Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed al-Asfar
الكاتب الليبي محمد الأصفر


محمد الأصفر

Thursday, 12 October, 2006

ليبيا .. ليبيا .. ليبيا(*)

محمد الأصفر

هذه المدينة المليئة بالبعوض كيف أجيئها وكيف أذهب عنها ؟!
والأثر شمس مشرقة والأبصار مبيد يسحقني والأصدقاء .. لكن يا حسرة .. أين انتم أيها الأصدقاء ؟ أيها الراحلون عنوة إلى عوالم الألم .. اخبروني ماذا يوجد خلف كل ألم ؟ ماذا يوجد بعد أن تخنقكم الحبال ؟ أو يثقبكم الرصاص ؟ أو يذيبكم الحامض ؟
ماذا يوجد بعد الدم ؟
...............................
ماذا ؟!
........لم أسمع
أعيدوا ماذا ؟!
................ ماءٌ يفور وبلا بخار ..

في ليلة العيد الازدحام شديد .. بشر .. سيارات .. مشاعر .. تسامح .. شجارات .. علاقات تقام .. أخرى تقوّض .. تسوّل .. زكاة .. خمر .. زنا .. انصطال .. شموم .. سموم .. صوت ألة عصر القهوة .. ضجيج طحّان البُن .. دخان .. ضحكات .. تلصص .

مقهى عين الغزالة مكتظ .. على الجدار رأس غزالة .. عيناها الجميلتان ترانا .. لا أدري ماذا تسجل عنا في ذاكرة الطلاء .. الطلاء يتقشر ويعاد الرسم في كل مرة .. الغزالة باقية مادام المقهى يحمل ذات الاسم وإذا تغير فلا ندري ماذا سينقشون ؟

ربما يتحوّل هذا المقهى إلى قصّاب وتبزغ من جدرانه معاليق تتدلى منها الشياه .. ومن واجهته المطلة على شارع جمال عبدالناصر يعلقون رأس عجل مُصبّـرة أو رأس جمل مشقوقة الشفاه .. تلحظها المارة ويراها ركاب السيارات من نوافذهم .. رأس أعمى .. عيون عمياء .. واجهة تتدلى دون رأس غزالة موشوم .. جدار بلا رأس غزالة تتأملنا عيناها في سكينة و وقار .. وكلما وجدتنا سعداء نفثت من مسك روحها أحلاما رشيقة وارتعاشات نقاء .
رأس الغزالة يقول
عيناها تقولان
رشاقتها تقول
والمسك ماذا يفعل ؟ هذا قدره .. لا يتفتق من الغزلان إلا بعد الذبح أو الموت أو الفناء .
فلنمجد هذا الوطن المحتفي بإبادة البعوض ..!

مقهى عين الغزالة مكتظ .. وأنت يا حبيبتي لا أجدك الآن .. لا أجد قلبك الطيني اغترف منه نبض تسليات .. لا أجد في هذا الآن والمكان سوى الضجر .. أخرج إلى مقهى الانترنيت القريب .. ابحث عنك في عناكب الأنوثة .. أرسل لك قائلاً : أنا ذكرك أينك أينك أينك أحبك .. واشتاق إلى نعومة عنقك .. قبل أن اضغط زر الإرسال أجدك واقفة بجانبي : عطر ( بلو ليدي ) يفعم شوق روحي .. وشاحك القرنفلي .. بلوزتك بلون السماء .. جونلتك الدجين الزرقاء .. مداسك الجلدي الخفيف .. حضورك الطاغي .. هيأتك كما أنت تمنح رؤيتي مصل انتشاء .. أحب مريم ولا أريد أن أعرف لماذا بتاتاً أطلاقاً قط .. أصافحك بحرارة الحرارة وبوهج الاشتياق .. أصافح أختك ذات السنوات السبع والأخرى ذات الإثنى عشر عام .. أحسني في جنة تعيش .. جنة وصلت إليها قبل الموات .. تجلسين بجانبي إلى جهاز الحاسوب .. تتفقدين بريدك .. و نتغازل ضمناً عبر برنامج الماسنجر .. يجففني ظمأك فأخرج لأعود بعلب المشروب الباردة .. عصير فراولة لذات السبع أعوام .. عصير برتقال لذات الإثنى عشر .. وأنت يامريومتي اللذيذة أقدم لك علبة بيتر صودا مُرة المذاق .. لو كنتِ مراهقة لقدمت لك حموضة البرتقال .. لكن أنت يا سمارة نضجي يا ذات الثلث قرن من العمر .. يا كبيرة في تجلي الحياة .. يا ظفري الأجد المتجدد .. فأقدم لك مرارة الماء .. أتجرع معك المرارة .. لنرحل سوياً بها إلى عوالم الحلاوات .. هل في حياتك تجرعتي مرارة الماء .. فلنفتح العلبة .. فتحنا علبة الدنيا .. تجرعنا منها .. والعرق الذي بزغ على جبهتينا سنبحث له عن منديل يتذوقه .. لم نجد أفضل من لسان الهواء .. خرجنا إلى حديقة 23 يوليو القريبة .. جلسنا تحت الساعة الخرساء .. صار النسيم يجففنا .. عطسنا متقابلين وضحكنا حتى دمعت عيوننا .. قلتِ لي لابد أن أغادر الآن .. غداً عيد سأشتري ملابساً للصغيرتين .. للفراولة والبرتقالة .. إلى لقاء .. إلى لقاء .. إلى لقاء يا صدفة القدر الرائعة.
وعدت منشرحاً إلى مقهى عين الغزالة وقد زال الضجر .. أشعلت سيجارة .. أكتب بمداد رمادها .. أخربش بجمرها أرسم بدخانها .. الغزالة تراقبني بعينيها وقلبها و أخالها تهزهز ذيلها القصير ورأسها وتقفز خارجة من المقهى .. أجري وراء عبقها المسكوي عبر شارع جمال عبد الناصر .. يلوّح لها المطرب عبدالجليل عبد القادر من مربضه الدائم أمام جمعية المعاقين مُترنماً:
كيف الرأي يا ريم الجليبة .. الخفـّـة عيب والغيّة عطيبة
ياريم الغزيّل .. عاشق فيك من وأنت عويّل
عيونك سود ووشامك منيـّل
بحر النيل ما يطفي لهيبة.

