن تأخرت معاشاتهن أو لم تكفيهن لطارىء ما .. معاش يقولن عاشت ليبيا.. يقولن عاش شعيب اللى ما يدير العيب ..اللى حاط تمثال حماره على مكتبه .. حماره الذي جاءه من مطروح بعد أن تأخر شعيب في العودة اليه ..وعلى طول شغله في نادى الفروسية .. شعيب السمّيع اللى ما يبطل من الإنصات الى أغاني بوعبعاب .. عندما جاء أحد الحكام النزهاء لتحكيم مباراة في مدينة درنة قال له شعيب الفريق بتاعي يلعب وانا في درنة الكل في الكل .. فرد عليه الحكم : وأنا في الملعب الكل في الكل .. فاز فريق شعيب .. ليس بسبب تحيّـز الحكم لكن برشوته لحارس وخط دفاع الفريق الخصم .. هو من يوزع الامانات والمناصب على القبائل والعشائر والأعيان .. الجماهير تريدُ سين من الناس فـينجح صاد من غير الناس .. جماهير الحقراء عندما لا ينجح من تريد تظن أنّ هناك ورقة قادمة من فوق والحقيقة كل الأوراق يمشكي فيهن شعيب وزبانيته .. فالسماء تمطر الماء وليس الورق .. هو فاهم الجو .. عارف كيف يوزع عرق الناس .. كل قبيلة وقوتها العددية والمالية والتاريخية والعسكرسوسية .. وذات دورة تصعيدية وفي غفلة من الكل .. دفع بنفسه الى منصب امين اللجنة الشعبية للمدينة وتقلده بالإجماع .. الكل رفع يده معه ..فنجح نجاحا ساحقا بنسبة 9-99 % مع تقدير ممتاز جدا ..
أولم وليمة لم تـشهدها درنة في تاريخها .. نسيم درنة ودخانها وعجاجها تحول إلى رائحة شواء ضأن وقعود وعجول وأرانب وجاموس مستورد من الزقازيق مخصوص .. وأحضر فرقة أحفاد بوعبعاب من مرسى مطروح لتغني وترفع السلامات والتمسايات المخصوصة بالنجاح .. سلام لمعلم شعيب .. لسيد المعلمين .. وفارس الخيّالين .. وصهر الأجواد وشيخ تجار سوق التوانسة وكمان الظلام وراعي أسواق العتق والنملة وبوسليم والكريمية والعلالقة الكبير .. تصفيقة لشعيب سيد الكل .. وكمان نمسّي ونصبّح على أهل درنة الرائعين.. شباب المغار والجبيلة .. جدعان باب طبرق والساحل الشرقي .. رجالة بومنصور .. فرسان أمبخ .. مغاوير باب شيحة .. وكمان سلام مقرطس ملفوف بالورد ومرشوش بزهر المنيا للأديبين أحمد بللو وعادل بوجلدين اللى مش عاوزين يرفعوا إيديهم معانا ربما عشان ما تكونش النسبة 100% ونموت من الفرحة ويموت الحسّاد من غم الهزيمة .. وأحلى سلامات للشاعر الشريف القصير أبوطاقية بخشم أظلل زنـقرته اللي رفع ايديه التـنتين ورجله كمان ووعدنا بقصيدة شعيـبـية إنْ بعثـناه لمهرجان المربد الامريكاني .. وحيروح .. والمصحف والنبي حيروح من بكرة .. دا ممكن ببيتين سنتكس يخلي التحالف ينسحب من بلاد الرافدين وياخدونا انغنى هناك ومعانا شعبان عبدالرحيم وكمان يدّوا المعلم شعيب حقيبة التجارة المطروحية ومسَا حكم شهر انتقالي .. وكمان سلام مخصوص لشاعرالكرفتات الفاخرى الذى أبى إلا أنْ يشاركنا واغمتـنـا بقصيدة عمودية قائية دائية وحضر آوام تـشيير ( اوتستوب ) من اجدابيا امبارح الفجر .. والنبي حنطبع له معلقاته قريّب أوي في مطبعة سيدي براني أو السلوم عشان زريعة محمصات مطروح متستغربش الورق وتـنباع لجمهور السيما والكورة أما أطفال المدارس فحرام انبيعولهم زريعة في اوراق زي دي مرات واحد يغص بتفعيلة غليظة ويموت وناخذوا ذنبه .. وسلام جدعان مخصوص