Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed al-Asfar
الكاتب الليبي محمد الأصفر


محمد الأصفر

Monday, 16 October, 2006

 

تـنقيط وكاكاوية مقـشّرة... وأقاصيص أخرى (2)

محمد الأصفر

شفة البحر

(1)

الشفة العليا تلطم صخر الشاطيء ،
والسفلى تجرف قواعده ..
يحدث هذا في جمجمة البحر .
فالفكان يتحركان مادامت أمامهما شواطيء …
وإن اختفت الشواطيء سيفقد البحر شفتيه ، ويمضغ نفسه إلى أن تغرقه مياه الأمطار ،
آنذاك تصير الشمس كئيبة .. والقمر أكثر كآبة .. والنجوم ستتباعد باحثة عن بحار أخرى .. زاخرة بالشطآن الوسيعة ..
في درس الأحياء ، سأل التلميذ المعلم : لماذا لا يتحرك الفك العلوي في جمجمة الإنسان رغم تأييد قوانين الجاذبية له ؟
بعد مقدمة طويلة عن المطرقة والسندان والطزاجة المحصورة بينهما … تلا المعلم الإجابة المدونة في الكتاب المدرسي ، غير أن التلميذ لم يقتنع فأعاد السؤال في الحصة التالية على معلم الفلسفة الذي أجاب : هذه هي الحياة لا تحتمل فكين ، فما بالك متحركين ومتقابلين ومليئين بأنياب المطاحن القاطعة.

(2)

قـرب الميناء رمى صنارته في المياه الملوثة بروث السفن ، هذا الروث الذي أفقد الأسماك أبصارها فضلت طريق الخروج الذي يحتاج دائما إلى عينين مفتوحتين .. ملأ سلته بالأسماك العمياء … وقال في نفسه لا تسألونى لماذا الصيد وفير على ضفاف الموانئ ؟ ثم نزع نظارة صنارته كي لا تراه فكاها ..
بعدها تأمل في يومه وقال للملأ في نفسه : فم اليوم مطبق … شفة النهار ترتفع .. شفة الليل تنخفض .. فيفتر الفجر عن ابتسامة عذبة .. الشمس تحتفي بها فتشرق والعصافير تحتفي بها فتزقزق والبشر أيضا يحتفون بها ، فيحترقون إن تماهوا مع الشمس ويجنون إن تماهوا مع العصافير … والولادة شفة والموت شفة وما بينهما فسيح من المتاهات الطازجة ..
في المساء كان جائعاً باردا .. مضغ قطعة سمك .. حاول بلعها .. توقفت في حلقه .. فنظر من النافذة ليري الشفة العليا تمضغ الصخر والسفلى تجرف قواعده ، انزلقت قطعة السمك .. وارتفعت رائحتها .. زاد قطعة أخرى وأخرى .. حتى شبع .. ثم تجشأ .. واستدار إلى ساعة الجدار ، يعبث بأصابعه في عقاربها محاولا تخليص بضع ثوان من بين فكي الزمان أعاد الكرة باستخدام اصبع مــن ( الروج ) !!