تغمزه الغزالة غمزة ذات دمعة وتواصل الركض ..
وصلت البركة .. انعطفت يميناً إلى الكيش .. عبرت إلى الفويهات .. أمام مستشفى الأطفال عجزت عن الغمز للمرضى الصغار .. وانهارت تشاركهم الذرف .. ذرفتْ معهم أيضاً وإذ فتحتُ عيني قليلاً لم أجدها ولمحتها خيالاً بعيداً يختفي في سحاب منطقة الهواري .. مصنع الأسمنت ينفث غباره السام .. المقبرة مزروعة بالقبور .. مستشفى الأمراض النفسية ضاج بالصراخ والضحك والهستيريا .. واصلتُ الجري وراءها .. قرية جردينة .. النواقية .. وعندما اختفت في عجاج سلوق تساءلتُ أين ذهبتْ ؟! أين الغزالة يا شيخنا المختار ..؟.. لم تجبْ الرفاة ! .. فعدت حثيثاً إلى رباية الذايح .. دخلت المقهى لاهثاً .. وجدت الغزالة تبتسم .. الجدار المرسومة عليه تبسّم هو الآخر .. مريم حبيبتي تبتسم لنا جميعا .. قالت لي : اشتريت للصغيرتين ملابساً جميلة ورخيصة .. وأدخلتهما المسرح الشعبي لمشاهدة مسرحيتـنا شيّع وطّي ..
هما تشكراك على الفراولة والبرتقال
وأنا أشكرك على علبة البيتر صودا المرّة ..
واصلنا النظر من خلال زجاج المقهى .. نوافذ المسرح العليا مقضـّـبة .. وصوت الغيطة المغنـّـاة في المسرحية يتـناهى إلينا شجياً شعبياً :
يا غزالة خطّى خطّى
وعا لسبّورة خطّى خطّى
عمري عدّا شيّع وطّي

الأحلام في قاع عميق
الذكرى تنفخ روحها
تطل حينما تنام
وحينما نستيقظ تـنـثـقـب فـقاعة الذكرى
كهذا الحاضر
وذاك القادم
وتلك السنين
الأحلام في قاع عميق
غائصة حتى قمتها في التهاويم
من راكمها إلهي في هذا القعر؟!
من أقعدها على شفا الجرف ونفخها للحضيض ؟!
أين تلاشت آهة قلبك ؟
أنا أراك .. أسمعك .. أشمك .. أتذوّقك
المسُـك بأصابع ضمخها المسك وطرّاها الحنين
أنا حواس تسعى صوبك
روح تسبح تحت شمسك
ظلها يجعل الورد سعيداً
يرقص مع الريح
ويضئ مع الظلام
أحلام الغزالة تجري في مضمار الروح .. نقطة دم سكـنـتـني منذ الأزل .. في داخلي مقبص مسك هو أنتِ .. في داخلي عبقة عطر وابتسامة حظ هما أنتِ .. في داخلي أنتِ .. في خارجي أنتِ .. أنت ِ .. أستبقيك .. أسقيك .. أحلم بك .. واغنـّـي لك ..ا
الأحلام دون عطرك جواثيم ثقيلة .. خيالات تتهاوي وتذوب في غبار مثلوج .. الغزالة سكنتني .. عيناها الضاجتان بالجمال دمعي .. لهاثها المفروز في الملذات عرقي .. الموت صياد .. السكين صيّاد .. الرصاص صيّاد .. ضيق النفس صيّاد .. الجمال يقتله المعربدون والبدو والأعراب .. يأسرونه ويعرضونه فـُـرجة في أقفاص .. الغزال في حديقة الحيوان حزين .. منزوٍ في زاوية حادة .. عازف عن لوك العشب وازدراد الخبيز .. نـتفرج عليه صغاراً .. نشاكسه ليركض .. نوخزه بمهماز رفيع .. يحتمل الألم ولا يركض .. يبتعد إلى ظلام ولا يركض .. أنا الفنان عبد الجليل عبد القادر صغيرا .. أزور حديقة الحيوان أو سجن الحيوان .. أقف ساعات أتأمل الغزال أغني له مواويل الصمت .. يرمقـني ملياً .. يحكك بطنه بحافره .. يهزهز رأسه ويدس خيال ذيله بين إليتيه.. يتحرك أمامي ببطء .. يتمشى وئيداً .. يحجل وئيداً .. أخاله يرقص لي ( باليه ) الحيوانات .. يحفزني .. يستـفـزني .. يزرع في حنجرتي مبذورة حزن .. حبال العبرات تخنقـني .. تنقش في صوتي بحّه استعذبها وتستعذبها الآذان .. يلهمني فأغني وأهرب من بريق المعجبات باحثاً عن إنسان غزالة عيناها واسعتان عميقـتان .. ينبعث من دواخلهما المعنى وينهمرُ من بصيرتهما بلل الشموع .. لا أجدها ولو وجدتها لما صرت فناناً أغني ناشداً جنة الصوت ذات الجدار المثقوب المصدِّر ترانيمي إلى جدران صمّاء أفجّـرها زهوراً وأمواهاً .