لمويدير البرامج في اذاعة الجبل الأخضر الإذاعي القاص الروائي الناقد الشاعرالرياضي الحافظ المحدث الانطلوجي النباتلوجي العاذر الماطر المنساد الناثر المؤرخ المؤسطر عاشق شطائر البوريك بالفلفل الأحمرالمبطبط الأستاذ صديق الكل والجزء وما بينهما حبيبنا بودوارة والذي نقل مشكورا الحفل حرفيا على الهواء مباشرة .. وكمان نمسّي على قرية مسّة وأديبها الحربي اللى أقـفـل بؤه وما دفـّـش فينا كونيا في جريدة دب العسل .. وكمان الأستاذ بلدياتـنا الناقد المالكي اللى قال : ok .. ok .. كل شيء ميّة الميّة .. كل شيء تمّ بطريقة سيميائية وسينمائية وهذا هو الشغل .. واللى يثـنى ركبتيه ويشتغل على التحشيد ورص الألسن ينال ويتكرّس على كرسي بعجللات ويدور .. وكمان سلام معطر مغموس في الميش والرش والكريمة نيفيا ومخربش بأحمر الشفاه والزمالتو لكل الفعاليات النسائية اللى وقفن مع المعلم الشهم شعيب وقفت رجالة فماسبنش في رقبتهن أي زغاريد أو آهات إعجاب وصفير .. وكمان سلام حارلكل الطباخات والدرباكات وحجالات الكشك وغسالات الطناجر ولقامات الشاي .. وما ننسوش طبعا أبونا سليل المجاهدين الاستاذ الغزالي اللى ما شتمناش بتعليق بأسم مستعار في الانترنيت ومش حننسو شاهي مقاله اللى وعدنا بيه واللى حينشره في جريدة ( وابيص نو ليبرا ) .. وسلام لكل رجالة البطاقة الشخصية .. ورجالة الفتاتيل .. ورجالة الكلمة السيف .. والجوف .. والمطربشين ..والرقاصين والشعيـبـيـين .. هو كم عندنا نوع من الرجالة ما شاء الله .. سلام معلمين للجميع .. ترتـنتن .. ترتـنتن .. ترتـنتن ..ترنتـنتن.. ترنتتتتتتتــــــتتتتتــــتتتتتتتتتتتتتتــــتنننننننننننننننن .
وتحول شعيب بين عشية وضحاها من معلم سوق وبزنسة الى دكتور بعد أنْ أبرز من جيب جلبابه دكتوراة في علوم بيطرة الحمير من الجامعة الأمريكية ..لا أدري دكتوراة فخرية أم أكاديمية .. وارتدى البدلة الافرنجية وربطة العنق الجرسونية ودكانه في سوق التوانسة تركه ليديره إبن خالة أمه القادم من سيدي برّاني أوام.. والمفاجأة الكبيرة أنْ أتخذ المرأة الجميلة التى باعها العوكلي كتاب الحبّة السوداء سكرتيرته الخاصة بعد أنْ أزاح فرّاشيتها وألبسها أحدث موديلات مجلة بوردا .. ما إن علم العوكلي بتسكترها حتى زار شعيب في الشعبية يدعوه لدعم الثقافة وجريدة الشلال وجمعية الهيلع وبيت درنة الثقافي وصحيفتي دارنس والافريقي .. استمهله شعيب قليلا ليوشوش لأمين اعلامه الشلوي الذى هاتف بعض ثـقاته الشعراء الشريف الكيش المهدي الفاخري المرغني بن عمران الفرجاني الشيخي المزداوي الزائدي البيجو الحـوتي الحاجي المزوغي الطيرة المغربي العربي بن عتيقة بوغوفة ليصيلع بنت الياس حمادة السادس عشر ركابي الوحدة ونصف اودينيس سوق الجمعة شلطامي الماجوري فيتوري السكابلي وريث طابلينوا صلاح اجخرّة بوعقلين تاكنس بوفتلة بوميبربوزربوختلة بونتلة.... وغيرهم من المستشارين الإحتياطيين .. وفور انتهائه من استشارته وشوش طويلا في أذن شعيب ثم رمق العوكلي بنظرة إزدراء ناعـتا إيّاه بأنه عميل من عملاء سوزان برنار.. وعندما لم يبال العوكلي بكلامه صائرا يدخّن البانقو السوداني في هدوء تـنحنح شعيب بقوة وأدار جسده على