Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed al-Asfar
الكاتب الليبي محمد الأصفر


محمد الأصفر

Monday, 11 September, 2006

فصل من رواية

اغـنيـوة

محمد الأصفر

يقول الشاعر عماد ابوصالح في كتابه مهندس العالم :
لأنه كان قد بلغ 70 عامًا،
ولأن قدميه ما عادتا تستطيعان حمله،
ولأنه لم يكن يقدر أن يعيش دون أن يلعب بالألوان ،
فإن هنري ماتيس ثبـّت قلم فحم في عصا طويلة،
وراح وهو نائم في سريره يرسم، بكل تهور الأطفال، على حيطان الغرفة.
ولأنه لم يعد له أب أو أم أو أخ كبير،
فلم يقل له أحد :
"ولد يا هنري، سنقص لك أصابعك، كفاية، أنت وسخت الحيطان".


مع الطعام اللذيذ الذي كانت تشتريه من مطاعم المدينة وتتناوله في ظل شجرة التين ومع النبيذ العتيق الذي كانت تحتسيه مع كل وجبة تمشمش وجهها وازداد نضارة وجسدها ماس اكثر وتمتن ... وأضحت أحاسيس الرغبة تغزو روحها وتستعمرها .. هي كما أنفت عابدة شابة في العشرينيات من العمر .. جميلة وجذابة .. خفيفة الدم .. شفافة الروح .. تواسي المرضى وتعطف على الفقراء والمساكين والمحرومين .. سائقها الليبي اغنيوة لا يتأخر عن ميعاده .. كل صباح باكر يأخذها إلى السوق فـتـتـقضَّى الفواكه الطازجة والخضراوات الطرية والحبوب الناضجة واللحوم والدهون والوقود .. تضع ما جلبت من غذاء في المطبخ لتطبخه طباخة المعبد ثم توزعه منتصف النهارعلى جياع المدينة .. كل جائع يمد صحنه فتملأه له وتناوله كيسا به فاكهة وخبز وقارورة ماء.
العابدة داخل المعبد هادئة وقور .. تتكلم برصانة وتتخذ القرارات بحزم .. تعامل زملائها بإحترام .. تتعبد معهم .. وتنشد بصحبتهم التراتيل .. وتشاركهم الرقصات والايماءات التي تستدعيها العبادة .. وعندما تطفأ الأنوار وفق طقس تعبدي .. تنسل بعيدا إلى ركن غير متاح كي لا تحتك بأحد أباطرة الخصب .. لكن فورما تخرج من المعبد تتحول إلى فتاة أخرى مفعمة بالحياة .. منطلقة .. صاخبة .. تحاور كل من تلتقيه .. تتأمل الشمس وتفرد ذراعيها للهواء .. تستنشق أكبر قدر منه .. طالما طلبت من سائقها اغنيوة أن يأخذها إلى الشلال .. ربما تلتقي بدويات في الطريق يبعن اللوز والكمأ والفل .. الطريق إلى الشلال يمر شمالا عبر طرق غير ممهدة .. مملوءة بالحفر والنتوءات .. وعرة جدا في أكثر مراحلها .. هذه الوعورة الدروبية تجعل عجلات السيارة تهتز بشدة .. فتهتز معها العابدة من أسفل إلى علٍ .. وأحيانا من اليمين إلى الشمال .. والعكس .. كتفها الأيمن يلامس باب السيارة وكتفها الأيسر يفر منها ليلامس كتف اغنيوة الذي يبعد نفسه في خجل مواصلا القيادة والتشبث بقوة في المقود بكلتا يديه.. يصلان إلى الشلال وهو مصدر المياه الوحيد في المدينة .. تنزل العابدة .. تغسل يديها وتمسح على وجهها بكفيها المبللين .. يملأ لها اغنيوة أزيار الماء .. ويشاركها تناول بعض ثمار التوت .. ثم يعودان .. في الطريق أكثر من مرّة تستوقفه طالبة منه قطف ثمرة زهت في عينيها تتدلى من شجرة على قارعة الطريق .. كل سكان المنطقة اقارب لاغنيوة ولا ضير إن قطف ثمرة أو دخل أرض إي واحد منهم .. العابدة ايضا شخصية محبوبة من الجميع .. طلباتها كلها ملبّاة سلفا .. هي أيضا تعامل الجميع بمودة .. تزور المرضى في بيوتهم ونجوعهم .. تقدم لهم الدواء والمساعدات .. في الأعياد تشاركهم فرحتهم .. تمنح المحرومين بعض الملابس والطعام والمال .. والمرضى الذين يعاف الناس مخالطتهم كالمجذومين تقترب منهم وتربت على رؤوسهم وتواسيهم وتشاركهم الطعام والشراب وتطلب من اغنيوة أن يأخذهم جولة في السيارة . اغنيوة تخلق بأخلاقها الفائحة بالأفعال والنوايا النبيلة .. حتى أن بعض أصدقائه صاروا يلقبونه باغنيوة العابد .. كانت الحياة الدينية في المدينة تسير على ما يرام .. كل ديانة تمارس طقوسها في معبدها .. لا أحد يزدري أحدا .. لا أحد يعتدي على أحد .. كل عبادة يمارسها اتباعها بحرية .. فهؤلاء يتناكحون في ظلمات الليل .. واولئك يرقصون مع بزوغ الفجر .. وذاكم يرسمون في القيلولة .. ورهط آخر يتأملون أوان الأصيل .. وآخرون يلعبون النرد .. وآخرون يلعبون الوابيص والليبرا وجمل عاشوراء .. وذالكم يتمتمون بكلمات تدعو إلى الحب .. في تلك السنوات كانت الحروب قد وضعت اوزارها .. واقتنعت كافة الاطراف المتحاربة انه لا جدوى من الموت .. تصافحت جميعها وتعانقت وغسلت كافة القلوب من الحقد والانتقام والوحشية .. كانت هذه المدينة آنذاك تحت حكم الادارة الاممية .. المؤن توزع على السكان .. الأمن مستتب .. الناموس الذي تعانق عليه كل ارباب الحرب هو الفيصل بين الناس .. استطاع سكان المدينة ان يفتتحوا النوادي .. والجمعيات الأهلية .. أن يتظاهروا دون أن يجابهوا بالنار .. سمح لهم بإصدار الصحف والمجلات وافتتاح المواقع الانترنيتية .. سمح لهم بصعود القمر متى ارادو وبركل الشمس وتكسيفها او تخسيفها متى ما حلى لهم.