الآن الغزالة تمر أمامي .. بُغيتها سلوق .. أشير لها بيدي المشلولة .. يدي التي لم تطلق عليها الرصاص أو تنصب لها الشراك أو تقذفها بالحصى أو الوشاية .. يدي الداقة قضبان قفصها دقات نغيمة تبعث الأمل في نفسها وتبشرها ببزوغ أزمان الخلاص وتحلل الفولاذ .
ماتت الغزالة ذات يوم وقـُـدّم لحمها الطري قربانا لملك الغابة بينما روحها ظلت تحوم في ميدان الشجرة .. تحوم وتحوم .. لتحط أخيراً وتنتقش على جدار المقهى المسمى باسمها .. تغادره كل يوم .. ترحل جنوباً إلى سلوق .. تصل ضريح شيخ الشهداء عمر المختار .. تتعفر بالتراب في ذات المكان الذي شنق فيه البطل .. ثم تعود حزينة باكية إلى ألم المكان ..
هي تتأملني الآن
زمان كنت أتأملها في القفص
الآن دار الزمان لتتأملني كسيحاً على كرسي مقعدين .. مهملاً على الرصيف .. كأي حجر أو علبة صدئة ..هيه يا زمن كم أنت أرعن .. لكن .. هكذا هي الحياة .. هكذا سنتها ..
التاريخ يعيد نفسه والنفس تعيد التاريخ .. أنا غنيت للغزالة كثيراً .. ليتها تلتفت الآن .. ليتها تقف وتغني لي .. أحتاج إلى جرعة من غناء الغزالات .. لقد مللت نهيق الحمير ونعيق الغربان ونعيب البوم وهتاف السفلة المنافقين النافقين .. الشارع الذي أقف فيه الآن شارع جمال عبد الناصر.. للأسف الشديد هو مسفلت بالقطران ولكان استمعت إلى نقيق الضفادع .. أيتها الغزالة احمليني إلى غدير جنبه نخيل .. بطنه حناء .. ظهره عشب نجيل اتقلّـب فيه .. الأسمنت غزانا الآن .. والاخضرار اغتاله الرماد .. مصنع الأسمنت ينفث الدمار والدخان .. والغدران التي أراها أمامي وأحياناً خلفي أو تحيطني هي بالوعات أفاضها مجتمع الاستهلاك والهلاك .. أنا غنيت للغزالة كثيراً .. ليتها تقف الآن وتغني لي .. الأوباش لا يقفون .. يمرون في مركباتهم وعلى أرجلهم ولا يقفون .. ولا حتى يحيّون أو يسلمون بتحية الإسلام السلام عليكم .. صرت غريباً أنا الصداح بالنشيد الليبي الأصيل .. الأغاني تعيش في الوجدان .. والحنجرة التي اهتـزت إبداعاً لها للأسف تنسى .. ما وقف لي سوى بعض الأصدقاء .. مريم .. محمد .. سميرة .. وثلة بسطاء من أحياء المحيشي والكيش والصابري وشعبيات السرتي والمرسيدس والكعب العالي والزيتون .
الدنيا يا مريم بالوجوه والآخرة يا غزالة بالأعمال .. و المتحزم بالأيام وحتى بالعصور عريان .. وما يغرّك كبر عرجون بالصيص وفيه المرارة .. وآه .. آه كم هو الزمن مُـر .. أمر من مشروب البيترصودا الساخن .. مريم ومحمد دفعا بي الكرسي حتى منطقة الرويسات .. أعاشوني ذكرياتي الحية في زمن يجحدني .. تزودت من تراب طفولتي بزيت أصيل .. طرَى يباس المشاعر البلاستيكية .. تزودت من هناك بنفحة أمل أمدتني بسبب فطري للحياة .. وأنتِ أيتها الغزالة مررتِ بي الآن .. غمزتي لي و مضيتي في دربك إلى هناك حيث شيخ الشهداء سيدي عمر المختار النائمة طهارة رفاته في سلوق .. مررت من أمام مستشفى الأطفال تبكين مع من غدر بهم الإيدز .. مررت بمستشفى المنفوسين وبالمقبرة الحديثة الكظيظة .. صفوف وراءها صفوف .. قبور منتظمة متراصفة .. أخر محفورة جاهزة للقادمين .. غمزتي لي و مضيتي تبتسمين .. آه .. من ابتسامة الغزالة الشبيهة بابتسامة الجنين عندما يصكك في ظلمات الرحم .. منذ خرجنا عجزنا عن الصك والابتسام نمارسه سراً وفي الظلام .. لوّحت لك برأسي فغمزتي لي وما فهمت غمزتك كما ارتسمت على براح البصر .. فهمتها بطريقتي .. وكما ارتأت لي .. همستِ لي أن أصبر .. أن أتغاضى ..( أن ما نعدلش ) ( أن نبرى شنكة !! )
( أن نعمل نيسة ) قالت لي :
أنت يا عبد لجليل في داخلي تركض .. وأطرافك الميتة هي التي أركض بها الآن .. انتظرت عودتك من هناك .. غربت الشمس وتوارت النجوم .. هدأت الريح .. انطفأت البروق .. صمت الرعد .. البحر مات وأمواجه انتحرت على نتوءات الصخور ..
الزيت في طنجرة أمي قتلته النار .. أنا بصلة تبكي يا غزالة الروح .. والقدر سكين شرّحني إلى حتحتات.. انزف دمي الشفاف النفاذ.. أنا على شفير الآن .. أمي أينك .. مريم أينك .. محمد أينك .. غزالتي أينك الآن .. أنوف الأوباش تشتاق لاحتراق رائحتي .. لن اقفز .. لن أتهاوى .. لن انحني و سأنغرس سنبلة في ترائب الوجدان .. ولتتجلىَ ولتتعالَ ورودنا إلى أعلى .. أعلى .. ولنغنِ يا أحباء الموّال الذي موّلت به الغزالة الأم لصديقها العصفور الرابض على قضبان قفصنا :
يا طير لو نشاكيك بما صار لي وما جرالي ..
عامين ما تنبّت الريش وعامين في الجو جالي ..
وتقول مريم : وهل عامان تكفي يا مودي ؟
سأرضع رحيقك طوال الزمن
لن انفطم عن عشق يتشربني
عيناي تحبك
وإن عميت
فأحلامك حتما ستتلمسني..