الكرسي الدوّار ثلاث مرات متتالية ثم لف بأصبعه مجسّم الكرة الأرضية الرابض يمين مكتبه .. عندما توقفت الكرة صرف الشلوي بغمـزة خشم وأشعل سيجار كوبي ثم أخبر سالم بأنه غير مرغوب فيه و أمرهُ بعدم العودة الى هنا لأنه لا يتعامل مع شعراء الحداثة وما خلفها وبعدها وتحتها .. إيه يعني ياسالم .. لأنّ الشاي بلا رغوة عاوز تعملي مشكلة في الشعبية .. عاوزهم ايشيلوني يا سالم وانا دفعت مح كبدي على شان اغرف اقصد اوصل .. شاهيك بلا رغوة مش مشكلة مؤسسة السلع التموينية .. دي مشكلة مراتك المثـقـفة اللى ما تعرفش اتـلقم وترغوي الشاهي كويس .. بص دي هي الحداثة وما بعد الحداثة .. كل ما تريد تـشرب شاي بالرغوة تعملك شاي كيس تـشربه زي الولد الطيب ولما ترمي الكيس ياخذه ولد بدوي يعلقه في تكة سرواله ميدالية .. خذ سيجارة يا سالم واسمع كلامي وكان اتجوزت من صبايا الرداوات والجرود والفراشيات متاعات شعر العلم والعمودي والحر .. الحفـّاظات لأغاني المرحوم عوض المالكي وبوعبعاب واحميده موسى وشادي الجبل راهو شاهيك برغوته ومتعدل وميّة لميّة.. شوف لما اطيبلك مراتك الشاهي على انغام يا ريح سلامي شيليه وإلا يا مريم ما جابوك عرب .. مصبوبة صب .. الدملج والخلخال ذهب .. مالك ومال فيروز وماجدة الرومي والحتة الحلوة شاكيرا .. التجديد ما فيه بركة .. خلاص سلومة ورانا اشغال مش ناقص درنة الا قضايا قصيدة النثر .. من غير زعل ومن غير لويّة المقابلة انتهت .. خلينا نتـفرغوا لمصراتي حديد اربطاشر وسطاشر نفكو من قعر جيبه المتربس قرشين ..أو قماطي من جماعة الكونترا .. أو زليطنى مرمر ولوح .. أو مصري بتاع صلصة ودواء .. مسعودة أدي الأستاذ العوكلي طاسة شاي بالرغوة عشان ما يألفش فينا شعر يشتمنا .. وخليه ايروح راضي طربان متولع .. خلاص مش عايز يدخلي حتى ذبان ذكر .. بنات ستات معلش .. خوذي بالك ومش أي بنات وستات .. نصف عمر .. عوانس .. عجائز.. سودات .. قمحيات .. اصّرفي معاهن انت أو حوليهن لمسؤول العلاقات العامة ابن عمتي متولي .. مش عاوز مزاجي يتعكر .. الليلة عندي سهرة في مزرعة بو شاهين عازمين فيها ممرضات المستشفى الأوكرانيات .. لم يستمر شعيب في منصبه طويلا .. ظن أن الديمقراطية واغمة .. وسلطة الشعب لعبة .. غرفَ وذبحَ على غير قبلة .. ورزق حكومة الله يدومه .. ذات فجر أعفته قوى الثورة من منصبه .. قال لهم : نسيبي فلان مسيول كبير في لجنة التطهير.. ومراتي في الاتحاد النسائي .. اعلامي كلتها خضراء وبالريموت كونترول رفرفة واتجاه .. وين ما تـقبْـلوني نقبّـل .. وجبتلكم مادليات وفانيليات و أعْبيْ وساعات وصواني وبالونات عليهن صور القائد وخريطة افريقيا الموحدة والنهر الصناعي العظيم ودخان في قناني اول ما يطلع منهن يكوّن خريطة افريقيا وما تـشم في المكان الا ريحة المطاط ولوز القرد والجوّافة .. وبعدين لا يحق لكم إعفائي من منصبي .. الجماهير كلها رفعتلي إيديها حتى الأقطع قبل التصعيد شريتلا يد صناعية ..
قال له أحدهم : الجماهير رفعتلك ايديها مش كرعيها .. تو يبالك يا زربوط .. يابوفتولة مش مطهرة ..

محـمـد الأصـفـر
mohmadalasfar@yahoo.com
ليبيا


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home