تأثر اغنيوة بالعابدة كثيرا .. طيبتها انعكست على شراسة ملامحه البدوية فتودعت قليلا .. تطهر رأسه من الضباع والذئاب وبنات أوي .. مكر البدو وتعجرفهم هبطت وتيرته إلى أقصى حد .. حتى أن ابن عم له تحايل عليه في اقتسام أصوعة الحبوب فلم يكترث لذلك .. صار هندامه أنيقا .. فقبل أن يغادر بالسيارة لإصطحاب العابدة من المعبد يكون قد استحم وحلق ذقنه وصفف شعره وثبت ذوائبه وشوشته بمثبت معطر لامع .. وبالطبع نظف اسنانه البارزة بالفرشاة والمعجون حتى صارت بيضاء ناصعة.. قبل أن يعمل سائقا للعابدة كان غير مهتم بنظافته الشخصية .. شعره أشعث .. اسنانه البارزة صفراء من التبغ وقذرة من مضغ لحوم التيوس الشارفة .. كلما مر من الأزقة الملاصقة للسوق عابثه الفتيان مغنين :
يا اغنيوة يا فيك اسنون .. ناقصهن فرشة ومعجون
فيلعن دين امهم ويـبصق عليهم ويواصل طريقه .. الآن بفضل مرافقته للعابدة الأنيقة التي تدفع له معاشا جيدا وتصلح له من شأنه بطريقة لا تشعره بالحرج .. كأن قالت له ذات صباح وهو واقف خلفها يثبت لها دبوس وشاحها القرنفلي .. آووف يا غنيوة .. لو تترك أكل الثوم سأضع في كفيك النجوم واستدارت نحوه ووضعت في كفيه قطعتي حلقوم بالفستق كل قطعة على هيئة نجمة رؤوسها اللامتناهية مستديرة .
من يومها لم يذق الثوم .. وحتى البصل والكرّات .. صار يتناول طعاما لا يخلف اي رائحة نفاذة .. العابدة تقترب منه كثيرا تصلح له من هندامه .. ياقته ان كان طرفها منطويا في رقبته جذبته الى الخارج ومسحت بإصبعها قرب اذنه فيفغر فاه نشوة ثم يطبقه ويبتسم وتبتسم وينطلقان في السيارة الى المشاغل اليومية تظللهما البهجة وتمطر على روحيهما لذائذ الاهتزازات.
فهم رغباتها وفهمت رغباته .. العمل يسير على ما يرام تماما .. احيانا تتوعك من الدورة الشهرية فترسله الى السوق لوحده يتقضى لها ما تريد من مشتريات .. وتكلفه ايضا بإيصال الرسائل إلى وجهاء المدينة .. كانت الثقة متوفرة إلى أبعد حد حتى انها تسمح له بتوزيع الغذاء والمال على الفقراء وعلى كل من يستحق .. تقول له انت تعرف الفقير من المتفاقر.. تعرف الناس اكثر مني .. فيتم الأمر ويأتي إليها في غرفتها بالمعبد يجلس على حافة السرير ويحكي لها عما حدث بالتفصيل ويعيد لها ما تبقى من مال او غذاء .. تربت على شعره وعلى كتفه وتشكره وتضم المخدة الى صدرها وتهصرها بشدة ثم تنظر إلى النافذة في اعلى الغرفة .. هي ترتاح له كثيرا وهو يرتاح لها .. مذ أن فقدت حبيبها ابن العم في الفيضان الشهير الذي التهم كثيرا من الارواح والممتلكات لم يدخل الى قلبها رجل .. ليس كل الرجال قادرة على دخول القلوب .. هكذا تقول لنفسها دائما .. بعد فترة من موته تركت الحزن والعبث والغياب .. وقررت ان تجده عبر عبادة تمنح السعادة للذات و للآخرين .. كثيرا ما تحدثت مع حبيبها عن اعمال خيرية .. وعن حب ينعكس دفئه على الآخرين .. وعن جنس ارتعاشته تنشي الكون .. وعن طعام يكفي الجميع ويفيض .. وعن نار تدفيء وثلج ينعش وريح تلطف لظى الجحيم .. ونسيم يدخل الإنسان الى جنة القرب .. لكنه مات .. التهمه الطوفان .. وتركها متمسكة في جذع شجرة زيتون منعه عمود اثري قديم كثير الثقوب من الانجراف .. حيث مر الماء إلى الماء .. مرَّ من خلال الثقوب الى الخلاء والبحر والمحيط .. وجذع الشجرة الغليظ دخل ثقبا ضيقا .. لا يسمح له بالمرور .. وان سمح له بالإيلاج قليلا .. كانت العابدة تعانق منتصف الجذع .. والماء من الخلف يدفع الجذع الذي ازداد توغله في الثقب رويدا رويدا حتى لامس رأس العابدة العمود الحجري الأثري .. ما إن لامس الرأس العمود حتى هدأ الطوفان قليلا.. واستمر الهدوء إلى أن همدت ثورته..
حبيبها لا يشبه اغنيوة .. لكنهما يلتقيان في شيء واحد وهو العزف على المزمار .. حبيبها يعزف الحانا جميلة على مزماره المصنوع من سوق القصب واغنيوة مثله يعزف الحانا جميلة خاصة ان رأى او تخيل قطيع مواشي .. حبيبها بعد ان ينتهي من العزف يغني اغنية طويلة واغنيوة مثله يغني أغنية طويلة في نفس واحد .. العابدة تفهم أغاني حبيبها لكن أغاني اغنيوة تجد صعوبة في فهمها فتطلب منه شرحا مفصلا.. بعد مدة تعودت وفهمت وماعادت تسأل اغنيوة عن معنى هذه الكلمة أو تلك .. صارت تفهم بالروح .. صارت تفهم أن اغنيوة لا فرق بينه وبين حبيبها .. الموسيقى وحّدت بينهما في نسيج انساب الى قلب العابدة .. أول يوم رأت فيه العابدة اغنيوة كان لحظة نزولها من الباخرة .. التقاها اغنيوة في فم الميناء وساعدها في حمل حقيبتها .. وضعها في صندوق سيارته .. وانطلق بها إلى المعبد .. لم يشترط عليها سعرا معينا .. تصرف تلقائيا وكأنه يعرفها منذ زمن .. فتح النافذة وصار يغني بصوت خفيض موّال :
يا حلو يا لابس الحلو .. يا صغيّر يا عاجباني ..
ويا كابر النار في العلو .. دخان نارك عماني ..