*   *   *

عادت الغزالة من سلوق .. سألتها كيف حالك وما الأخبار ؟!
قالت المطرب عبد الجليل عبد القادر مريض .. أراه كل يوم قابعاً على مقعده المتحرك أمام عمارات الاستثمار بشارع جمال عبد الناصر .. يتأمل السيارات المارة ويتملّى في وجوه الناس ببصر الصمت وعتاب الود .
في سلوق أهرش هموم جلدي العسلي على رفات الشيخ عمر المختار .. أسامره قليلاً ثم أعود .
اليوم أنشدت له قصيدة النخلة للشاعرة الكبيرة الحاجة مبروكة مصطفى عريش .. انبسط منها شيخ الشهداء كثيراً .. ولا اعرف كيف وجدتُ بجانبي ناقة بيضاء فاخرية ضرعها السخي يكرم فمي فأمتص لبناً لذيذاً دافئاً يطفئ حلاوة ما لـُكت من تمر.. ناقة ترضعني وكأن أمي ما اصطادها الطغاة بعد ..
محمد سأقرأ لك قصيدة النخلة التي أطعمتني ذات تيه :
نبدأ بحمد الله .. خلق الإنسان وعالم ضميره
ونصلي على المختار .. في كل صبح وظهيره
ونوصيك يا صاحب العقل .. خليك واعي البصيره
دير بالك من النخلة .. غانية العيلة الفقيرة
اللي من تمرها أدير حمل .. ومن سعفها ظفيره
ومن ليفها نفـتلوا حبل .. ومن لا قبيها مجيره
ومن كرنافها نطووا بير .. يطلع اميه غزيرة
ومن جريدها جيراط وخس .. فيه انقيل بالظهيره
ولو ريت حتى خشبها .. منه فوائد كثيره
منه سقف للبيت .. ومنه بيبان خيره
ومنه الفلاح مبسوط .. مقام لجياده ايديره
وكل خشبه لها دور .. مهما كانت صغيره
انهاجيك ياعمة الكل .. يا نابتة في السريره
يكفيك ياهايفة الظل .. وصية نبينا الشهيره
قال اكرموا عمتكم النخلة .. قول نابع من ضميره
ونختم بالصلاة على الزين .. شفيعنا يوم نقعدوا في حيره