*   *   *

ملح المطر

علـى شاطئ البحر تمشي ، لا تلتفت الى ما تتركه قدماها من أثر ، الموج الخفيف كفيل بمحو كل أثر . عندما تدوس شقفة صخر لا تشعر بمن الموج ، لذلك هي تحب أن يكون كل الشاطئ من الصخر ولكن الأطفال الصغار ، أجل الأطفال الصغار يحتاجون إلى الرمال الناعمة ليتمرغوا عليها بمرح قبل ولوج غمار اليم الموغل في الانحدار .
وهـي تسير تحملق في السماء ، ترى الشمس وكيف تلفح وجهيهما من صفحة الماء ترشف الرذاذ ومن صفحة وجهها تمتص الحزن والأسى ، في الشتاء الشمس ترد الوديعة محملة بالطراوة ، تغمر الطين ، تبلل الزهر ، وتسقي أطفالا نهمين لمائها العذب .
هـي أيضاً مدينة لخير الشمس ، حيث أنها أكسبتها اللون البرونزي الشهي، قبل أن تعود أدراجها في مشوار الإياب أخذت تطرق صدغها بسبابتها، تشاكس أفكارها قائلة : لماذا الشمس تترك الملح في البحر؟.. وهل ثدي السماء أكبر أم ثدي الأم؟؟؟ وهل ثدي السماء أعذب أم ثدي الأم ؟.. سرعان ما حدست أن الأثداء خواصها واحدة ولكن هذا الحدس لم يجد تعليلاً لترك الشمس الملح في البحر .
طرقـت صدغها هذه المرة بكل أصابعها المتفاوتة في الطول: لماذا الشمس تترك الملح في البحر؟ للمرة الثانية لم تجد تعليلاً شافياً.. لم تغضب فأمام البحر.. الغضب يعتريه الخجل!، عادت إلي البيت، استحمت، نشفت، لبست، تعطرت، تناولت إبريقها وبدأت في ري أزهارها. إحدى الأزهار بعد أن ارتوت اهتزت بتوتر، راعها أن ترى ساقيتها حزينة حائرة قلقة سألتها بنفحة عطر عابقة: ما بك يا أمي؟..
أجابتهـا الزهرة : ربمـا .. ربمـا .. ربمـا ..
فتحت الممرضة عينيها على رنين الهاتف .
- نعم من معـي ؟
- ألو .. هل هذه مدبغة الجلود ؟
- لا يا أستاذ هذا قسم ضغط الدم .
الفصـل شتاء والمطر يهطل بغزارة ، أخرجت الممرضة يدها من النافذة بأنبوبة الاختبار ملأتها بقطرات الماء وبدأت في عملية التحليل كما أوصتها إحدي العرافات عبر شبكة الإنترنيت ، كان الغرض من التحليل الحصول على ترياق السعادة .. ملـح المطـر .

*   *   *

طـفـل كبـير

(1)

بعـد وليمة كبيرة من الطعام والموسيقي والزغاريد أخذها عريسها من يدها ..
تلميذات صغيرات يلعن الفراق وبائسات لا يحتملن الوداع ، حتى العريس (طارت نيته) توقف وفكر .. لماذا يتزوج إنسانة يحبها الجميع ؟ لماذا ينتزعها منهم ؟ لماذا لا يهبها إلى الخير ؟
استدرك خواطره الطوباوية سريعاً وأقنع نفسه بسنة الحياة ..

(2)

بعـد اسبوع من الزواج .. وجدت العروس .. أن البؤس والحنان في كل مكان . أصبح لديها من جديد ، تلميذات ضاحكات ، وبنات مبتسمات ، وحديقة ورد تسقيها عند غياب الندى ، وطفل كبير ( نيته لا تطير).!!

*   *   *

تجدد

(1)


عادت بي الذاكرة إلي سنوات الطفولة ، فدب النشاط والمرح في روحي وطارت من أجفاني تناعسات النوم الوشيك . قفزت من فراشي ، أرقص على أنغام موسيقي تنبعث من مذياع قريب ، أصرخ منادياً : أمـي .. أمـي .. أمـي .
أتخيـل أمي وقد أتت وفي يديها كوب من عصير وآخر من الماء . أقفل المذياع وأرشف من الكوب ثم أضعه على المنضدة . أفتح المذياع من جديد ، أرقص وأمي تنظر بابتسامة راضية ثم تنهمك في ري أص الزهور الموضوع على حافة النافذة .

(2)

أرجعـت الذاكرة إلي الآن ، فابتسمت . أشعلت سيجارة ، نفثت منها بطريقة متواصلة . المنفضة بعيدة وأنا كسول ، أوقفتها على عقبها فوق البلاط ، تتبعت الجمرة وهي تهبط وتحرق ما يعترضها حتى وصلت إلي القطن ، إنطفأت بسهولة فكرت ..
لماذا لا تستخدم هيئة المطافئ القطن في الإطفاء ؟!
ولكن قلت لنفسي : مالي ومال القطن .. خليني في همي .
أحبها وتحبني ونريد أن نتزوج والظروف الآنية عاكستنا .