وفي آخر الموّال تأوه فنظرت إليه العابدة وسألته : أأنت عاشق ؟ .. فأومأ برأسه موافقا وأرادت العابدة أن تنظر إلى صورتها في المرآة الصغيرة المثبتة في واقية الشمس أمامها فرأت زمارة قصب تتدلى من واقية البلاستيك البيضاء .. استأذنت من اغنيوة وتناولتها تتأملها .. زمارة مزدوجة يتدلى من طرفيها بالوصين .. ثبتتهما العابدة في الفتحتين ونفخت محركة أناملها على الثقوب .. وزاد اغنيوة السرعة واكتنفته النشوى والمرح .. وتوقف بالسيارة تحت شجرة خروب ظليلة .. صار يسمع لعزف هذه العابدة الجميلة . وانسابت دموعه إذ توغلت الموسيقي إلى اعماق اعماقه ووغرت جرحه القديم فحبيبته التي احبها من القلب تزوجها ابن عمها وعجز عن نسيانها .. توقفت العابدة عن العزف وتناولت قربة الماء المثبتة في مقدمة السيارة شربت منها حتى ارتوت وعندما اعادتها مكانها كان اغنيوة يعزف على الزمارة لحنه الأثير الذي يختزل نار الفراق الى جحيم ينتصب .. العابدة شعرت بما يشعر به ارادت ان تواسيه فابتسمت له واعتبرها وهو يعزف انها ابتسامة حظ ففرّح لحنه قليلا .. ورقصت العابدة رقصات تدور فيها حول نفسها ثم حول اغنيوة ثم دورات سريعة تصاحب ايقاع الزمارة السريع وعندما توقف اغنيوة فجأة عن العزف صرخت العابدة وكادت تسقط على نتوء صخري حاد لولا أن اغنيوة ناولها يده في الوقت المناسب فتمسكت بها وتذكرت جذع الزيتون الذي انقذها.
جذع الزيتون المدفوع من الطوفان انغرز في ثقب بالعمود الصخري الأثري .. والعابدة غرزت يدها في جراب تحمله على كتفها واخرجت منه قلادة صدف اهدتها لغنيوة فعلقها في حاملة مرآة السيارة .. ينظر الى صندوق الموشرات امامه وينظر للمرآة ليرى من خلفه .. وكل مرة ينظر فيها للمرآة يرى القلادة تتأرجح اسفل منها وصدفاتها تخبط بعضها مصدرة موسيقى من نوع خاص .. موسيقى غير قابلة للعزف .. عازفة عن التعزّف .. تعزفها اهتزازات الطريق والريح ان كانت كل نوافذ السيارة مفتوحة .. ومع الزمن .. ومع الطعام اللذيذ.. ومع الفلفل الليبي الحار الذي يُقدّم مخللا في اكواب غارق في سائل ملح الليم وتتخلله وريقات النعناع والكسبر وشرائح الليمون .. ومع خبزة الحلوزي الساخنة .. ومع الهواء العليل الخالي من التلوث .. ومع اللبن والزبدة والسمن والفواكه الطازجة والماء العذب الرقراق نضج جسدها وجن وتفتحت شهوته كثمرة تين فجرها السكر .. واشرق خيالها وضج بأحلام بها ضم وشم وعناق وارتعاش وصدف يضرب دفوف بعض ويلعن زمن الصدفة .. بعد الشلال بمسافة كانت السيارة منطلقة في أرض براح .. ارنب بري يركض .. السيارة تطارده وسط الحفر والاخاديد .. لو كان ليلا لسلّط عليه اغنيوة الضوء المبهر وسمّره مكانه .. لكن الزمن نهار .. والأرنب يركض بين أزهار المريمية ونبتات الخرشوف ويرى .. ينهب الأرض بتعرج يصعّب مهمة السيارة في مطاردته .. السيارة تنعطف وراءه أينما تعرج .. يمين .. شمال .. دورة .. دورتان حول نفسها .. اغنيوة يلعن الأرنب ويتوعده بالهزيمة .. العابدة تضحك وتستحلى اهتزازات السيارة .. والعفويات اللمسوية القادمة من كتف اغنيوة القوي أحبتها .. تحثه ان يواصل المطاردة والانعطاف والدوران واللعنات .. كتفها يلمس باب السيارة .. كتفها الثاني يلمس كتف اغنيوة .. ملامسة وابتعاد .. مطرقة وسندان .. الارنب عنيد لا يتوقف .. لا يستسلم للدهاش .. يركض بكل روحه .. حتى هو له حبيبة .. أرنبة تحضن خمس جراء .. والسيارة طوفان .. واغنيوة والعابدة قدر يدفع الحياة الى ضحكات الموت .. السيارة تركض .. والتلامس يتزايد .. والخصوبة تتبلل .. والارنب يسعى للنجاة .. يركض بكل قوته .. يصادفه جحرا في تبة منخفضة فيدخله .. يخرج منه سريعا و خلفه حيوان آخر يطارده .. الارنب مطارد من شيئين .. الحيوان الآخر يرى السيارة فيعود الى جحره .. ويظل الأرنب وحيدا واقفا في المفازة .. يلتفت ذات اليمين والشمال .. يرفع رأسه إلى اعلى وهو يلهث .. اغنيوة يوقف فرامل السيارة بقوة ويضع راحته أمام صدر العابدة لئلا يرطم الزجاج .. تتمسك بيدها في مقبض الباب فلا يلمس الصدر اليد ولا اليد تعود الى مقودها .. ينزلان من السيارة .. تقترب العابدة من الارنب .. إنه ينزف .. من رقبته .. من أطلق عليه النار .. هما لم يطلقا عليه النار .. اغنيوة تأمل رقبة الأرنب .. وأشار إلى الجحر .. الحيوان غرز مخلبه في عنق الأرنب .. العابدة شعرت بحزن .. هي لم تقصد صيده .. قصدت مطاردته وتركه .. قصدت المزيد من الاهتزازات .. الكتفان يتلامسان .. السيارة تهتز باستمرار .. انعطف يمينا .. شمالا يا اغنيوتي .. بسرعة اكثر .. فوق .. تحت .. الى الوراء .. ضحكات .. صرخات .. تأوهات .. حيوية .. غبار غير مشعور به .. جو جميل .. مطاردة تجدد الروح وتجعل الجسد لا يملها.