قصيدة مؤثرة يا غزالة .. أخال أن هذه الحاجة مثقفة و متحصلة على درجة الدكتوراة .. لكن الحقيقة أنها أميّة لا تقرأ أو تكتب .. قرأت الحياة وعاركتها .. تربت على القيم وعاشت من اجلها .. قصيدة زاخرة بالخير والظل والماء والشفافية والصحة والإيمان .. نابعة من قلب يعيش أرقى حالات اليقين .. أيتها الغزالة .. أنا حزين الآن .. لقد تركت مريم وأتيتك .. احبك أنتِ .. أحب أن أرافقك في حياتك هذه .. أن أهجع بجانبك نقشاً أبدياً على الجدار .. لقد مللت هذه الحياة .. ما عدت أطيق وجوه البشر الكالحة النافقة من النفاق .. لم ترد الغزالة .. العامل الإفريقي يرش الجدار بالماء المصوبن ويكشطه بعنف بمطاطة حمراء مثبتة في عصا طويلة تصل حتى أقصى السقف .
خمس دقائق ويرتفع آذان الفجر
الفجر أصيل الليل
المغرب شروقه
وقيلولته بعد منتصفه بقليل
الجو بارد
والسماء هواءها عليل
قمرها منير
مطرها غزير
وليلها طويل .. طويل..
آه من الليل .. الليل ظلام .. ظلام شفيف .. الليل دوام عاشنا ويعيشنا .. وليلنا يا مريم لم نجرّب ديمومته .. حدسنا المتقطع لا يُفلسف ..
حدسنا دافئ جداً .. في أتونه يذوب الفهم
وعلى حرارته تنضج الفراشات أحلامها
لا أدري من منا الفراشة ومن منا اللهب ؟!
نحن فراشة واحدة
جناحاها نحن
لهبها نحن
نورها نحن
هل من منا جرّب دفء الفراشات ؟!
أحيانا يحرق الإنسان نفسه ..
أحياناً يبتعد بها ويحرق إنسانيته ..
والرائع انه لا غني لنا عن النار حتى في الجنة.
ساعة واحدة وتشرق الشمس وتخرج الناس من بيوتها .. منهم من يظل نائماً حتى الضحى ومنهم من هو كحالنا يخرج باكراً .. باكراً جداً .. جدا .. جــــدا كثيرا ..
أخرج من فقاعتي .. أركب حافلة من حي المحيشي حتى ميدان الفندق البلدي .. ومن الفندق البلدي أخذها ( كعٌابي ) ماشياً حتى شارع عبدالمنعم رياض .. أتوقف زمناً في ميدان الشجرة ثم امضي .. خطواتي الأمامية تمحو ما تراه العين وتخرس ما يلج الأذن من مصاخب.. خطواتي تدوس الأرض مرغمة .. تمحو خطوات سبقتـني .. وخطوات قادمة خلفي تمحو خطواتي .. محو .. محو.. محو .. التراب سبّورة نخربشها بأقدامنا .. نوشمها بقدرنا .. البذور تطل خضراء .. ونحن إذ نندفن يندثر طليلنا .. ربما أرواحنا تـُحلق فوق الأرض .. ولا تتماس معها أطلاقاً .. التراب يجرح الروح .. والمشاعر الحافية تخدشها جوارب النفاق ..
عندما أسكــفتْ لي مريم حذائي قلت لها :
أين الجورب .. فـلبستـني .

