Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed al-Asfar
الكاتب الليبي محمد الأصفر


محمد الأصفر

Monday, 13 November, 2006

سروال

محمد الأصفر

في حي المغار..
الكل عرايا ..
لديهم في الحي سروال واحد ..
من يريد التسوّق إلى المدينة يرتديه ..
السروال ملك الجميع ..
كل فرد له فيه خيط من دودة نوره .
السروال معلق على مشجب الحي ..
الخارج يرتديه ..
الداخل يخلعه ويعيد تعليقه برفق ..
مشجـب بدون حرّاس ..
لأن كل العالم لابس ..
وكل المجهول أشد لبساً ..
لا أحد ينضوي تحت عالم العُري إلا العُراة..
وهؤلاء ندر ونوادر جداً ..
جداً .. جداً .. جداً ..
جداً طويلة ..
كهوميروس
أو تولستوي ..
أو سعدي يوسف ..
أو جحا .
الكل يفضّل البقاء في حي المغار ..
حيث المغارات التي يتخذونها مساكن ..
حيث شمس الأصيل وطراوة السماء ..
حيث الليل البهيج بالسكينة والمسرّات ..
حيث الفواكه الطازجة والزبيب العتيق ..
حيث الحبوب التي تـنـبـت وتـنطحـن وتـنـخـبـز لذاتها ..
حيث السعادة الدافئة والشقاء المنعش لدرأ الجليد ..
حيث الحريّة الفائضة عـن صواع المألوف ..
حيث التوغـل في الخيال السحيق ..
حيث الموسيقا التي يعزفها زامر الحي فـتصدّع كل كدر أو فيروس أو ميكروب ..
حيث و حيث و حيث كل المشاعر والأحاسيس و الاختلاجات ..
في حي المغار قامت أول جمهورية في الوجود ..
الرئيس هو أكثرهم في الابتسام ..
والعبد هو كل من يبكي ..
والقواد - أكرمكم الله - لا يوجد قط .
في حي المغار يوجد كل شيء :
الجنة
النار
القـط
الفأر
الكلب
المخـّـار ( اللص )
الحياة
برمتها
الموت
بدون رمّة
فإلى هناك
إلى هناك يا أبناء الآهات
أنتم ..
أنتن
أنتما
أنتَ
أنتِ
أنتِ
أجل أنتِ ..
ماذا تنتظرين يا وليفة ؟!.
ذات يوم لبس رجل السروال وخرج إلى السوق
وغربت الشمس وأشرقت من جديد عدّة إشراقات
ولم يرجع هذا الذكر المتسرول بكسوة الحي
هل يعقل أنْ يكون قد باع السروال
أو نساه في حانة أو حمّام أو ماخور ؟!
هل يعقل أنْ يكون قد ضيّع في الأوهام سرواله و خجل أنْ يعود إلى قومه عاريا أسفا ؟!
سريعا ما انعقد المجلس
سريعا ما خرج الرئيس عاريا للبحث عنه
خرج كما ولدته العارية ..
بدون حرّاس أو خيل أو طرطرة ( موتسيكلات )..
لم يبتعد عن حي المغار خطوات حتى أمسك به الرعاع
وفـُـلِّق على رجليه الطريتين بمسواق زيتون ..
وجلد بسوط سوداني يابس على مؤخرته السمينة..
وصُفِع على خدّيه وأنفه حتى زنَّ في أذنيه الشيطان ..
ثم زُجَّ به في سجن الأمبراطور ..
لم يصدقه القاضي أنه رئيس جمهورية ذات نشيد وبيارق ودستور وميزانية نسجت لرعيتها سروالا وحيدا تتلابس فيه .
لم يصدقه رئيس الشرطة أنه رئيس شرعي خرج بنفسه يبحث عن آبقٍ من رعيته ..
لكمه المدعي العام و صرخ فيه : أنت مجرم تـنتهك المحرّمات ..
أنت تافه تزدري عرف الشوارع والأزقة والردهات ..
حتى مجانيننا في عالمنا الحر يجنون مستورين ..
حُكِمَ على الرئيس بالموت بواسطة الخازوق ..
وعند الفجر أُخرِج محشورا في جوال خيش مشدودا إلى نقالة معدنية صدئة بتل شبردق ( أسلاك شائكة ) ..
أخرجه الجلاد من الجوال بعنف وأراد بوحشية أنْ يدفع في مؤخرته الخازوق ..
فصرخ هذا الرئيس المسكين :
يا شعبي الجميل
المطيع الحليم
الطيب العزيز
الكريم الصبور
الجبار الباسل
الساكن في ذاكرتي أبدا
ارتدوا سراويلكم التي بلغ سيل منيّها الزبا و ضاجعوا هؤلاء التيوس ..
وفي لحظة احتل العُراة المدينة ..
الدولة ..
العالم .. كل شبر مأهول أو بِكر
وخوازيق الموت أُحْرقتها الزفرات ..
أمّا الأمبراطور ابن .......
ورئيس شرطته ومدّعيه العام وقاضيه وكل حاشيتة المحشيّة منها والفارغة ذهبوا في خبر كان .
ما حكيناه آنفا هو خبر كان
المنصوب دائما بأي شيء
والمبني على النصب دائما و أبداً وعلى طول ..
وعلى طول طويلة جدا ..
طويلة جداً ..
كأنف أمريكي أجرب ..
لا يرتوي من القار ..
وإنْ أحببتم فمِنَ العار .
أمّا خبر يا ما كان
فيحتاج إلى سريويلٍ جديد
أو كريسيٍّّ جديد
لقد انطفأ حشيش طنجة