عادا بالأرنب إلى المعبد .. داواه طبيب المعبد بالميكركروم وقال للعابدة لقد تأخرتي .. لقد نزف كثيرا .. ومخلب الحيوان مسبب الجرح ملوثة .. من الأفضل أن تعطيه لاغنيوة ليشويه.. لا أمل في شفائه .. لم تستسلم العابدة وركضت به مع اغنيوة الى طبيبة شعبية .. كوت رقبته وصبّت عليها نقيع اعشاب بريّة وقطرات عسل مر وضمدتها برباط نظيف .. وقدمت للأرنب الخس والجزر الطريين .. لم يمت الأرنب .. تعافى بعد أيام قصيرة .. كل يوم يزورانه عند الطبيبة فتقدم لهما اللبن والتمر وخبز التنور المغموس في عسل النحل .. يربتان على الأرنب فيستكين كقطة دلوعة ويتمدد على نطع الصوف .. ثم يتمرغ قليلا ويقف يتمشى في خيلاء .. بعد ان شفى تماما اخذته العابدة الى الخلاء حيث وجداه .. انزلاه هناك وقفلا عائدين .. صارا يتأملانه في المرآة .. وقف قليلا ثم بدأ يركض وراء السيارة .. يزيد من سرعته كلما زاد اغنيوة السرعة .. ويتوقف كلما أوقف اغنيوة السيارة .. رق قلب العابدة .. لم تستطع تركه .. نزل اغنيوة وحمله من اذنيه .. وضعه في حضنها .. اختلط فراءه الابيض ببياض ثوبها .. هزهز رأسه وتمطى ثم سكن .. عندما عادت به العابدة الى المعبد رفض كبير العباد أن يبقى هذا الأرنب في المعبد .. قال سيفسد لنا الأرضية ويحفر لنا ما ردمنا من ثقوب وثغرات .. واقترح ان يخصص لهذا الأرنب قفصا معلقا .. لكن العابدة رفضت أن يسجن في قفص .. واخذته معها الى غرفتها .. العابدة تملك قطا رماديا بلون غيم الشتاء .. وضعت الأرنب في غرفتها مع القط .. لم يتشاجرا.. بل مع الايام صارا يلعبان مع بعضهما .. وعندما يمر فأر غافل .. القط يطارده ويجري خلفه وعندما يحاصره ويكاد أن يظفر به .. الأرنب يعرقله ويعترضه ويشاكسه حتى يتمكن الفأر من الهرب والإختباء في الصدوع الضيقة .. العابدة ترى المشهد فتبتسم .. اغنيوة يرى المشهد فيبتسم مثلها ويصفق يديه قائلا : سبحان الله.
انا عطشان .. و مياه الشلال تنهمر طول العام .. في الشتاء تتقوّى ومع الربيع تخف قليلا .. وفي الصيف ينقص انهمارها كثيرا .. وفي الخريف تنتعش ويمتزج وقع انهمارها بصوت الرياح .. هكذا هو الماء الممزوج بالرياح .. مجنون كنهد رجرجه النضج ودغدغته الطراوة .. الماء يسيل مع سوالف العشب المنبثقة من ثنايا الصخور ويبلل حصى الأرض منتشيا من تماس الرحلة .. راحة اغنيوة بدأت تتدفأ على فخذ العابدة .. هذه الفخذ الريانة التي ترتعش رعشة فجائية ثم تهمد وترتخي .. اغنيوة سعيد جدا .. بيد يقود السيارة .. وبيد اخرى يمسح على فخذ العابدة .. يمسح بأصابعه حتى الركبة ثم يعود حتى الحوض .. لا حفر في درب اللحم هذا .. العابدة تكز على اسنانها من قشعريرة اللذة .. شفتاها ترتعشان .. عيناها تغمضهما وتفتحهما في بطء .. عندما تنعطف يد اغنيوة نحو الأخدود الذي بين الساقين تضربه العابدة بيدها وتقول له عيب .. فيمتعض اغنيوة ويعض بأسنانه البارزة على شفته السفلى ثم يدوس على دواسة البنزين بكل قوته وتنطلق السيارة بكل سرعتها.. العابدة تصرخ لا تسرع ارجوك .. قد ننقلب .. واغنيوة لا يكترث لصراخها ويغني بأعلى صوته أغنيته المفضلة : يا لاندروفر يا زينة .. يا قاطعة الصحراء بينا .. يا حرشة .. اغنيوة ايحطك على الفرشة .. وايصب فيك البنزينا .. ولا تتمالك العابدة نفسها من القهقهة وتسأله فرشة عجمية ام فرشة عشب ستضعني عليها .. ويصرخ اغنيوة عجمية على عشب وبزيد من السرعة وتنحرف به السيارة نحو جرف صغير فتميل بشدة الى الجنب حتى ان الراهبة تسقط بكتفها عليه فيعدل السيارة بالانعطاف نحو الاتجاه المعاكس .. يعتدل هو لكن العابدة تظل ملتصقة به وجهها مغروس في صدره المشعر لا يعدل قامتها لكنه يعانقها فلا تقاوم ولا تقول له اركح بلاش شطانة و تضربه على يده .. يوقف السيارة فتبدأ في ارتشافه وارتشاف أجداد حرمانه المزمن.
لم يكن اغنيوة قد مارس الجنس مع امرأة من قبل .. اكثر ممارساته كانت مع الحمير أو الخيل أو مع مخنثين معروفين في السوق .. منذ ان بدأت تقبل شفتيه حتى انتشى وصار يلهث ويجأر كحيوان فتركت شفتيه ورفعت تنورتها ودخلت بين ساقيه .. فلم يحتمل وأفرغ صارخا يا نا عليْ .. يا نا عليْ .. حلووووووووو.