*   *   *

أجلس في مقهى عين الغزالة .. أمامي الباب مفتوح .. يخرج منه دخان السجائر .. يدخل عبره نسيم الليل .. السيارات تمر بطيئة .. بعيد أمتار نقطة مرور ميدان الشجرة .. أشجار قزمة أراها بعد الطريق .. خلفها نخلات دقيقة الجذوع .. خلفها المسرح الشعبي .. يمين المسرح حديقة .. وراءها مستشفى 7 أكتوبر .. الزمن كما الأسماء يتغير .. كما الأسماء يموت .. يُغسل .. يُكفن .. الزمن نسمة تتحرك لها جنتها ونارها .. ظهرنا المعوج صراطه .. وضلعنا الأعوج هاويته الغائرة .. آه ما أقل رعشاتنا وما أكثر ركضنا في مضمار المستحيل ..
أحاول اصطياد عنب المستحيل .. أعصره خمراً في عقول مُمْكني .. مُمْكني نسمة تعض التروس .. بسمة لا أسنان لها .. بيد أن شفتيها حادتان .. ولسانها ضمادة معنى طاهرة .. عنب المستحيل دالية زاحفة .. ندوسها بأرجلنا فتشرب الأرض أنخابها وتتفجر بذورها .. وتلبس أصابعنا جوارب العطر فتفرح أظافرنا براحتها الناعمة .
الشفتان حادتان
اللسان ضمادة معنى
الابتسامة لا أسنان لها
الأظافر تلبس جوارب العطر
قلمي خرباش على جدران مقهى عين الغزالة .. هذا المقهى المتحف .. في الماضي كان محلاً لبيع التحف واللوحات التشكيلية وآنية الكريستال .. صاحبه يوناني .. ربما كان الآن رفات أو عجوزاً هرماً يحتسي النبيذ .. لا أرى وجهه .. أنفاسه تصلني .. تتشكل إلهاماتي بحياة تستكتبني .. استكتب أعصابها فتبوح لي :
في مقهى عين الغزالة قهوة وسجائر
وحفنة أصدقاء
يغادرون تباعاً
وتلفاز سجين في رف
احتكره الدوري الإيطالي وقناة الجزيرة
و حروفية لمريم معلقة إلى الجدار
الغبار يكسوها
وعامل النظافة لا يمسحها إلا كل حولين
هي حزينة
خاصة عندما يشطفون البلاط آخر الليل
ويقولون لنا : معلش شطبنا ..!
السيارات تمر أمامي .. وسعف نخيل الزينة يعلن عن ذاته بالحفيف .. المسرح الشعبي يعرض مسرحية شيّع وطّي .. بينما سيارة إسعاف تعوي أمام مستشفى بردوشمو .. 7 أكتوبر ..7 التمور .. الخفير يصلي العشاء ومفتاح الباب مربوط في تكة سرواله هو الآن انتهى من شعيرة التشهد وبدأ في أوراد طويلة يتوسل بها عزرائيل الإبطاء والله عز وجل الرزق والمغفرة .. العاشرة مساء الآن .. والشارع أمامي اسمه جمال عبد الناصر وزفّة عرس تمر .. سيارة العروس تتموضع على مقدمتها باقة ورد محاطة بالبالونات الملونة .. أمامها رتل دراجات نارية .. إحداها يركبها راكب من خلاف أي ظهره لقائد النارية ووجهة لموكب العرس ..
يصور الزفة بكاميرا فيديو كليب .. العروس محصورة بين عجوزين عطرتين ترتديان الكساء الليبي وتزغردان .. خال العروس السمين يبرم شنبه بيسراه ويمناه تقبض على بندقية صيد ( خرطوش) أخمسها بارز من النافذة .. مرسيدس الزفة موُجرة من معرض سيارات بمعيّة سائقها الغاني..
في هذا الصباح الجديد وصلت المنتدى الإذاعي بشارع عبد المنعم رياض مشياً على الأوهام .. لم أتوقف كالبارحة في مقهى عين الغزالة وواصلت إلى المنتدى الإذاعي .. جلست جنب مريم لاهثاُ عرقاً ..
مريم في يدها منديل مسحت به أنفها ثم جبيني لا أدري كيف صارت جبهتي فمي ولا يدها أنفي .. انتقلت لي انفلونزا العجيلات .. والآن أرشح بشدة .. ومنديلها الصباحي إهترأ ودفنته رياح التفتت في قبور الذكرى .. نسيم الليل ينعشني ويعطسني .. و مريم الآن في غرفتها غارقة في صلواتها وأوراقها وأحلامها .. والعالم ينزلق إلى وجهته التائهة على عجلات متخلخلة مفشوشة .
آه من ينفخ بالونة التراب هذه ويريحنا ..
أكتب أشياء أحبها .. عطسات بين السطور وسعالاً ليس ديكياً .. وقهقهات أتوق لها إذ تكون يد قلبها في يدي .. أيدينا المتشابكة متوحدة البصمات .. آخر رتل من موكب العرس مر .. المكان هدأ قليلاً .. وبدأ واضحاً حفيف الشجر والنخل .. وبوّابة المستشفى فتحت بابها الفولاذي وانزوى الخفير في ركن قصي يعيد ربط المفتاح في تكته بإحكام .. بدا منشرحاً راضياً فقد أتم صلاة الشفع والوتر و دعى غايته طالباً ما أراد .. المريض أدخل غرفة العناية الفائقة .. وغادرت سيارة الإسعاف المستشفى .. توقفت أمام مقهى عين الغزالة .. نزل منها السائق وطلب مكياطة خارجية .. أي قهوة بالحليب في كوب ورق .. كوب الورق يختلف عن الفنجان .. الفنجان يُقرأ بينما كوب الورق يُرمى من النافذة .. أعد له النادل أحمد التونسي المكياطة وسأله : رأيتك صباحاً تمر من هنا مسرعاً تزربز ( تتملص) بسيارتك بين السيارات وتعوي بصخب ..
ما الحالة التي كنت تسعفها ؟!
أجابه السائق : لا توجد في السيارة أي حالة .. فقط إفطار الممرضات خفته أن يبرد ..!