لقد جف لاقبي البصرة
لقد ذبل قات مـــــــأرب
ولُبان صلالة ما عاد يفرقع و يسيح
وآه من نهر الليثي ..
نهر النسيان ..
بعيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــد .....
بعيد ..
كيف من هنا
وجحر الهامّة .
المغارة التي يسكنونها تطل على الوادي .. على جدرانها الخارجية تتسلق عرائش عنب ناشرة عناقيدها للشمس .. العصافير تنقر بعض حبيبات العنب .. الأب يلعنها ويهشها وابنته تمتعض من تصرف أبيها وتنزوي في آخر المغارة حزينة دامعة .. إنها تحب العصافير .. تحب كل مغرد صادح بالنشيد .. أمها تواسيها وتهمس في أذنها .. مادام لم يعصر خمره من هذه العناقيد فهو يتصرف هكذا .. هكذا منذ أن عرفته .. هذه العرائش هي كل شيء بالنسبة له .. زرعها ورعاها وتعهدها بالعناية طوال العام يزبرها ويقلمها ويسقيها ويسمّدها وفي نهاية الصيف يجني المحصول ويعصره ويخزنه في القبو بعد أن يمنح الرئيس حصته منه .. والدك ينتج أفضل خمر في حي المغار .. خمره مرتفع الثمن .. عندما يحين دوره في التسرول (لبس السروال) ينقل منه إلى سوق المدينة قربة واحدة يبيعها ويعود إلينا محملا بكل ما لذ وطاب بقية الخمر نشربه ونهدي منه كل الجيران والأصدقاء .. أعذريه بنيتي .. العنب روحه .. وهذه العريشة اشترى أغصانها من ربّان سفينة فينيقية قادمة من بلاد الشام .. دفع فيها رقبة نعامة مملوءة بتراب الذهب .. أدهشته رائحتها التي وصلته من الميناء إلى هنا .. فاستأذن من صاحب الدور السروال .. حشى فيه رجليه سريعا وخرج يجري إلى الميناء .. ووجد الربّان وسأله أي بخور جلبت هذه المرّة فقال له لقد جلبت معي غرسة عنب .. غرسة مباركة .. أجلس أولا وعبْ هذه الكأس وسأحكي لك حكايتها.. فبينما كنت أستعد للإبحار من ميناء صور وإذ بعاصفة تهب .. وإذ بالجو يمتلئ بأوراق الشجر وحبيبات الزيتون المتناثرة التي صارت كمطر غزير بََرَدَه ثمار تفاح وبرتقال وليمون .. صار بحارتي يهملون واجبهم في مواجهة العاصفة وانهمكوا يلتقفون الحبيبات ويبتلعونها بالنواة ويقضمون ويمتصون من ثمار الفواكه .. وصرخت فيهم أربطوا الحبال جيدا يا رجال وأنزلوا إلى قاع الماء كل المخاطيف .. وأطووا القلاع واتركوا التهام الزيتون والفاكهة إلى حين هدوء العاصفة .. والريح كانت عاتية ومزمجرة فلم يسمعني أحد وقوت الزوابع وعانقت الصاري بكل قوتي فدفعتني الرياح بعيدا عنه حتى ارتطمت كتفي بمقود المركب وشعرت بحزمة أغصان مورقة ترتمي على رأسي ووجهي فأمسكت بها أيضا بكل قوتي .. كانت أغصان عريشة عنب .. شعرت ببعض الأمان فألصقت الأغصان المورقة جيدا على وجهي فأشعرتني أكثر بالأمان فضممتها كلها إلى صدري و تقرفصت وتوقفت عن الصراخ في البحارة ففي حالة الفزع هذه كل إنسان يأتيه الأمان من شيء .. هم من حبيبات الزيتون الممطرة وبردها الفواكهي وأنا من حزمة أغصان العنب .. ولم يمض وقتا طويلا حتى أخذت العاصفة تهدأ رويدا رويدا .. بل كلما ضممت الأغصان أكثر إلى صدري ازداد سكون العاصفة فصرت أضغط الأغصان أكثر إلى صدري حتى تفصدت جبهتي عرقا وأحسست أن هذه الأغصان قد توحدت مع قفص صدري وهدأت العاصفة تماما ليهمس هذا الهدوء في روحي أيها الربان الطيب إنك امتلكت خمرا مقدسا يذهب بطيش الريح ويبدده .. قال لي بحار على دراية بالعلوم الدينية والأساطير هذه الحزمة المباركة خذها معك في السفينة و في كل ميناء تزوره أزرع منها غصنا .. جلت موانىء كريت وصقلية ومالطا والمغرب والأندلس والآن وصلت هذا الميناء العطر وهو آخر ميناء زرته .. وهذا آخر غصن معي .. فكيف بحق الآلهة شممته وجئته بأنفك راكضا إلى هنا .. لن أبيعك الغصن المبارك حتى أعرف من أنت .. وأين تسكن .. وكيف أتيت إلى هذه البقعة الطاهرة؟! .

تابع بقية النص في الخيال.

محمد الأصفر
mohmadalasfar@yahoo.com
ليبيا
إقرأ المزيد من أعمال الكاتب محمد الأصفر في مدونته على الرابط التالي :
http://www.maktoobblog.com/alasfar-mohammad


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home