ابتسمت العابدة وابتعدت عنه .. تعدل من هندامها وتعيد تنورتها الى مكانها .. لقد تمزق الرواق هذا اليوم .. وهذه القذفة كسرت حاجز التحفظ الذي كان قائما بينهما منذ اشتغل عندها .. عاد بالسيارة الى المدينة بسرعة بطيئة .. وكلما واتته فرصة خلوة جذبها وقبلها .. تقول له لقد تأخرنا فيقول لها فعلا تأخرنا لأننا لم نمس بعض إلا هذا اليوم المبارك .. اليوم تصبحت على ديك راكب على دجاجة .. هذا الديك سأشتريه من جارتنا ولن اذبحه ابدا .. وضحكت الراهبة .. سأشتري له دجاجة حتى ينبسط مثلك ويكوكي كا كا كايْ يا نا علي بلغة الديوك .. وصارت الراهبة تتلمس فخذه وتمرر يدها حتى تقبض على عضوه فيفتح فمه متأوها وينظر في الطريق ذات اليمين والشمال فلا يرى اي مارة او سيارة قريبة فينحرف عن الطريق العام الى شجرة كثيفة يوقف السيارة تحتها ويرفع تنورتها ويدخل بين ساقيها يلتصق فتعانقه وتهصر خصره ويتلمس لباسها الداخلي رائدا انزاله فتمنعه وتتملص منه قائلة .. إلا هذا .. ما فينش .. خلينا من برا لا برا .. ويحاول ان ينزع لباسها الداخلي بقوة فتدفعه عنها وتصفعه على وجهه فيصرخ من الصفعة ومن القذف الذي عجل به التقاء العنفين .. ويسترخى قليلا متمتعا باللذاذة ثم يصرخ ويحاول أن يعود بين ساقيها ليلجه فيها لكن ترفض بشدة وغضب فيتوسل لها .. لكنها ترفض وتهدده بالطرد من العمل فيستسلم ويعود بالسيارة الى الطريق .. يسير ببطء متشبثا بكلتا يديه بالمقود .. العابدة تتأمل الطريق وتصلح من نفسها مستعينة بمرآة الباب الجانبية .. اغنيوة بعد الذروتين شعر بالاكتفاء والشبع لكنه صار يتظاهر بمناوشتها فيتلمس فخذها ويذهب بيده الى تحت فتضربه عليها .. فيعود .. لكن هذه المرة وخزته بإبرة مغروسة في كبّة الصوف التي تشتغل عليها فأبعد يده ومص الدم القليل النافر من جراء الوخزة .. نظر لها نظرة دموية وقال لها لقد سيلتي دمي وسأسيّل دمك .. قالها مازحا وقهقه عاليا وصار يغني لها :
لو تعطيني مرّة ..
لو تعطيني مرّة ..
لو تعطيني مرّة ..
حتى من برّة لا برّة .. (دون ايلاج).
عندما وصلا المعبد ساعدها في حمل النبيذ والتين المجفف والمكسرات الى غرفتها .. في الغرفة لم يجدا القط .. وسمعا عواءه من بعيد .. ووجدا الأرنب يلحس جزرة حمراء .. ابتسم اغنيوة واقترب منها قائلا ورأس الأرنوب ما تقولي لا .. الأرنب يلحس الجزرة الحمراء والعابدة تلحس فجل اغنيوة والقط دفع بمخبشه فردة النافذة المواربة ودخل ودخل معه شعاع شمس أصيل انفلت من كثيب سحاب غامق.
لم تترك العابدة اغنيوة يلجه فيها لكن سمحت له بأن يلامس عضوها بعضوه .. ومع الأيام صار الأمر عادي .. واستمتعا ببعض دون ايلاج .. في الغابة وفي نواحي الشلال .. وفي الغرفة .. كانت دائما تمسح جيدا وتغتسل .. واغنيوة الذي كان لا يشرب النبيذ صار يشاركها الشراب.. وفي بعض الأيام يركن السيارة بعيدا ويزورها في الغرفة لشأن ما ثم ينام عندها .. عرف المرأة جنسيا من خلال جسد العابدة الجميل .. وإن هي عرفت الرجل سابقا مع حبيبها الذي مات في الطوفان وسبب لها الجفاف والبؤس حتى وجدت الخلاص في التعبد والطعام اللذيذ .. عندما يعود منها الى البيت يتسلل قبل النوم الى اسطبل جارهم فيضاجع الفرس ذات الفرج الساخن ويقارن بين هذه الفرس وتلك العابدة التي تسمح له بالملامسة فقط .. يقارن بين الحلاوتين ويقول المثل المأثور.. " الفرس احلى بـنـّـة والعروس أحلى صـنـّة " .. والبنـّـة تعود إلى المذاق والحسيّة والصنـّة تعود إلى حاسة الشم .. أي الفرس لذتها الجسدية أقوى من العروس التي تتفوق في مجال الرائحة العطرة إن أحسنت التعطر وعدم الضراط.
ذات مساء حضر عرس ابن عمه قريبا من البيت وراى العريس يدخل على العروس ويخرج بعد ربع ساعة وفي يده منديل ملطخ بدم البكارة يعطيه للنساء وتتعالى الزغاريد وطلقات الرصاص من بنادق الخرطوش وشيخ كبير يصرخ اهم الرجالة ولا بلاش .. وكان قد احتسى بضع كؤوس من القرابا فركب سيارته وذهب الى المعبد .. في غرفتها عرفته سكرانا .. وكانت حتى هي منتشية قليلا من النبيذ .. وكان الجو باردا .. والأرنب نائما .. والقط يطارد القطط فوق اسطح البيوت القريبة .. تعانقا وتعريا تمام وبدأت تداعب جذور شهوته .. لكن طرق على الباب .. وبيباص المعبد يقول هناك امرأة ستلد الآن .. زوجها جاء يطلب مساعدة .. لبست العابدة ملابسها بسرعة ومدت حقيبة التمريض للبيباص لينزلها الى تحت وخرجت بسرعة ترافق الزوج القلق الى زوجته التي في حالة نفاس .. ما ان ابتعدت السيارة حتى عاد البيباص كعادته الى غرفة العابدة ليختلس رشفات من النبيذ او بعض المكسرات .. دفع الباب ببطء وتسلل في الظلام الى خزانة الشراب .. اغنيوة على السرير متناوما تحت اللحاف يسمع خرخشة فيظنه الأرنب أو القط .. لكن البيباص عندما عب حد الارتواء من النبيذ انتشى وتنهد ثم اشعل سيجارة وتأخر ليستلقى قليلا على السرير فتلقفه اغنيوة وطوقه بذراعيه صارخا تسرق في السكير يا ابن القحبة .. انت تستاهل النيك .. ودفعه على السرير واعتلاه .. لم يقاوم البيباص واسترخى منتشيا .. لكنه توسل في غنج .. بالشوية يا سي اغنيوة بس .. النيك ظرافة مش كبر زبوب.
كان هذا البيباص زاملا كبيرا .. يعرفه كل الشبان المقيمين حول المعبد .. ويعتلونه باستمرار .. بل ويأتونه شبان من القرى القريبة من المدينة خصيصا .. كان يفعل ذلك بصورة شبه يومية .. وكل مرة يأتي الى كبير العباد ليعترف .. لقد فعلوا بي اليوم .. اطلب الغفران .. ومن كثرة هذه الأفاعيل حتى صار يدخل الى غرفة الاعترافات ولا يتكلم لكن يفهم كبير العباد انهم فعلوا به مرة أخرى .. فيمنحه الغفران سريعا لينظر امر غيره.