الرشح يأتي بالكلمات الراشحة والسطور المريض حبرها والمعاني التي سئمت أروقة الجدية .. فداعبت حلمات الهزل لتـنجو ..
الرشح يأتي بالعطسات المبهجة
وبالدميعات المتسربة من قضبان الرموش
الرشح جميل .. حرارة وبرودة ممتزجتان في كأس
موسيقى .. اتشي .. اتشششي .. اتششششششششي ...
وبين كل سطر وآخر تكمن عطسة ..
رذاذ دخيل تسلل إلى نقائي
أمسح بقاياه ببقايا مناديلي
وأرمي البقايا في نيران ذاكرتي
هذا الرشيح يجعلني أتأوه
أتألم بلذة تكتسي جُل جسدي
روحي تتأمل
جسدي يتأمل
قلبي يتأمل ويضحك .... هههههههههههه
وعقلي يخبش جدار مُخي
فيسيح أنفي راشحاً برذاذ يعذبني
رذاذات أخرى تحاول أن تدخلني
لماذا يا رب جعلتـني بوابة ..؟!
جعلتني باباً لا املك مفتاحه ..
أريد أن أتحوّل إلى قفل مفتاحه في تكتي
ولو إلى حين يا رب
أوراقي بعاثر .. أقلامي خواثر .. دموعي ذوارف .. وانفي يرشح .. وبين كل سطر و سطر اعطس .. واعطس .. ثم أكح . آه يا قلمي .. يا من تنقش حقيقة حبري بدخان يصاعد .. آه ساكسرك .. سأنقذ أصابعي من وحل خربشاتك و أنزرع فتيلة دفء بين سطور الليل وإذ تبعثرني عطستك المضيئة .. أكون منديلها الذي يتمزق ..
الحمى والرشح والحب شيء واحد .. شيء يجعلني اكتب .. أخربش ندمي على أوراق أمزقها بمقص أعمى .. اعتذر منه ولا أتلقى رده ..
مريم بجانبي .. تلوك علكتها .. تخرج من حقيبتها بالونة حمراء تـنفخها .. تترك الهواء يخرج من الفرجة الضيقة .. خروجه يحدث نزفاً اسمعه .. نزف زغاريد هوائية .. تنفخ مجدداً وتناول فمي علكتها التي ذهب سُكرها .. امضغ وأتأمل التلفاز النازف .. تتركني إلى طاولة أخرى تجلس مع أصدقاء .. أغار جدا وانهمك في كتابتي غائباً في ظلام رخو ..
آسف العلكة في عيوني .. لا أبصرك يا رهين المحبسين .. لقد جنيت ولك سُعدت لأنك ضحيت .. آه لو كانت مريم معي لكتبت حروفاً وأنجبت هموماً ومضيت .. فلا تقتلني بنظرك اللا أعمى .. عكازك ينبش الطين .. مدببٌ عكازك اللعين .. اعتـقـني لهشاشتي .. أذني ترى .. فمي يرى .. عيني ترى .. أفكر بلهاثي وضحكاتي إلى الداخل وآهاتي عُــرى ..
استحممت كثيراً بوحل الصدأ فلم يشعر الصدأ بأي غربة تذكر .. لا أدري لماذا ما شبعت ؟!
عيناي والتراب توأمان ..
كنت ابحث عن جوع جديد وعن ظمأ أجد ..
شربت كؤوس الارتواء فما ارتويت ..
أريد ولا أريد .. قلق خفي يتنازع راحتي
هدوئي يصارع صخبي ..
كل شي رتيب
الموت والحياة .. الجنة والنار.. رحمة الرتابة.. جحيم المألوف ..
أنا أين ؟
مورينتي أين ؟!
إلى متى شهيق وزفير يتناطحان ؟
شكلي هو شكلي ..
أنا هو أنا ..
قلبي يدق سبعيناً وقد يزيد
دمي في مضمار العروق ولا تجديد
سئمت .. سئمتُ .. وذروة الإحساس تستزيد
مريم في نبضي وسميرة لا ترحل من الوريد ..
كيف سأنهي بداياتي ؟
وكيف سأبدأ من جديد ؟
وكيف سأولد يا إلهي وأنت خلقتـني فقاعة
لا فم لها .. ورياحك القريبة .. اعنف من البعيد ؟!

وتعود مريم إلى طاولتي .. تطفئ غيرتي بنداوة ابتسامتها ترفض غيرتي أن تـنطفئ .. أصفعها وتصفعني .. تتناثر المياه الباكية .. تكفكف بكمي .. أكفكف بمنديلها مسبب الانفلونزا .. أنكس رأسي معتذراً .. تنكس رأسها معتذرة فتلحظ حذائي الجديد.. تلوثه بقاع حذائها ثم تهمس في أذني :
جوربي كقلبي أغسله كل يوم
بينما حذائي لا أنظفه من وحل الشتاء ومن غبار الخريف ..
السبب هو قدمي
ترفض ركل الترهات بحذاء نظيف ..

في صباح تـُـرّهي عمَّ الصمت المنتدى فجأة .. الكل بصره إلى المدخل .. مدير الراديو والتلفزيون وصل .. خلفه أبي إصبع و الزرزور .. هما من الصحفيين العوّالة الذين لهم باع طويل في التطبيل والهدهدة .. لم نهتم للصمت الذي عم .. ولم نلتفت لنرى القادم الجديد .. كنا نستمتع بمشاهدة مباراة ليبيا ومصر نتابعها بتوتر وحماس ككل الليبيين البسطاء الطيبين .. عدسة المصوّر مسلطة على الجماهير حيث ظهرت مريم تعتلي كتف أبيها وتهتف : ليبيا ليبيا ليبيا ليبيا .. ومع كل هجمة لفريقنا تقفز من كتف أبيها إلى أكتاف أخرى تردد معهم هتوفهم وتعود ..