(3)

ذهبت هذه المرة بالذاكرة إلي الأمام ، يبدو أنني توغلت كثيراً في هذا ( الأمام ) وجدت نفسي ممسكاً بعكاز وهي بجانبي تتكئ علىّ وتسير ببطء وبعض الخصلات البيضاء تبزغ من رأسها كسحاب خلفه سبورة .

(4)

أكتـب بالطباشير : اللحم ، العظم ، الشعر ، الظفر ، كلها ليست قطنا . تأملت رأسها الواقف على قاع السماء وتمتمت : ما كنت أدري أن للزمن أفواهاً تمتص بنهم .

(5)

يـارب : يا خالق كل شيء .. يا مدبر الأمر .. سلمني حياتي دفعة واحدة ، طفولتي شبابي ، كهولتي ، شيخوختي ، أعطني حرية تشكيلها فأنا حر ، أريد أن أبدأ بالشيخوخة لأن من أحب التقيتها بالأمس وفرقتنا ظروف الآن ، واجتمعنا في الغد ، هي الآن تسبح بجواري دون أي مشكلة دون أي ظروف ، نضحك معاً نبكي معاً ، نصعد درجات العمر البهيج ، نلجم أفواه الزمان ، نستأصل نهمها ، ليكون وصولنا عودة لأرحام أمهاتنا ، ولكن أين هي الأرحام التى ترضى أن تئد ؟!!

*   *   *

قــرّب وسـّـع

فـي الغرفة الأولي كنت قابعة في ركن قصي تلتصقين بالجدار وكأنك تمنحين فسحة من الرحب لأخريات أحببن أن يعشن معك في عشك الدافيء ..
في الثانية والثالثة والرابعة نفس الشيء .. كل داخلة تكونك لحظات ثم لا تحتمل الوهج فتتراجع إلى المنتصف ، الغرف اكتظت بالداخلات حتى تمطت .. استشرتها … قالت لي … انسخ غرف قلبك .. انطح بعلوهن سقف السماء .. احرث بانخفاضهن قاع الأرض .. وسأظل وفية لك في مكاني المعهود ، الركن القصي ، ألتصق بالجدار لأفسح مكانا أرحب من ذي قبل .
عملـت بالمشورة .. ودخلت أخريات .. السمينة احتلت غرفة في المنتصف لوحدها ، وعاشقة الوحدة دورا كاملا ، والبدوية دورا أرضيا ، والحالمة غرفة جنب القمر ، والعداءة فتحت خمسة أدوار على بعض ، والشاعرة أطفأت أنوار غرفة وأضاءت شمعة ، والمترجمة جلبت معها صرة من حجر رشيد … والممرضة حقنها .. والعازفة عودها … إحداهن أدخلت معها حاسوبها الموصول بالإنترنيت وجرحت جدران الغرف بمخلب فارتها ، والرسامة لم تنس ألوانها ولوحاتها وفرشاتها واحتلت آخر دور وسرعان ما امتلأت الغرف لآخرها وكأنها فندق شعبي إبّان بطولة كأس العالم.. وأعدت استشارتها فقالت لي : - انسخ غرف قلبك بالعرض، لامس بهن أقصى الشرق والغرب… وسأظل وفية… في مكاني المعهود… الركن القصي، ألتصق بالجدار لأفسح مكانا أكبر من ذي قبل..
امتلأت الغرف سريعا وخاصة غرف الشرق وقاربت على الانفجار وخجلت أن أعلق إعلان تنفيس لراغبات الخروج أو معداتهن على الأقل ، ووجدت أنه ليس من المعقول أن أخرج أنا وأترك الضيوف دون نبض أو أخرجك أنتِ من مكانك النبيل … الغرف ماعادت تحتمل ، يبدو أنها واحة ماء لايغامر العطاشى بالخروج منها ولو للعودة إلى أوطانهم …
وفي لحظة إشراق صادقة تكلمت بصراحة متفاهمة : هناك قلوب كثيرة مثل هذا القلب .. من أرادت أن تخرج فلتخبرني حتى أنزف بدمي أو بدموعي أو بعرقي ولتطمئن كل طاهرة لأنني لن أبصق أو أتبول ..!!

محـمـد الأصـفـر
mohmadalasfar@yahoo.com
ليبيا


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home