وفعلتها الحياة ووقع المحظور وتسرب ذاك المخلوق الي رحم العابدة وتكون الجنين .. انقطع الطمث .. وبدأت العابدة تتقيأ .. وتكره كافة الأطعمة .. وتسقط في منتصف التراتيل .. فيحملها اغنيوة الى غرفتها وينش على وجهها بنشاشة السعف وعندما تنتعش قليلا تعانقه فيعاود معها الكرّة .. لقد ادمنها وادمنته .. في الشهر الرابع انتفخ بطنها اكثر وشك مجلس المعبد في الأمر فأخضعوها الى كشف طبي .. وجدوها حاملا .. لكن في نفس الوقت عذراء .. قال كبير العباد .. ثمة معجزة ما .. ففي الكتب هناك بشارة بأنه سيظهر من هذه الأرض شئ مهم .. سنرسل حمام الزاجل الى المعبد الأم ونخبرهم بالأمر .. سنقيم حفلة الرسالة غدا مساء .. غدا القمر في منتصف السماء .. نبه على الجميع انه لا غياب .. جهزوا النبيذ والشواء والبخور والدفوف .. والرسالة ستكتبها العابدة بنفسها على قطعة من جلد أرنبها.. احدكم يذبح الأرنب الأن ويسلخه ويدبغ جزء من جلده ليكون جاهزا مساء الغد .. والحبر من دم القط .. ذاك القط الرمادي الذي تربيه .. ليس مهما ان تذبحوا القط من الممكن ان تجرحوه فقط .. لكن اقبضوا عليه منذ الآن لئلا يهرب او يضيع وراء قطة .. كثيرا ما يتغيب هذا القطوس الرمادي لعدة ايام مصاحبا قطة في احدى الخرائب .. اعزلوا العابدة عن غرفتها .. ضعوها في الاسفل في غرفة التمريض .. قبض على القط .. وذبح البيباص الأرنب .. ليس ارنب العابدة .. لكنه ارنب آخر احضره له اغنيوة خفية في كيس واخذ ارنب العابدة الى بيتهم اوصى عليه امه للعناية به .. قال لها يا امي هذا ارنب مرابط .. جبته من سيدي عبد السلام .. صاحت تستور يا اسيادي .. وادخلته الغرفة .. قالت للأرنب احفر وين ما تريد .. عليك الطويل اينادي..
قدمت له الماء وربطة برسيم طرية وابعدت عنه حشائش المعدنوس السامة بالنسبة لمعاشر الارانب.
أقيمت الحفلة..
حفلة صاخبة .. بها غناء ورقص وطعام وشراب وطقوس تعبدية غامضة واطفاء نور واختلاط بلا حدود .. كانت العابدة من نصيب اغنيوة .. جرها وراء عمود في ردهة المعبد .. وبعد ان هدأت الأحوال .. اي كل رفيق امسك رفيقه انسل بها صوب مصطبة في اخر الممر .. جلس عليها وصار يتناجيان بهمس .. عند الفجر صعدا الى الغرفة واكملا النوم .. في الصباح لم يتلمس الارنب اصابعها ويلحسهما استيقظت مفزوعة .. الأرنب .. الارنب .. وخرجت تجري الى تحت .. الأرنب .. الأرنب .. خرج لها البيباص وكبير العباد من غرفة جانبية .. وقال كبير العباد الارنب حسب الطقوس المقدسة ذبحناه وكتبنا بدمه الرسالة فصرخت ارنوبي .. ارنوبي .. مجرمين .. وكادت تهوي ارضا بيد ان البيباص اسندها والتقف يدها في اخر لحظة وصار يساعدها في الصعود الى غرفتها وهمس في اذنها سيحكي لك اغنيوة .. لقد كان فحلا معي لذلك خدمته من عيوني . فرحت بصنيع اغنيوة وعانقته بشدة .. كانت الرسالة قد كتبت في رق الارنب وعند الفجر طيرت حمامة الزاجل والرسالة مغمودة في جلد ومربوطة الى رجلها .. بعد شهر عاد الرد عبر الزاجل ..
ستصلكم أم السفن فضعوا العابدة فيها ولتأتينا بحملها المبارك ..

لاحت ام السفن للميناء عند الأصيل .. المنارة قوّت من ومضها بتجرع جرعات مضاعفة من الوقود .. الناس عشّت أمام الميناء انتظار الوصول .. الزمن شتاء .. الأمواج عالية ومتلاطمة .. أم السفن تناور وتـفشل .. القاطرات برياسها أصحاب الخبرة يحاولون دلها ومساعدتها ويفشلون .. هناك من أتى من القرى المجاورة للتسوق من سوق المدينة لكن بعد ان شاع نبأ وصول السفينة التي ستنقل العابدة الحامل الى موطنها الأم فضل عدم الرجوع إلى قريته واستحلى البقاء ليرى الحدث بأم عينه .. وليحكيه لأناس قريته عندما يعود بأم رأسه .. المناخ بارد جدا .. وهذا الوقت بالذات يسميه الناس وقت قرّة العنز.
الأمر داخل المعبد يختلف اختلافا تاما عن الأمر أمام الميناء .. كان البيباص في اعلى البرج يضع للحمام قصبا ويغير له كوؤس الماء ولاحت منه التفاتة صوب البحر فرأى خيال السفينة ودخان مدخنتها العملاقة يختلط بسحاب الشتاء الغامق .. هبط سريعا الى صالة العبادة الفسيحة .. ورغم ان كبير العباد مستغرق في طقس تعبدي هام إلا أن البيباص اقترب منه غير عابئ بنظرات عدم الرضى من بقية العباد ذوي الدرجات المتفاوتة ووشوش في أذن كبير العباد الذي بدوره رفع يده وابتسم وانهى طقسه بترقيصة حاجبين وهزّة رأس تأمر الجميع بالخروج من الصالة وبقى وحده مع مساعده ومساعدته العجوز .. بعد عشر دقائق دبّ النشاط في اروقة المعبد وأرسلت سيارة للبحث عن اغنيوة والعابدة واحضارهما .. وجدهما السائق صحبة البيباص تحت شجرة بطوم يرتشفان الشاي الساخن بالبردقوش .. نزل البيباص واخبرهما بضرورة العودة إلى المعبد لأمر هام .. صب اغنيوة للبيباص طاسة شاي وأخرى للسائق ثم ردم نار الشاي بالطين وغمزه البيباص قاصدا أن يقول ونار مؤخرتي .. فابتسم له اغنيوة وصفعه على ظهره قائلا : اطلعوا الساع نلحقوكم.