في مدرجات الظل ثمة طفل أخر يلوّح براحته الغضة لمريم .. مريم تراه وتبادله التلويح .. الجماهير تهتف .. والأطفال يتقافزون ويركضون منصهرين في مخلوقات الهتيف.. مريم تركض إلى مدرجات الظل .. والطفل يركض إلى مدرجات الشمس.. خلف المرمى يلتقيان .. يصعدان الساعة الالكترونية الكبيرة ويهتفان .: ليبيــا .. ليبيا .. وعندما سجل الموهوب نادر كارة الهدف الأول ابتلعهما الهتاف.. وصدى الصراخ كاد أن يقتلعهما لولا حضن ليبيا الدافئ الذي ثبتهما في حبّة القلب وسُـرة الروح .. صارا الهدف المشع الذي يُرى في قلب الساعة .. هدف فرحة من فتى وفتاة .. هدف ينبض في روح الزمن.. وفي قدحة التاريخ .. طفلان متعانقان تحتضنهما أم .. يشعان في عمق اللحظة ويهتفان والجماهير بأعلى منهما ترد : ليبيا ليبيا ليبيا .. وليبيا تمنح الجميع الود وتبكي بدموع من مطر وتقول : لم أكن أعلم أن لي محبين أوفياء..
أكل هذه الجماهير تحبني؟!
والآخرون الذين أمام التلفازات في كل مكان من العالم.. والذين يحتفلون بي في الشوارع ويهتفون باسمي ويلوّحون بأعلامي يحبونني أيضاً.. لكن لماذا .. لماذا .. ليش .. علاش .. لواه ؟ .. ماذا قدمت لهم ليحبوني؟.. ماذا قدمت لكم يا أبنائي لينبثق منكم كل هذا الوفاء ..؟ آه ما أجمل هذا الشعور .. ما أحلاه.. سأدعو لكم أن تنتصروا دائما لأراكم وأسمعكم وأعيشكم.. أحبك أيتها الجماهير .. أنا ليبيا أمكم الحنون.. دائما ينتابني الغضب والحزن إذ أراكم تشجعون غيري .. في بطولة كأس العالم تشجعون البرازيل .. في كأس أفريقيا تشجعون المغرب .. في الدوري الإيطالي روما أو يوفنتوس في الإسباني برشلونة أو ريال مدريد في الإنجليزي ما نشستريونايتد أو ارسنال.. أتألم من تشجيعكم غيري ويغلبني البكاء والنحيب
وأقول أين أنا .. أين أنا ؟ .. أين ليبيا المبدعة الرشيقة الجميلة الرائعة الودود .. لابد أن نكون في هذا العالم.. نحن لا ينقصنا شيء .. الحب موجود.. الخير موجود.. والزيتون والرمان والنخيل.. وليبيا لم تأت من فراغ.. لم تدخل المجد من شارع فرعي.. لها تاريخ.. مستقبل. . لها وجود في قلب العالم.. هي سرة الكون وعروته.. ورمز شموخه وعزته.. إنكم تحبونني بغدق الغدق رغم أنني مقصرة في حقكم.. وماذا في يدي لأعطيكم .. أنا مثلكم.. تنقصني أشياء كثيرة.. أكاد أجف.. لكن عرق هتافكم وماء صرخاتكم باسمي أغرقاني في الأمل.. أحبكم.. أحبكم.. فخذوني أنا لكم.
وتواصلت المباراة ومازال الطفلان متعانقين في قلب الساعة يبتسمان بود وبكيا إذ سجلت مصر هدف التعادل.. وتركا الساعة ليمتزجا .. لينزرعا في تراب الجماهير.. يهتفان لحظة السكون والصمت واليأس بصوت جهوري طفولوي .. ليبيا .. ليبيا.. ليبيا وتنبعث جذوة الحماس.. وتضئ شرارات الثـقة ظلام التخبط والارتباك وتشب نار رد الاعتبار في أقدام لاعبينا المهرة لتصل الكرة للعبقري طارق التائب .. يمررها سهلة فاتنة للغزال الأسمر أحمد سعد الذي يودعها الشباك بحرفنة وثبات فتشتعل المدرجات وتخرج الناس إلي الشوارع.. والساعة الالكترونية تـنثر ورودها الليبية الفائحة علي أعراس الزمن.. وأبو مريم الطيب يذوب وسط الجماهير ويجد ذاته يشدو بقصيدة يرتلها بلسان فائض بالفرح زاخر بالابتسامات والمراحب و ليبيا تردد خلفه ومعه وفيه:
ذهبت إلى المدينة الرياضية
لم أجد مكاناً لأجلس
فضاعت مريم في وسط الزحام
بدأت أصرخ وأبحث عنها
وأتذكر أمها.. دون جدوى.. دون جدوى..
كانت الجماهير تزأر وتؤازر
وكانت الرايات الليبية تلبس الأفق
وفجأة لمحت مريم من بعيد
تصرخ وتصيح وتـقـفـز
ليس ألماً..ليس آه .. إنما ليبيا.. ليبيا.. ليبيا
وعندما سجل هدف الفوز
عانقت مريم : أبا أخر .. أخاً أخر.. جداً أخر....
رفرفت معهم
رقصت معهم
طارت معهم
كنت أناديها: تعالي.. تعالي..
وكانت ترد: لا تخف يا أبي لن أضيع .. لن أضيع.. لن أضييييع..

محـمـد الأصـفـر
mohmadalasfar@yahoo.com
ليبيا
________________________

(*) مجتزأ من رواية "شرمولة".


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home