قاد العابدة إلى السيارة برفق .. ساعدها في الجلوس على الكرسي .. حرّك لها عقد الصدف المعلق في المرايا حتى يشكشك .. ضغطت العابدة على شريط في المسجل فبدأ يغني أغنية قد ألفاها ولحناها وعزفاها بالمزمار بالتناوب وسجلاها في غرفة العابدة مستعينين بالبيباص كدرباك .. يبدأ اغنيوة اولا :
يا عابدة يا حلوة .. أنت القلب والكلوة
ترد العابدة :
يا اغنيوة يا اغنيوة .. ياروح قلبي يا حليوة
وتتواصل اللازمتان من اغنيوة والعابدة بتفاصيل غنائية ارتجلاها آنذاك إلى أن ينتهي الشريط بمواء القط الذي قفز من النافذة إلى الغرفة يشاركهم بمواء طويل تصعب على النوتات الموسيقية تدوينه.
قلبت العابدة الشريط واوقف اغنيوة السيارة امام المعبد .. فتناولت العابدة الشريط من المسجل وحفظته في جيبها .. كان في الباب كبير العباد الذي استقبل العابدة بترحاب وبشاشة وايضا اغنيوة .. لكن بعدها قال لاغنيوة عليك ان تعود الى بيتك يا بني الآن وتأتي غدا صباحا .. غدا لدينا شغل كثير ونحتاجك كثيرا .. انصحك الا تتوقف لأحد في الطريق .. ولا تتكلم مع أحد حتى الغد .. غدا باكرا نحتاجك صائما عن الكلام .. لا تلتفت او تتوقف إلى احد .. الأمر مهم جدا يا بني اغنيوة .. عاهدني على ذلك .. قال له اغنيوة كلام رجالة خلاص تم.
كان اغنيوة قد ألف هذه التصرفات الطقوسية التعبدية وتعايش معها فلم يستغرب الأمر .. كثير ما نفذ مثل هذه الأمور .. أحيانا يكون في المعبد ويقولون له اقفل عينيك وما يحدث لك ليس حقيقة بالضرورة فيقفل عينيه وكثيرا ما ناك مخلوقات لم ير وجوهها . لكنها أشياء ناعمة ونظيفة فلم يصب بأي مرض جنسي .. إلا مرة واحدة عندما ناك البيباص في غرفة العابدة واسعفه البيباص بالعلاج في ثاني يوم .. أحيانا يصحوا فيجد بجانبه نقود أو طعام فاخر .. ذات مرة أثناء طقس تعبدي شعر أن أحدهم يريد أن ينيمه على بطنه فطاوعه ونام متمثلا مقولة البدو الشهيرة الحرير كيف ما اتفرشه كيف ما اتغطى به .. وعندما أراد حل تكة بنطلونه قفز اغنيوة جالسا وامسك بالفاعل من رقبته .. كان أحد عبيد المعبد مشرف على الاسطبل .. صرخ اغنيوة فيه شن تبي ادير يا فاسد فرد العبد حلمت أن عقربا مدسوس في سروالك لم اره من جهة الامام فقلت اقلبك واشوف .. لم يعلق اغنيوة وقال للعبد مانيش ربع ادماغ العب غيرها ودرق وجهك من قدامي ورجع لنوم الصيد .. لم يفكر في امر الاستدعاء المفاجئ والصوم عن الكلام .. لم يضع في رأسه أي شئ سئ .. أي لم يضرب النقص ( يحذر ) ما إن خرج من زنقة المعبد حتى لاحظ أن كل الناس تنظر إليه .. ومنهم من يلوح له تلويحة اعجاب او تهديد .. تلويحة اعجاب على هيأة قبض الأصابع إلى الداخل وإبراز الإبهام إلى أعلى .. تلويحة تهديد على هيأة فرد الأصابع وهزهزتها في وضع السيف إي ليست ووجهها للوجه .. ورأى تلويحات أخرى على هيأة عملية الذبح .. وتلويحة علامة النصر برفع السبابة والوسطى مع قبض بقية الاصابع .. آخر تلويحة لاحت له وهو ينعطف إلى طريق غير مأهول يوصله إلى بيت أمه كانت من عبد الأسطبل الذي كان يتجرع النبيذ من جرّة صغيرة ما إن رأى اغنيوة حتى وضع فوهة جرّته على مؤخرته وغرق في ضحك هستيري .. ووضع الجرّة على المؤخرة يعني بها :
طاقتك والجرّة
وهو اسلوب تهديدي معروف بين الناس.
عندما حملت العابدة لم يتهم المعبد اغنيوة .. وعومل كما ذي قبل سائق مخلص للعابدة .. لم يشعر بإي نظرات غريبة .. ولم ترمى له اية كلمات ذات مغزى .. لكن الشارع منذ أن عرف بحمل الراهبة حتى وجه لزب اغنيوة اصبع الاتهام .. وصخبت الاشاعات .. أحدهم في الدكان وهو يشرب الشاي بطريقة بايك ولا هدراز ( من يريد شرب ادوار الشاي الثلاثة يدفع الثمن ومن يريد التحدث او الاستماع فقط فلا يدفع شيئا لكن يمر الشاي من امامه ولا يدعى اليه ) .. هذا الشارب أقسم أنه شاهد اغنيوة راكبا على العابدة في الغابة .. وآخر قال شاهدته يمص في شواربها ( شفتاها ) وبزازيلها وآخر وهو هدراز فقير ليس لديه قدرة على دفع الشاي فهمس للجميع أنه رأى العابدة ترضعه له واغنيوة فاتح فمه واسنانه البارزة ترقص فصرخ كل من في الدكان واعطاه الشوهاي طاسة شاي بالكاكاوية مجانا وسبسي.
عموما صار اغنيوة في الشارع محل اعجاب من الجميع .. لان العابدة جميلة جدا ومتمنعة جدا .. حاول معها كثير من الاعيان والاغنياء ورؤساء الشرطة والجيش والبلدية ولم يفلحوا في الحصول حتى على ابتسامة .. فتيات المدينة كلهن احبن اغنيوة .. العذراوت يزرن امه باستمرار ويساعدنها في الغسل ويحضرن لها بعض الطعام وعندما يصل اغنيوة يستعرضن امامه مكر انوثتهن من عطر ولباس وكلام مغناج .. الهجالات ( المطلقات ) والارامل صارن يعترضن سيارته يرغبنا في التوصيل مجانا في الطريق منهن من تعرض نفسها بالكشف عن ساقيها او صدرها ليراه اغنيوة في المرآة ومنهن من تقول التوصيلة بلاش يا سي اغنيوة ولا تسلك لحم .. كان اغنيوة يوصل من تعترض طريقه حتى شارعها دون ان يمسها او حتى يكلمها .. احداهن بدوية جميلة ومتكبرة وذات حسب ونسب .. عندما اعرض عنها اغنيوة سألته : كنك يا اغنيوة مش امعدل علينا .. ولا مش ماليين عينك .. فأجابها اغنيوة قائلا :
من ضاق موز المدينة ماعاد يالف ابوادي.
لم يعد الفتيان يجرون خلفه مغنيين يا اغنيوة يا فيك اسنون .. ناقصهن فرشة ومعجون .. خاصة بعد أن أوصل واحدا منهم ذات مساء وانحرف به الى طريق جانبي واغتصبه وعضه في مؤخرته باسنانه البارزة للذكرى .. صارت اسنان اغنيوة البارزة موضة .. صورته يعلقها اصحاب محلات العطور وعيادات الاسنان .. حتى معجون الاسنان الشهير غالي الثمن اهمل الناس اسمه الاجنبي وصاروا يقولون للبائع من فضلك اريد معجون اغنيوة .. أحد الأفارقة أحضر شوال بوخط مملوء بأعواد السوّاك ما إن قال أن هذا السواك نوعه اغنيوة حتى باع بضاعته في نفس الوقت.
وصل اغنيوة البيت .. فوجد امه مشغولة عنه .. كانت البنات لديها واحداهن اخبرتها بأمر السفينة التي تناور للدخول إلى الميناء .. قالت له امه تعالا يا وليدي .. فيه موضوع نبي نحكيلك عليه .. اشار لها بالصمت كما امره كبير العباد .. اضافت .. موضوع خطير .. نبي انصبي معاك فيه تصباية رجّالة .. انبيع اللى وراي واللى قدامي .. لكن ما نبيكش اتكون ارنب.
صرخ اغنيوة لا شعوريا .. ارنب .. كنا الأرنب .. صارتله حاجة .. شنو خطير .. وضرب جبهته بيده .. لقد انتهك صومه .
قالت له أمه الأرنب بخير .. هو نائم على نطع الصوف .. ومنذ قليل أعطيته وجبته من الخس والجزر وجرعته من الماء .. وفي الصباح اطلقته على ارنب جارتنا وعاد منها يهزهز ذيله من السعادة.
دخل اغنيوة الغرفة واخذ الارنب في حضنه يفلي وبره الناعم متخيلا العابدة وهي تفعل هذا الأمر في غرفتها قبل ان يختفي الأرنب هذا من اجل الطقوس.
الموضوع يا وليدي خطير وخذ بالك من نفسك .. وكانك تريد رضاي بكرة امشي اكرس في الجبل .. وشوف من فوق .. فيه بابور جاي يبي ياخذ صاحبتك العابدة الى بلادها .. والناس كلها اتقول انها حامل من اغنيوة .. وخايفة يا اغنيوة يا خذوك معاها في البابور ومعاش انشوفك وانا اعزيز اقريب نموت وما عنديش ولد غيرك.
اغنيوة يستمع ويفكر في الأمر والأم تواصل كلامها..
انكان جماعة المعبد ايريدوا مسار ( مجلس صلح عرفي ) انسيروا عليهم .. شيخ القبيلة قال ماعنديش مانع .. اغنيوة راجل نموتوا كلنا وراه .. وان كان ايريدوا ايزوزوها لك فمبروك علينا وهذه زغرودة مقدما وزغردت ام اغنيوة ففتح الأرنب عينيه المغمضتين وهزهز ذيله القصير .. المهم بكرة خليك بعيد .. نين نعرفوا الميّة وين اتصب.
كان اغنيوة لا يعصى امه ابدا .. لم ينم ليلتها .. عند الفجر ترك السيارة مكانها وصعد إلى الجبل .. اختفى بين الأشجار وصار يتأمل المشهد .. البحر هادئ وقاطرة تخرج من الميناء وتقود الباخرة الكبيرة إلى الرصيف .. الناس تتجمع امام الميناء .. السفراء والقناصل .. افراد الشرطة والجيش .. الطلبة .. كل شرائح المدينة .. لم يغب أحد.. كبيرا ولا صغيرا .. حتى أم اغنيوة اقتربت من الحشد متنكرة وعلى راسها صرّة دلالة ( بائعة متجولة ) .. في الضحى تنزل فرقة موسيقية بها كل الالات الموسيقية المعروفة .. الناس متجمهرون أمام الميناء .. الموسيقى بدأت تعزف لحنا هادئا كصوت الأمواج عندما تكون بطيئة جدا .. الناس تتمايل سائحة كقطرات العسل .. ورويدا رويدا بدأ اللحن يتغير صوب الفرح ليبدأ الناس الرقص كل بطريقته .. واقترب موكب مهيب قادم من شوارع المدينة .. عربة تجرها الخيول المطهمة .. امامها البيباص يبعد الناس ويفسح للعربة الطريق .. يقود العربة كبير العباد وبجانبه تجلس مساعدته .. وازداد صخب الناس وصخب الموسيقى مع كل اقتراب .. ووصل الموكب إلى رصيف الميناء .. نزلت العابدة ببطء وحيّت الجميع بيدها واحنت رأسها للفرقة الموسيقية واتجهت الى السلم تصعد درجاته الى الباخرة .. وتعالت وتيرة الموسيقى تعزف الفرح .. والناس واصلت رقصها لا شعوريا اكثر من ذي قبل وصاروا يتمايلون كالسكارى حتى ان ام اغنيوة استرجعت ايام شبابها عندما كانت تحجل في اعراس القبيلة وهزت وركها الضامر الآن بعنف فسقطت الصرة من على راسها وقفز منها الأرنب الذي ركض سريعا صوب الباخرة اراد الحراس منعه أو الامساك به إلا أن العابدة رأته وهي تلقي النظرة الأخيرة على الجمع والموكب فأشارت للحراس بتركه فقفز في حضنها سعيدا جدا وغابت به في الجوف المعدني.

في قمرتها بالباخرة صرفت الممرضة والخادمة وبقت مع أرنوبها .. تتلمس قلبها المجروح من فراق اغنيوة .. وتتلمس فراء الأرنب الناعم الدافئ وحينما وصلت أصابعها إلى مكان جرح الأرنب القديم .. اصطدم اصبعها بجسم صغير صلب بعض الشيء .. وغرت إصبعها في الفراء أكثر لترى .. هل هو ورم أو ماذا .. جراب جلدي ابيض صغير .. نتشت سلكه باسنانها وفتحته .. قصاصة بها ورقة مكتوب فيها برياقة اغنيوة :
مشيتي وين ولمن خليتيني.

محمد الأصفر
mohmadalasfar@yahoo.com
ليبيا


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home